الإنتخابات العراقية: مدلولاتها وسيناريوهات ما بعدها – عبد الحسين شعبان

306

الإنتخابات العراقية: مدلولاتها وسيناريوهات ما بعدها –  عبد الحسين شعبان

بعيداً عن التأييد أو التنديد وخارج دائرة الاتفاق أو الاختلاف فإن الانتخابات العراقية التي جرت في 12 مايو/أيار الجاري هل ستكون محطّة للتغيير ونقطة تحوّل إيجابي في مسار العملية السياسية ” المتعثّرة” أصلاً أم أنها ستكون عامل تفجير للأوضاع وعنصر انشقاق وإرباك جديد.

مثل هذا الجدل والنقاش بشأن الانتخابات ونتائجها يتم اليوم بصوت عال، بل إن وتيرته ارتفعت بعد انتهائها وزادت الاتهامات والتراشقات والتسقيطات بين أطراف العملية السياسية لدرجة غطّت أحياناً على عمليات الاختراق الأمني التي قام بها داعــــــش عشيّة إجراء الانتخابات واعداً بالمزيد منها.

ومع أن الخطة الأمنية التي أعدّت لحماية الانتخابات خلال التصويت  الخاص للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية الذي سبق موعد التصويت العام، نجحت في تأمين إنسيابية  الأداء الانتخابي دون عقبات أو عثرات تُذكر، لكن الشكوك والمخاوف، بل والاتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج كانت قد سبقت الانتخابات، وخصوصاً ما أثاره موضوع ” التصويت الاليكتروني”.

والغريب إن البعض طالب بإعادة الانتخابات بسبب نقص المشاركة، وذهب بعضهم إلى الدعوة علناً إلى ألإبقاء على الحكومة الحالية كحكومة لـ ” تصريف أعمال” وهو ما ورد في بيان باسم رئيس القائمة الوطنية إياد علّاوي، الذي وصف في معرض انتقاداته تعليمات المفوضية العليا للانتخابات بالضبابية، وهو الأمر الذي ورد على لسان العديد من المشاركين بالعملية السياسية الذين يعتبرونها غير مستقلة وإنما خاضعة هي الأخرى لنظام المحاصصة.

وتأتي مثل تلك الاعتراضات في ظلّ نقص الثقافة  الانتخابية وتفشي ظاهرة الأمية المعرفية والتكنولوجية، فما بالك بالأمية الأبجدية، إضافة إلى عدم القدرة على مراقبة ولجم دور المال السياسي وبيع وشراء الأصوات. وكان جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي قد حذّر من التدخل الإيراني في الانتخابات وذلك في تصريح ورد له قبل نحو شهرين من إجرائها، واعتبرها ظاهرة مثيرة للقلق لاسيّما باستخدام الأموال. وأعلنت إيران من جانبها ثمة دور أمريكي في العراق، وهذا ما كشف عنه ولايتي وكأنه رسالة إلى واشنطن التي أعلن رئيسها دونالد ترامب عن إلغاء الاتفاق النووي مع طهران (5+) عشية الانتخابات العراقية.

ومع أن هذه الانتخابات تجري بعد إعلان النصر على داعش وبعد التمكن من حل مشكلة استفتاء إقليم كردستان بالانفصال عن العراق وتسوية بعض المتعلقات الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها، إلّا أن المشاركة فيها قياساً للانتخابات السابقة تعتبر قليلة، لدرجة يمكن القول أن عزوفاً ملحوظاً رافقها.

وتشير المصادر الرسمية أن نسبة المشاركة بلغت نحو 45 بالمئة  مع أن هناك من يشكّك بها. وكانت الانتخابات الأولى بعد الغزو الأمريكي للعراق العام 2003 قد شهدت نسبة مشاركة بحدود 80 بالمئة (2005) .أما الانتخابات الثانية في العام 2010 فقد ساهم بالتصويت نحو 62 بالمئة ووصلت نسبة المشاركة في الانتخابات الثالثة في العام 2014 إلى حوالي 60 بالمئة.

            جدير بالذكر إن من يحق له التصويت هو 24 مليون عراقي من مجموع السكّان البالغ 36 مليون نسمة. وشهدت المحافظات الجنوبية والوسطى أدنى مشاركة بعد العاصمة بغداد التي بلغت فيها نسبة المشاركة نحو 33 بالمئة  وقد تنافس ما يقارب 320 قائمة وحزباً وائتلافاً ضمّت ما يزيد عن سبعة آلاف مرشح.

            وتعود أسباب العزوف الشعبي عن المشاركة في الانتخابات الحالية إلى شعور الناخب بالخيبة من الطبقة السياسية الحاكمة، إضافة إلى تردي أوضاعه المعاشية والصحية والتعليمية وعموم الأوضاع الخدمية بالبلاد. كما أن قانون الانتخابات صُمّم بطريقة من الصعب عبرها إحداث تغيير حقيقي، الأمر الذي زاد من إحباط الناخب، ولاسيّما من إجراءات المفوضية العليا للانتخابات، كما تلقّى الناخب الفتاوى الدينية بشيء من الحيرة، فهي قالت ولم تقل، الأمر زاد من إحساسه بالمرارة واللّاجدوى، وخصوصاً من احتمالات التزوير، مثلما ساهم الإعلام، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي في إيصاله إلى مثل هذه الحالة من القنوط، ولاسيّما وإن النتائج كانت شبه محسومة سلفاً.

وعكس استطلاع الرأي الذي شمل شرائح مختلفة من المجتمع العراقي بينهم أكاديميون ومثقفون وإعلاميون وجمهور عام إن تلك أسباب للعزوف، سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة، خصوصاً بعد تراكم لسلبيات كثيرة على مدى خمسة عشر عاماً، والتي تتعلق بجوهر العملية السياسية التي جعلت المواطن يفقد الثقة بإمكانية التغيير الجذري.

وكانت التجربة السابقة  قد أنتجت برلمانات لم تقدّم شيئاً للجمهور بقدر ما حافظت على امتيازات أعضائها وعلى العملية السياسية  التي أقيمت وفق نظام المحاصصة الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق (13 مايو/ أيار 2003 -28 يونيو/حزيران 2004) وما زالت صيغته هي الفاعلة تحت عنوان ” الديمقراطية التوافقية” وتمثيل “المكوّنات” كما وردت في الدستور الدائم ثماني مرات، وليس ذلك سوى نظام غنائمي  يقوم على الزبائنية السياسية التي ينتجها النظام الانتخابي بصورته الراهنة.

            وأكّدت الانتخابات والنتائج التي أفرزها سوء قانون الانتخابات ونظام سانت ليغو (المعدّل) الذي اعتمده، والذي أثار جدلاً واسعاً عند مناقشته لأنه سيعيد إنتاج هيمنة القوائم الكبيرة ذاتها وربما نفسها مع بعض التبدّلات في المواقع، علماً بأن رؤساء الكتل سيبقون متحكّمين بأعضاء كتلهم وستبقى العلاقة بينهم هي بين تابع ومتبوع، الأمر الذي سيقف حجر عثرة أمام إمكانية إجراء تغيير حقيقي وجذري في الطاقم السياسي طالما بقي نظام الانتخابات على حاله، لأنه لا يسمح بمثل هذا التغيير، وهو نظام غير موجود على المستوى الدولي، سوى في ألمانيا و”إسرائيل”، ودائماً ما يصمم للمجتمعات الانتقالية وليس للبلدان المستقرة التي تريد السير في طريق الديمقراطية.

وإذا كانت جمهرة الناخبين كفرت بالطبقة السياسية الحاكمة والعملية السياسية المشوّهة وهي باعتراف قسم كبير من المشاركين فيها، فإنها في نهاية المطاف لم تجد وسيلة للتغيير غير صناديق الاقتراع، على الرغم من أنها ضاقت ذرعاً بالنتائج التي تفرزها، لكن ليست لديها أية بدائل تركن إليها.

ومع أن الانتخابات الحالية جاءت ببعض التغييرات، خصوصاً بإعلان فوز كتلة مقتدى الصدر (سائرون) وما يمكن أن يترتب على هذا الفوز من نتائج واصطفافات لتشكيل الحكومة، فإن هناك عقبات جدّية ستواجه عملية التغيير، منها: هل يستطيع الصدر تجاوز التقاسم الوظيفي الذي سارت عليه العملية السياسية؟ وثمة سؤال ملغوم: هل سيتمكن الصدر تقليص نفوذ إيران وجماعتها وهو الذي هتفت تظاهراته : بغداد حرّة حرّة، إيران برّا برّا؟ ثم ماذا لو اختار هذا المركب الصعب: هل سيؤدي إلى تفجير الأوضاع أم يساعد في تحقيق الاستقرار ويعيد العراق إلى محيطه العربي؟ وبعد ذلك هل سيكون مسموحاً له السير في هذا الطريق خارج الدائرة الإيرانية المتوافقة بالتخادم مع الدائرة الأمريكية، فقد كانت طهران وواشنطن الداعمان الأساسيان للعملية السياسية منذ البداية، علماً بأن الطرفين كانا مرتاحين من أداء رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولاسيّما بعد إعلان  النصر على داعش وتطويق الإشكالات مع إقليم كردستان وإعلانه عن رغبته في محاربة الفساد والمفسدين، مع أن قائمته لخوض الانتخابات شملت أشخاصاً وكتلاً حامت حولها شبهات فساد.

            حتى الآن يبدو أن الاصطفافات القديمة والتقليدية ما زالت قائمة على الرغم من أن الجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي السياسي الشيعي والسني حاولت إضفاء مسحة مدنية على قوامها، سواء بإضافة أسماء من المجموعات الليبرالية والمدنية أو باستخدام مصطلحات تدلّ عليها بهدف امتصاص النقمة التي زادت ضد ” التيار الإسلامي” الذي وظّف الدين باتجاه سياسي ضيّق،بل وطائفي وهكذا بقيت القوائم الشيعية على حالها: سائرون (الصدر) والنصر (العبادي) والفتح (هادي العامري) ودولة القانون (نوري المالكي) والحكمة (عمّار الحكيم) وكذلك القوائم الأخرى فالوطنية (سنّية الجسم وشيعية الرأس وحتى لو لم يرغب القائمون عليها فهكذا يتم حسابها) رئيسها إياد علاوي وتضم سليم الجبوري وصالح المطلك وكتلة القرار السنية  (خميس الخنجر وأسامة النجيفي) وقوائم سنّية أخرى.

أما القوائم الكردية فقد توزّعت هي الأخرى على نحو 7 قوائم وشهدت تجاذبات كثيرة واتهامات متبادلة بالتزوير، وخصوصاً في السليمانية وكركوك، حيث تصدّرت قائمة الاتحاد الوطني الكردستاني، وهي قريبة من إيران ، فيما كان الحزب الديمقراطي الكردستاني الأول في إربيل ودهوك، ولم تفلح قوى مثل التغيير (كوران) والجماعة الإسلامية وكتلة الإصلاح التي أسسها برهم صالح رئيس وزراء الإقليم سابقاً وجماعات أخرى من اختراق المشهد التقليدي بين الحزبين (الأخوة الأعداء)، حتى أن بعض الاختراقات السابقة تراجعت وربما يعود الأمر إلى رحيل ناوشيروان مصطفى زعيم كتلة كوران العام الماضي 2017.

            يمكن القول إن المشاركة الكردية في الانتخابات كانت أكبر من المشاركة العربية، وباستثناء الموصل التي فاز فيها حيدر العبادي وتلك واحدة من مفارقات السياسة، فإن الانتخابات لم تحدث تغييرات جذرية في الخريطة السياسية .

من السابق لأوانه التكهّن أين سيمضي الصدر لو كلّفت كتلته بتشكيل الوزارة؟ وبالطبع فإن ذلك سيكون خطوة أولى للخروج من شرنقة حزب الدعوة الإسلامية التي لفّ بها الوزارات منذ العام 2005 لكن مثل هذا التغيير سيكون ضمن التيار الإسلامي الشيعي الذي قد لا يختلف كثيراً من حيث المنطلقات والتوجهات والدلالات عمّن سبقه، إلّا إذا اعتبرنا ذلك خلخلة واضعافاً لعموم التيار الإسلامي الشيعي تمهيداً لحلول تيارات وسطية أكثر عقلانية.

            ربّما يعتمد الأمر على توافق دولي وإقليمي (واشنطن – طهران) ويمكن أن يكون خليجياً، وفي أول تغريدة للسفير السعودي السابق في بغداد ثامر السبهان الذي  قدّم تهانيه للصدر وقائمة سائرون، فيما أعلنت أكثر من دائرة دولية وأمريكية عن شمول 7 من قائمة الفتح وعلى رأسها قائد الحشد الشعبي هادي العامري ونائبه أبو مهدي المهندس بالإرهاب، وهي رسالة لقطع الطريق على العامري لتأليف الوزارة أو فرض شروطه عليها باعتباره الفائز الثاني في الانتخابات بعد قائمة سائرون، فيما إذا استطاع التحالف مع المالكي ومجموعات أخرى مقرّبة من إيران.

            وكشفت الانتخابات عدم قدرة الناخب على محاسبة الفاسد والمقصّر، فقد بقيت الكتل الأساسية محافظة على وجودها سواء زاد أم نقص، وهي جميعها مشاركة في العملية السياسية . وفي نهاية المطاف سيجتمع رؤساء الكتل ليتفقوا على ذات الصيغة التوافقية ويقسّموا المواقع فيما بينهم:

– رئاسة الجمهورية للأكراد أو سيتم استبدالهم بالسنّية السياسية.

– رئاسة الوزراء للشيعية السياسية، سواء اختاره الصدر أم بقي العبادي بشروط يوافق عليها الصدر، خصوصاً إذا كان هناك تداخل إقليمي ودولي.

– رئاسة البرلمان للسنّية السياسية أو سيتم استبدالها بممثل للأكراد حسب صيغة محاصصة كردية أيضاً، فإذا كانت رئاسة الإقليم للحزب الديمقراطي فإن رئاسة الجمهورية أو البرلمان للاتحاد الوطني (في بغداد).

            وحسب بعض التكهّنات ستعود الكتل الشيعية وتحت مزاعم الخشية من الآخر، للإلتئام لتشكيل الحكومة، وإذا كان الصدر قد تحالف مع الشيوعيين فهو أراد الخروج على المألوف على طريقته في التعاطي مع الشأن السياسي ولسان حاله يقول: لمَ لا إذا هم وافقوا على الالتحاق بقائمة شيعية قلباً وقالباً، حتى وإن اتخذت اسماً آخر.

{ باحث ومفكر عربي

مشاركة