البيت النجفي وأجواء الحرية في لندن والدراسة المصرية

719

البيت النجفي وأجواء الحرية في لندن والدراسة المصرية

محمد بحر العلوم والرؤية العربية

عبد الحسين شعبان

حين التقيتُ السيّد محمّد بحر العلوم في الشام في منزل شقيقتي ” سلمى شعبان” وهي صديقة كريمته ” أم حيدر” في أواسط الثمانينات، كان قد مضى على آخر مرّة رأيته فيها في النجف أكثر من عقد ونصف من الزّمان، فقد اضطرّ في العام 1969 إلى مغادرة العراق إثر اتهامه مع السيد مهدي الحكيم بالتآمر على النظام الجديد بدعم من جهة خارجيّة ، ومثل تلك القصص والحكايات كانت رائجة آنذاك، حتّى وإن كان سيناريو إخراجها رديئاً، وهي عادة ما تلجأ إليها الجماعات الحزبيّة ذات التوجّهات الأيديولوجية الشموليّة بهدف تشويه سمعة خصومها ومحاولة إسقاطهم في نظر الرّأي العام كما تعتقد . وكان النظام السابق بارعاً في ذلك، لدرجة أنّ بعض أركانه لم يسلموا من هذه التّهم الجاهزة.

            كان المنفى قد استنفد من بحر العلوم كثيراً فقد تغيّر وبدا أكبر من سنّه، لكنّ شيئين ظلاّ ملازمين له: عقله المنفتح ومرحه الذي لا حدود له، وأستطيع أن أقول أنّه كان من أكثر الإسلاميين العراقيّين تصالحاً مع ذاته، وواقعيّة في تقدير توازن القوى وفي النّظر إلى الآخر ” المختلف”. ولعلّ الغربة التي تركت بصماتها على الرّجل، كان لها شيء إيجابي وهو اختلاطه الأوسع بروافد عربية أخرى وانتماءات سياسيّة وفكريّة متنوّعة، الأمر الذي زاد من قبوله للآخر واستعداده للتعامل معه. وكانت لديه قدرة عجيبة على التقاط الجوهري من الأشياء، حيث كان يردّد “دعنا في الممكن” و” البحث في أساس التقارب والموقف المشترك”.

موقف ناقد

            وكان أوّل ما لفت انتباهي هو موقفه الناقد لإيران خلال سنواتالحرب العراقيّة – الإيرانيّة، ويكاد يكون هذا الموقف استثناءً في إطار التيّار الإسلامي، وإنْ أخذ يكبر كلّما طال أمد الحرب، لكن مثل هذا التوجّه بقي خافتاً وتأثيره ظلّ محدوداً. وقد لاحظت بعض التغييرات عنده، منها انفتاحه على ” غير الإسلاميّين” وإقراره بدورهم واستعداده للتّعاون معهم في إطار معادلاته السيّاسيّة الجديدة، إضافة إلى نظرته العربية، فقد حاول بذلك أن يتخطّى النّظرة المحليّة أو الإسلاميّة الضيّقة، ليتوجّه صوب العرب في إطار المصالح المتقاربة والمتضاربة، وهو أحد دروس المنفى بالنّسبة لبحر العلوم.

            ومن هذا المنطلق كان حريصاً على الاستماع لوجهات نظرنا، حيث كنّا قد انفصلنا عن الحزب الشّيوعي آنذاك بسبب الموقف المباشر من الحرب العراقيّة – الإيرانيّة والمسألة الوطنيّة عموماً، إضافة إلى أسباب فكريّة وسياسيّة وأخرى تنظيميّة وعمليّة، كما كنّا قد تميّزنا برفضنا الواضـــح لــ المشروع الحربي والسيّاسي الإيراني”، فدعونا إلى وقف الحرب لأنّها لا تخدم إلاّ الإمبرياليّة والصهيونيّة وتلحق ضرراً بليغاً بالبلدين والشعبين اللّذين يرتبطان بعلاقات تاريخية، بعضها إيجابي ، وبعضها الآخر سلبي، ونحن بحاجة إلى استخلاص الدروس والعبر لوضع مسار جديد للعلاقات بين بلدين جارين لا بدّ أن يحلّا مشاكلهما بالسّلم والحوار والتفاهم وفقاً لقواعد القانون الدولي.

            وكانت قناعاتنا تنطلق من أنّ الحرب مهما ستكون نتيجتها فإنّها ستؤدي إلى تدمير طاقات البلدين التي ينبغي أن تتوّجه ضدّ العدو الصهيوني، كما ستؤدي إلى تعطيل تنميتها وستترك مرارات وندوباً تتراكم مع مرور الأيام، وكنّا قد انتقدنا حينها التيّار الشيّوعي الرسمي، خصوصاً شعاره الذي يدعو للإطاحة بالدكتاتورية ووقف الحرب، في حين كان شعارنا يضع مسألة “إنهاء الحرب فوراً وإقامة نظام ديمقراطي”، واعتبرنا موقف القيادة الشيوعية الرسمية ممالئاً للحركة الكرديّة  التي راهنت على استمرار الحرب وهو ما كانت تنادي به إيران وتدعو له علناً.

            وكان الموقف من تلك الحرب أحد محاور الاختلاف الوطني في الساحة العراقيّة عموماً، حيث وقفت سوريا والجماعات التي تدعمها داعية ” لعدم توسيع رقعة الحرب”، في حين اصطفّت القوى الإسلامية خلف إيران التي دعت لاستمرار الحرب حتّى النّصر والإطاحة بالنظام وإقامة ” بديل إسلامي” ودفع تعويضات لها، وقد قدّرت في حينها بنحو 150 مليار دولار، ثمّ حدّد السفير الإيراني في موسكو السيّد موقري أربع نقاط لوقف الحرب، فبالإضافة لما هو مذكور، كان هناك شرط وضع مدينة البصرة تحت السيادة الإيرانية المؤقّتة واستفتاء أكراد العراق بالانضمام إلى إيران أو الانفصال عن العراق.

موقف اكبر

            وحين اقتربت من السيّد بحر العلوم لمعرفة موقفه أكثر، قال إنّ القضيّة لا تُحلّ بهيمنة إيران وجماعتها، وحتّى لو أُطيح بنظام صدّام حسين والدكتاتورية فإنّ ” البديل الإسلامي” المطروح قد لا يكون ملائماً للعراق، كما أنّ إيران غير العراق، فضلاً عن أنّ القوى الإسلاميّة العراقيّة هي غير القوى الإسلامية الإيرانيّة، وبعد هذا فليس لدينا ” الإمام الخميني” الذي نقدّر شجاعته وقراره الإطاحة بحكم الشّاه، وحتّى وإنْ وجِدَ فالإجماع العراقي سيكون صعباً عليه إن لم يكن مستحيلاً.

            وأشار إليّ بإصبعه قائلاً: أكيد إنّكم ترفضون ذلك، وأظنّ أنّ الأكراد سوف يتحفّظون، ثمّ كيف تحلّ مشكلة السنّة وجماعة النظام من البعثّيين والقوميّين؟ فهؤلاء ليسوا جميعهم في مركب واحد وبعضهم لديه مآخذ جدّية حيال الوضع السيّاسي وطريقة إدارة الحكم، والآخر طالته يد النّظام الدكتاتوري.

            وحين عرف أنّ موقفنا أكثر وضوحاً ولاسيّما برفض المشروع السيّاسي والحربي الإيراني ليس فقط من منطلقات فكريّة، بل من اعتبارات وطنيّة عراقيّة عامّة وما سيخلقه ذلك من تداعيات وردود فعل على الوحدة الوطنيّة، أدرك أهمية إصرارنا على وقف الحرب مع تمسّكنا بتغيير النّظام والإتيان بنظام بديل عنه يقبل بالتعدّدية ويقرّ بالتنوّع ويعترف بحقوق المجموعات الثقافية، ولاسيّما حقوق الشعب الكردي، ويعيد المهجّرين ويعالج مشاكل الحرب وقضايا التنمية ويضع البلاد على طريق الاستقرار والسّلام، خصوصاً إعادتها إلى محيطها العربي، وهكذا انشرح صدره أكثر.

            وظلّ بحر العلوم يتابع مواقفنا في حركة المنبر لاحقاً، وكنتُ أرسل إليه ما يصدر عنّا إلى لندن، كما كان هاني الفكيكي يواصل الاتصال به ويطلعه على ما ننشره، خصوصاً “البلاتفورم السّياسي” الذي أصدرنا عشية انتهاء الحرب العراقيّة – الإيرانيّة في شهر آب (أغسطس) 1988? الذي تضمّن مشروعاً واقعياً ضمن ظروف تلك المرحلة للمصالحة الوطنيّة ابتداءً من السّياسة وإلى الدستور والانتخابات العامّة والانتقال إلى حكم القانون والتحوّل السلمي لطبيعة النظام، ومروراً ببعض القضايا المطلبية كإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المهجّرين ووقف جميع التعقيبات القانونية ضدّ المعارضين السّياسيين وتسهيل عودة من يرغب منهم، من الخارج دون أيّة مساءلات، وصولاً إلى حلّ المشكلة الكرّدية وإنجاز تنمية سليمة ودائمة وموازنة اقتصادية لا تقوم على النّفط فحسب، بل تعتمد خططاً بعيدة المدى لتحويل البلاد إلى دولة عصريّة بكل معنى الكلمة.

            وكانت مجموعة من الشخصيّات العراقيّة قد أصدرت نداء في لندن شمل تيّارات فكريّة وسياسيّة مختلفة بينهم 3 من الشّيوعيّين ، يصبّ في نفس الاتّجاه، بتحديد بعض المطالب منها إلغاء مجلس قيادة الثورة وتحوّل البلاد نحو الحياة الدستوريّة البرلمانيّة ومطالب سياسيّة تتعلّق بحياة الناس، ومثلما تعامل النظام مع حركة المنبر ومطالبها بازدراء واستخفاف فإنه تعامل أيضاً مع نداء الشخصيات العراقية من موقع الغرور والتّعالي عادا نفسه “منتصراً” في حرب لم يكن لها مبرّر على الإطلاق، ولعلّ ذلك ما دفعه لاحقاً لمغامرة جديدة، تلك التي أقدم فيها على ” غزو الكويت” في 2 آب (أغسطس) العام 1990? وما تبعها من تداعيات “حرب قوات التّحالف ” ضدّ العراق التي سمّيت ” حرب تحرير الكويت” العام 1991? ثمّ لحقها فرض نظام عقوبات دولي مشدّد ضدّه استمرّ حتّى العام 2003? حيث وقع العراق تحت الاحتلال الأميركي.

            وحين توقّفتُ معه عند فتوى الحكيم ” الشيوعيّة كفر وإلحاد” قال كانت مرحلة عصيبة للصراع، ولم يكن لنا بدٌّ من خوضها آنذاك،  وقد رويتُ هذا الجزء في حديثي عن ” السيد بحر العلوم” عند وفاته وقد نشرتها في جريدة الزّمان العراقيّة (أربع حلقات) وقام الدكتور ابراهيم بحر العلوم (نجله) بإصدارها في كتاب مع مقالات أخرى بعنوان ” العلّامة السيّد محمّد بحر العلوم – سفير النّجف للعالم” مسيرة عطاء (3) القسم الثاني، وكانت سرديّتي بعنوان ” بحر العلوم- السّكون الرؤوم”، وكان ذلك بمثابة حوار بصوت عالٍ، فيه نوع من البوح والشفافية والمراجعة.

            لقد كوّنت رؤية بحر العلوم العربية حسب تقديري عدداً من العناصر هي:

            أوّلها: إنه من النّجف، وهي مدينة عربيّة وعروبيّة بامتياز تشكّل الحدّ الفاصل أساساً بين الصحراء والدّاخل العراقي بما يضمّه من حضارات تمتدّ لنحو 7 آلاف عام في التاريخ، وقد ظلّت ميداناً لتصارع قيم البداوة والحضارة حتّى وقت قريب، بحسب تعبير العلّامة الاجتماعي “علي الوردي”  باستلهام الفكرة الخلدونيّة.

            وتمثّل النّجف فضاءً علميّا ومناخاً ثقافياً وأجواء أدبية، وحياة مختلطة يتوافد إليها الزوّار من كلّ مكان، ممّا روّج لحركة تجارية ناشطة، حيث يتجاور فيها سلوك وعادات وتقاليد عشائرية أصيلة ومتأصلة، وإضافة إلى بعض قيم البداوة كونها طرف الصّحراء.

            كما أنّها مدينة تتنفّس الشّعر ويتنفّسها، فضلاً عن تأثيراتها في بناء الشخصيّة العراقية العربية، وهي شخصية مركّبة ومتراكبة بفعل الحضارات التي ولّدتها والتاريخ الذي عاشته والمعارف التي تحصّلت عليها، ناهيك عن أنّ طرفها الآخر يمتدّ إلى الرّيف العراقي للفرات الأوسط، وهذه كلّها بيئة عربيّة، وحتّى مَن يأتي إلى المدينة للدّراسة، في حوزتها العلميّة، كانت أولى مهمّاته أن يُتقن اللّغة العربيّة، واللغة مفتاح أساسي لفكّ رموز المجتمع النّجفي، لاسيّما للاختلاط والتّعايش والتّفاعل.

نخبة متميزة

            وثانيها: أنّه من عائلة ” عالمة”، وسمّيت ببحر العلوم، لأنّ العلم سكنها وقد خرّجت نخبة متميّزة في العلم والأدب، وكان العهد الذي عاش فيه جدّه ” السيّد محمّد مهدي بحر العلوم” يسمّى عهد بحر العلوم، حيث يوجد في مدينته- التي لم يزد عدد نفوسها عن 30 ألف آنذاك- 200 شاعر، فضلاً عن أنّ ظروف العائلة ومناخها والتّواصل الأدبي والثّقافي والاهتمام باللّغة والشّعر، قد دفعته أكثر للاعتزاز بعروبته والتمسّك بأرومتها، على الرّغم من أنّ جزءًا من العائلة كان قد هاجر إلى إيران واستقرّ فيها، ثمّ عاد منها بعد حين، لكنّ العروبة ظلّت لها هادياً ومرشداً.

            وقد حدّثني حين زار إيران لأوّل  مرّة بصحبة الشّاعر صالح الجعفري، وهو من آل كاشف الغطاء، ووالد الشّهيد أزهر الجعفري الذي اغتيل غدراً في أهوار الجنوب أواخر العام 1968 خلال انخراطه بحركة الكفاح المسلّح، كيف كانا ومَن معهما يتباريان بمعرفة الفارسية مع اعتزازهما بالانتماء لمدينة الإمام علي وللّغة العربية، علماً أنّ الجعفري وهو شاعرٌ رقيقٌ وله قصائد شفيفة، كان يتقن الفارسيّة بحكم الاختلاط في النّجف، ثم درس آدابها وقام بترجمة رباعيّة الخيّام إليها.

            وتعتبر ترجمته لا تقلّ أهمية عن ترجمة الشّاعر أحمد الصافي النّجفي الذي هرب من العراق إلى إيران بعد فشل ثورة العشرين العام (1920) وبقي فيها ثماني سنوات، وهناك أتقن اللّغة الفارسيّة وعنها ترجم رباعيّات الخيّام، واستمرّ الصافي في غربته حيث انتقل في أواخر العشرينات ليعيش في سوريا ولبنان ويتنقّل بين عدد من البلدان العربيّة، حتّى اندلعت الحرب الأهلية في لبنان (1975-1989)? فأصيب بشظيّة في العام 1976 واضطرّ لمغادرة بيروت إلى العراق وهناك كتب قصيدته الشّهيرة التي يقول في مطلعها “يا عودة للدّار ما أشقاها …. أسمع بغداد ولا أراها” وقد توفي في العام التّالي 1977.

            وثالثها: إنّ الجو الذي عاش فيه بحر العلوم، كان جوّاً عربيّاً خصوصاً بعد نشأته الأولى، حيث كان لديه صديقان أساسيّان ومقرّبان وعاشا معه وهما: السيّد مصطفى جمال الدّين وهو شاعر رومانسي ولديه غزليّات جميلة، وكنتُ قد كتبتُ عنه في جريدة الزّمان وفي جريدة “العرب القطرية” ، وهو من مدينة النّاصرية في جنوب العراق وعربي الأرومة، درس في النّجف منذ أن كان يافعاً (عمره 11 عاماً) وقد حدّثني عن علاقته ببحر العلوم وروى جزءًا من سيرته في “الدّيوان” والثّاني هو محمّد مهدي شمس الدّين رئيس المجلس الشّيعي الأعلى في لبنان، الذي درس هو الآخر في النّجف وتأثّر بأجوائها العربيّة، وهو ما زاده اعتزازاً بعروبته وبلغته العربيّة، والثّلاثة إضافة إلى السيّد محمد حسين فضل الله ظلّوا على مسافة من إيران ولم ينخرطوا في المجموعات الدينيّة التي تماهت مع الثوّرة الإيرانية واعتبرت الإمام الخميني مرجعيّتها، علماً بأنّهم كانوا على خلاف مع مبدأ ولاية الفقيه وكان ذلك التوّجه هو السائد في النّجف ومرجعيتها.

            ورابعها: إنّ الرابطة الأدبيّة في النّجف التي تأسّست في العام 1932 من قبل محمود الحبوبي وعبد الوهاب الصافي وعبد الرزّاق محي الدين وصالح الجعفري وآخرين، والتي أصبح بحر العلوم أحد أعمدتها لاحقاً، كانت لديها علاقات واسعة ومتشعّبة مع العديد من الأدباء العرب حيث ضيفت منذ وقت مبكّر عدداً منهم مثل: زكي مبارك ومحمّد علي علّوبة وأحمد أمين وعبد الرحمن الشرقاوي ومصطفى السحرتي وغيره.

            ولعلّ فترة عمله في الكويت قد عزّزت من انتمائه العروبي، يضاف إلى ذلك دراسته في القاهرة حيث حاز في جامعتها على شهادة الدكتوراه في “الشريعة الإسلامية”، فكان له أثر كبير على الجو العروبي الذي عاش فيه وطبع منهجه السيّاسي والسّلوكي، خصوصاً إنّ شعوره أخذ يتعمّق بأهميّة المحيط العربي الذي ينتمي إليه، لاسيّما باتّساعه وتأثيره.

            وخامسها:  إنّه عاش في لندن في أجواء الحريّة وخارج سطوة وتأثيرات بعض المجاميع الدينيّة- وإن مورست عليه بعض الضغوط- لكنّ الأجواء العربية كانت طاغية فتوسّعت معارفه حتّى شملت كافة الأقطار العربيّة وكان لمركز ” آل البيت” الذي استلم إدارته بعد اغتيال السّيد مهدي الحكيم  في السودان عام 1988? دور كبير في استقطاب مختلف الفعاليّات والأنشطة الدينيّة والثقافيّة والسياسيّة.

كسب اصدقاء

            وأتذكّر أنّني حيث كنتُ أدعوه إلى لقاءات المنظّمة العربيّة لحقوق الإنسان كان يلبيّها بكل ارتياح وحماسة، وكسب خلالها أصدقاء عربا من مختلف البلدان، وكنتُ حريصاً على أن أضعه دائماً في المكانة التي يستحقّها، وكان المشاركون من الألوان المختلفة بينهم رجال دين مسلمون (سنّة وشيعة) ومسيحيون، إضافة إلى شخصيّات علمانيّة ومدنيّة يقدّرون مشاركته، وكثيراً ما كنتُ أجد هناك تقارباً بينه وبين عدد من هذه الشخصيّات، وكان يتلاطف دوماً مع الشيخ راشد الغنوشي.

            أستطيع القول أنّ بحر العلوم كان دائماً مقبولاً ومرحّباً به الوسط العربي، لأنّه مرنٌ ومتفاعل مع الآخر ومتفهّم لظروفه ويميل إلى التّسامح، وأحياناً تجد في تصرّفاته أبعد من حدود رجل الدّين، فهو الفقيه والأديب والسّياسي والمحاوِر ولديه ومضات فكريّة في التّواصل والتعدّدية الإسلاميّة، ولديه روح النكتة والطرافة، وكان بيته مفتوحاً ويده ممدودة، وسواء اتّفق العرب معه أو اختلفوا بخصوص القضايا السياسيّة، وخصوصاً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003? إلّا أنّهم كانوا يقدّرون معاناته وتضحيات عائلته.

            وكانت علاقته طيّبة – ليس فقط مع العراقيّين العروبيين، أمثال أديب الجادر وهاني الفكيكي وصلاح عمر العلي وحسن العلوي ومحمّد رشاد الشّيخ راضي ومهدي عليوي العبيدي ومع عدد من اليساريّين مثل عبد الرزّاق الصافي وصالح دكلة وماجد الياسري وآخرين- بل مع بعض أركان الحكم في سوريا والكويت وبعض دول الخليج والأردن ومصر إضافة إلى زعامات عربيّة لبنانيّة، إسلامية وغير إسلاميّة. كان بحر العلوم شخصيّة متواضعة جداً، واضحة جداً، شفّافة جدّاً، فيه من القوة والصلابة بقدر ما فيه من الرقّة والوداعة، وسواء أصاب أم أخطأ، فقد كان صميمياً، وسيبقى معْلماً من معالم النجف الأصيلة، وراية من راياتها المميّزة ببعده العربي ووجدانه العروبي، خصوصاً وقد لقّح إسلامه بالعروبة ومزجهما بطابع إنسانيّ خاص.

{ مفكر وباحث عربي

مشاركة