(الزمان) تنفرد بأطول وأشمل حوار مع المفكر العربي الكبير الدكتور خير الدين حسيب: (6)

859

(الزمان) تنفرد بأطول وأشمل حوار مع المفكر العربي الكبير الدكتور خير الدين حسيب:          (6)

ثورة 14 تموز 1958 نقلت العراق من نسق مدني إلى عشائري

الصراع بين الشيوعيين والقوميين أصبح من الماضي

أحمد عبد المجيد

برغم الانتكاسات والفواجع التي تعرّض لها مشروع الوحدة العربية، والظروف الصعبة التي مرّت بها الأمة خلال نصف قرن من الزمان أثر هزيمة جيوش الدول العربية أمام اسرائيل في حزيران 1967، ظل الدكتور خير الدين حسيب رافعا” راية القومية، ثابتا” على ايمانه، متطلعا الى يوم تستعيد به الامة العربية زمام المبادرة وتنطلق الى شوط أصعب بقوى نهضوية.

وأعزو ذلك الى اهتمام حسيب بالدراسات المستقبلية والى عقله التركيبي الذي وصفه صديقه الباحث والمفكر عبد الحسين شعبان بأن نصفه للحاضر بما في ذلك استخلاص تجارب الماضي ونصفه للمستقبل بما يملك من شحنة تفاؤل لافتة  جعلته يقدم طروحات يعجز القوميون الاخرون، ولاسيما المحبطون منهم، عن استشرافها.

 لقد مرت الامة العربية بمراحل صعبة وواجهت شتى الخطوب والعواصف العاتية وأهدرت فرصا” للتطوّر نتيجة عوامل وأسباب رصدها الدكتور حسيب بمراجعاته العلمية والتنويرية وجرأته بالاعتراف والاقدام على نقد الذات، وهي مقوّمات لابدّ منها في نجاح أي مشروع ينهل من تاريخ موغل بالقدم كتاريخ العرب.

ولأن الدكتور حسيب قليل الكلام كثير العمل والممارسة، فأن الحوار الصحفي معه يحتاج الى مداخل غير تقليدية. فقد قدر لي أن أتعرف اليه أخيرا بعد متابعة لانجازاته الفكرية، في حقلي التأليف والتنظير دامت عقودا”، وبعد رصد لمعظم نشاطاته السياسية التي ختم أبوابها، بالشمع الأحمر، اثر مغادرته بغداد عام 1974، متخذا” من بيروت مقرا” لأكبر مشروع بحثي عربي أقامه مع رفاقه  منذ 40 عاما” وتمثل بمركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسات الملحقة به والمنبثقة عنه، بما في ذلك” المؤتمر القومي العربي” الذي يصرّ الدكتور حسيب على اعتباره منصّة غير حزبية منطلقا” من سمة التنوع في تشكيلة عضوية أقطابه المتحدرين من تيارات مختلفة وبلدان عربية تتوزع على الخارطة من المحيط الى الخليج.

ان التطوّر الفكري الذي يتّسم به الدكتور حسيب يجعله “جامعة عربية” بامتياز، تلتقي في مصبّها وعلى تخومها تيارات التحرر الوطني ومنابر التنوير القومي، فضلا عن رموز العمل الاسلامي.

ولعله واحد من قلّة تدرك مبكرا” أن آفة الأمة تكمن في احتراب هذه المكونات والعنوانات السياسية بحيث تضيع منها فرص التقدّم والاتحاد، وتعلو بسببها أصوات الصراعات وتفاقم المشكلات.

وهو يرى ان لا بديل عن العمل المشترك سواء” باعتماد مفاهيم التضامن والتحالف بين الدول العربية او ما اسماه بتشكلات “الكتل التاريخية” التي لا بديل عنها في تحقيق أي مشروع وحدوي وتحالف سياسي راسخين.

ولأن مصادر ثقافة وفكر الدكتور حسيب، علمية لا تعترف بالجمود وتحث على الحركة والتفاعل، فأن حواري الصحفي معه، امتد لثلاثة أيام وبما يوازي نحو عشر ساعات أمضيتها في مكتبه في بيروت أراجع معه واستذكر الوقائع وأشحذ الذاكرة للحصول على مفاتيح عالم الرجل، وتحويل مسار الحوار من المحطات الجامدة الى الافاق الانسانية الرحبة بما في ذلك عصاميته الجديرة بالاستلهام.

ولهذا سألته عن ولادته ونشأته ومراحل دراسته في الموصل وعن محطات عمله الوظيفي في بغداد ونشاطه في لندن ثم تحولاته الفكرية وعلاقاته بالقوى السياسية الكبرى وزعماء الدول والانظمة والمنظمات ورفاق دربه في الحركة القومية بوصفه قوميا عربيا ناصريا يشار اليه بالبنان.

ولعلني أول صحفي تتاح له فرصة من هذا النوع ويمنح وقتا” للقاء مطوّل وشامل مع قامة شاهقة كقامة الدكتور خير الدين حسيب، صاحب المؤلفات البارز والباحث ثاقب النظر، والقومي عميق التفكير والاثر،  والمقبل على كتابة مذكراته التي قال”انها ستكشف تفاصيل كثيرة وتقدم خلاصة تجربة مفيدة للاجيال اللاحقة”.

وفيما يلي نص القسم السادس من الحوار:

{ دكتور.. أتمنى أن اقدّم للقراء شيئا” عن حياتك الدراسية.. المدرسة الثانوية في الموصل ودراستك الجامعية الاولية والعليا؟

– هذه المعلومات اعددتها بالتفصيل في جزء من مذكراتي التي أنا بصدد انجازها. كنت قد أنهيت دراستي الثانوية فيما عائلتي بحاجة لمساعدتي فاضطررت الى البحث عن وظيفة حكومية. شقيقي كان ضابطا” وغادرنا الى لبنان لتلقّي العلاج من مرض يعانيه ووالدتي هي التي أعالتني بعد وفاة والدي، ولم يكن لي فرصة أن أواصل الدراسة الجامعية النهارية. بقيت في الموصل وعينّت بوظيفة تناسب مؤهلي الثانوي وبراتب ستة دنانير مع غلاء المعيشة. وصادف أن دراسة مسائية لكلية التجارة والاقتصاد فالتحقت بها وتخرجت عام 1954، وعند تخرجي متفوقا وكنت الأول, وقد حضر نوري السعيد رئيس الوزراء لتوزيع الشهادات والهدايا علينا، وكنت قد تقدمت للحصول على قبول في “مدرسة للاقتصاد والعلوم السياسية” جامعة لندن وهي كلية مشهورة أكثر من الجامعة ذاتها. وحصلت على بعثة من وزارة النفط وفي تشرين الاول 1954 غادرت الى بريطانيا وقبل مغادرتي كنت قد تقدمت لخطبة يد احدى زميلاتي التي أصبحت زوجة ووالدة لأولادي. طارق ودينا.. وكان علي أن أتقشّف لأبعث شهريا خمسة دنانير لوالدتي لاعالة أخواتي. وخلال مدة وجودي في بغداد بقيت أواصل مساعدة أهلي. وهو الأمر الذي لازمني طوال مدة الحصار على العراق في عقد التسعينات اضطريت الى أن أستغني عن تدخين السيكار لتخصيص مبلغه لمساعدة أهلي في الداخل. كان مبلغ شرائه مكلفا ولحسن الحظ فان ترك التدخين كان مفيدا” لصحتي الشخصية. وكان هناك سبب آخر حملني على ترك التدخين فقد اكتشفت ان مرافقي الذي غالب ما كنت أكلفه لشراء السيكار من محل في بيروت وتبين لي أن ثمن علبة السيكار تعادل مبلغ راتبه الشهري. وقلت ما هو شعوره وهو يراني أدخن ما يعادل ثمن راتبه. كان هذا عاملا، فضلا عن العامل العائلي.

{ عدت الى بغداد.. ماذا عملت بعد تخرجك؟

– عملت مديرا” لقسم الاحصاء والأبحاث في شركة النفط الوطنية وكان لدي سكرتير و مساعد باحث وراتب جيد لكني أحسست أني بلا عمل فعمليات الأحصاء والأبحاث  كانت تتم في الخارج. وسبق ذلك أني أمضيت ثلاثة أشهر في لندن للتدريب والأطلاع على عمل شركة IPC وقد رفضوا اطلاعي على الدائرة المالية. كانوا يعدونها سرا” من الاسرار، لكني اضطررت الى لقاء الدكتور طلعت الشيباني رحمه الله كان وزيرا” للنفط بالوكالة وقلت له انني اختصرت سنوات البعثة من سبع سنين الى أربع لأعود في خدمة بلدي لكني اشعر ان وظيفتي في شركة النفط تقتصر على قراءة الصحف. فعرض علي رئاسة دائرة الاحصاء المركزية بوزارة التخطيط. فقلت له أن رئيس الدائرة آنذاك… صديقي وساعدني كثيرا” ولا يمكنني قبول الحلول محله فوافق على نقلي الى جامعة بغداد وبقيت أدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قبل أن تصبح كلية الادارة ةالأقتصاد العام 1969. لقد رفضت وظيفتي في شركة النفط برغم راتبها المغري وأنا كنت في وضع معيشي صعب. لازلت اتذكر ان بيتي الذي استأجرته تم تأثيثه بدعم من عدد من الأقارب..أديب الجادر اشترى كراسي وابن عمي الضابط اشترى لي ثلاجة ومستلزمات المطبخ ومن أحد النجارين اشتريت بالأقساط أثاث المنزل. وقد استأجرت البيت في منطقة راغبة خاتون لقاء بدل سنوي قيمته 360 دينارا. وهكذا أمضيت مدة ثم كلفت بوظيفة مدير عام اتحاد الصناعات العراقي، وحاولت خلال هذه المدة تنشيط الاتحاد وزيادة فاعليته . وفي أعقاب انقلاب شباط 1963 وقبل قيام انقلاب تشرين الثاني 1963 عرض علي منصب محافظ البنك المركزي العراقي. وكان يشغل وظيفة نائب المحافظ الدكتور عبد الحسن زلزلة ورفضت ان أحل محافظا محله، فيما هو أقدم وأكفأ منّي في الموقع فاقترحت أن يكون هو المحافظ لأنه أحق ثم استدعاني ثانية وقال  أنه تقرر نقل الدكتور زلزلة  لوظيفة سفير في طهران وهو صديقي سواء قبلت المنصب ام لم أقبله فوافقت بشروط وقلت للرئيس أحمد حسن البكر الذي كان رئيسا” للوزراء يجب عدم التدخل بشغلي.

{ هل عرض عليك ان تكون سفيرا في مرحلة من المراحل؟

– لم يعرض علي مثل هذا المنصب ولا يمكن ان أقبله. ففي عام 1960, وبعد عودتي من الرئاسة أرسل  الوزير هاشم جواد في طلبي لمقابلته لكني أبلغت صديقي عبد المنعم السيد علي الذي كان مسؤولا” في الوزارة أني لا اصلح للعمل في السلك الدبلوماسي لأنني لا أستطيع أن اتبنى آراء لا أؤمن بها، وبالتالي لم أجد حاجة للذهاب لمقابلة الوزير.فالعمل الدبلوماسي لا أطيقه.

{ على ذكر مدينة الموصل.. الآن تتجه الحكومة لأعمار المدينة بعد الخراب الذي لحق بها نتيجة الحرب على داعش، ماذا تنصح وما هو رأيك؟

– ان شعوري تجاه الموصل لا يختلف عن شعوري ازاء أي مدينة عراقية ولا أشعر بأي شعور خاص ايضاَ ازاء العراق يختلف عن اي بلد عربي، سواء كان ذلك صحيحا” أم خاطئا” ، فهو شعور حقيقي و صادق. ليس لديّ تفكير خاص بشأن كيفية اعادة اعمار الموصل. تفكيري ينصب على اعمار العراق واهتم ببغداد والبصرة والمسيب اسوة بالموصل. وهذه الفروقات الشخصية تكمن في المصادفة التي جعلتني اولد في هذه المدينة. كان ممكن ان اولد في النجف واكون شيعيا مثلا. ليس لدي هذا التفكير المحدود والضيق.

{ هل السبب لان تفكيرك عروبيا”؟

– الى حد ما. وخلال مرحلة الدراسة الجامعية شاركت بمظاهرات بشأن قضية الجزائر وتعذيب جميلة بوحيرد, لكن لم أكن غارقا” بالعمل العام والعمل السياسي. دخولي العمل العام بدأ عندما ذهبت الى بريطانيا وانخرطت في الحركة الطلابية والجمعيات العربية.

{ لكن هذه المنظمات لم تكن بالطريقة التي كانت عليها بعد ثورة يوليو 1952 في مصر؟

– كانت الحركة الطلابية نشطة جداً في بريطانيا وكان اتحاد الطلبة العرب قد تشكل هناك وفي المرحلة الاولى كان الشيوعيون غير منتظمين فيه, ثم  دخلوا وكنت رئيس الجمعية العربية في (مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية) ثم رئيساً لها في جامعة لندن ثم نائب رئيس اتحاد الطلبة العرب وعندما ذهبت الى كامبريدج انتخبت رئيسا” للجمعية العربية فيها. وأثناء وجودي في بريطانيا دخلت العمل العام اكثر.

{ وخلال هذا اللقاء كنت اتصفح مكتبة الدكتور خير الدين حسيب الشخصية في منزله حيث تم نقل بعض محتوياتها من مكتبه هدية الى مركز دراسات الوحدة العربية، ووجدت ميلا له باقتناء دواوين الشعر وكتب المذكرات وسألته عن ذلك فقال:

– انا اهتم بالشعر السياسي وبقصائد الحب العذري. فهناك دواوين لنزار قباني ولعلي محمود طه المهندس ومحمود درويش الذي اعرفه شخصيا وقد تعرفت عليه في بيروت لكني لم أتواصل معه رحمه الله وكنت اتابع نشاطه.

{ وسميح القاسم؟

– كنت أتابع نشاطه واقرأ قصائد له.

{ وكنت أيضاً أتصفح الصور الموزعة على المناضد والجدران ولفتت نظري صورة تنطوي على معنى الحنان والابوة للدكتور حسيب مع طفل يطبع قبلة على جبينه. وسألته عنه فقال:

– هو حفيدي كريم نجل ولدي الوحيد طارق. انه الحفيد الوحيد.

{ كم من الأبناء لديك؟

– اضافة الى طارق رزقني الله بدينا وزينب. وفيهم طارق وحده متزوّج وزينب معي في البيت بينما دينا تعيش في القاهرة.

{ ما الذي أخذوه من أبيهم؟

– دينا مسيسة وعاشت معي في لندن مدة وشهدت أحداث ومصائب اعتقالي في بغداد وكثيرا” ما تستهويها قراءة الكتب. أما الاثنان الآخران فبعيدان جداً عن العمل العام. طارق يعمل حاليا” مهندسا” في قطاع النفط  بأبو ظبي وزينب متخصصة بقضايا تطوير القوى البشرية ومتفوقة في مجالها وطالعة كالصاروخ.

{ من هو الاقرب اليك من بينهم؟

– انهم جميعا” و لكن دينا لها موقع خاص.

{ هل لأنها هي البكر؟

– بل لأنها عاشت معي أكثر من أبنائي الآخرين. طارق ولد في بريطانيا قبل عودتي الى العراق بنحو شهر. كنت طوال حياتي منصرفا” الى العمل الوظيفي والبحث ولم يكن لدي وقت كاف أمضيه معهم، دينا أخذت كثيرا” من وقتي واهتمامي. أما زينب فانصرفت عنها للعمل في مركز دراسات الوحدة العربية.

{ ايضاً رأيت في مكتبك كتب مذكرات.. فأيها تراه أكثر دقة وصدقاً؟

– المذكرات التي كتبت في حينها أذكر منها مذكرات طه الهاشمي الذي دأب على تدوينها في كل يوم. وهي أكثر المذكرات التي أعجبتني واستفدت منها في حينها وبعض المذكرات الأخرى تختلف.

{ ما الذي جعلك تتأخر بكتابة مذكراتك برغم غزارة وغنى الأحداث والوقائع التي عشتها؟

– الانشغال بالمركز كان يأخذ جميع وقتي.. في الليل والنهار أعمل. الآن أحاول أن أنظم أوراقي.

وكما ترى الغرفة صاخبة والأوراق مبعثرة. سأحاول ان انتهي من ترتيبها وتهيئتها، خلال أسبوع، لكي أنصرف لكتابة فصول مذكراتي.

{ هل أنت نادم على حقبة المركز التي قطعتها من عمرك؟

– ابداً.. وربّ ضارة نافعة، ولولا ابعادي عن بغداد عام 1974، لما كان المركز قد انشئ، وهو لا يخصني حسب بل يخص الدكتور سعدون وبشير الداعوق وآخرين كانوا لا يقلون حماسة عني، لكن الظروف جعلتني أتحمّل العبء الأساسي ولاسيما بعد اشتعال الحرب الأهلية في لبنان واعتذارالمرشحين كالمدراء العامين عن قبول المنصب وقد توليت العبء وأستفدت بخبرتي السابقة من العمل المهني في ادارته.

{ في كتابك رؤية في القضايا العربية أفردت فصولا” عن المثقف والديمقراطية والسلطة.. ترى ما الذي تعول عليه بالنسبة للمثقفين؟

– للأسف ان دور المثقفين تراجع لأسباب موضوعية، فجلهم و حتى الخمسينات كانوا يشتغلون في العمل العام في العراق وغيره. كانوا من اسر ميسورة مادياً ويتمتعون بأستقلالية اقتصادية عن الحكومة. وكان بمستطاعهم المعارضة وهم خارج عباءة الدولة، لديهم موارد. ثم انتشار التعليم جعل الطبقة المتوسطة تتعلّم وتدرس في الجامعات. في الخارج والداخل, لكن ليس لديها استقلالية أقتصادبة وتعتمد في المعيشة على الدولة، على الوظيفة، مما ادى الى عجزها عن المعارضة, واذا عارضوا يدفعون الثمن. ولذلك يفضل قسم منهم السكوت وقسم آخر كان يمشي مع الحكومة وقسم ثالث يعارض لكن يرحل الى خارج العراق. هذا اثّر على الحركات الوطنية. بامكانك ان تقارن وضع المعارضة في مصر قبل 1952 وبعدها وقارن في سوريا من هم الوزراء ورؤساء الحكومات؟ كانوا من عائلات ميسورة ولديهم امكانيات. هذا العامل الاقتصادي أثّر كثيرا”.

والتغيير في العراق عام 1958 ان ثورة تموز على أهميتها السياسية لكن انتقل العراق من نسق مدني الى نسق عشائري. يعني بعد 1958 كانت التعيينات تتم على أساس القرابة والعلاقة الشخصية، لكن يتم اختيار الوزراء على أساس الكفاءة وليس الولاء الطائفي او القومي. وبعد عام 1958 انتقل نسق القيم الى نسق عشائري. الضباط الذين تسلموا مقاليد الحكم أدت علاقاتهم أثناء الدراسة في الكلية العسكرية الى اختيارهم الوزراء على أساس هذه العلاقة وكانت معرفتهم قليلة بالناس. فتدنّى المستوى والحياة السياسية كذلك. ومهما كان يقال عن مجالس النواب في العهد الملكي فانها تقدم معرفة. أنا شخصيا” تعلّمت كثيرا” مما كان يدور في اجتماعات مجلس النواب الملكي في الثلاثينات والاربعينات.

{ كنت تحضر جلسات المجلس؟

– كانت الوقائع والمناقشات تنشر في الصحف. وكانت ممتعة وتسهم في التوعية العامة للناس. وقد اختفت تحت شعارات الديمقراطية والقيم المدنية واستمرت القرابة والمعرفة خلال المدرسة. مع الأسف. ذات الشيء حدث في سوريا.

{ هناك رأي يعتقد بأن المنظمات الثقافية والأدبية والمهنية ما عادت بالتأثير والفاعلية السابقة. ودورها أخذ بالانحسار مع نهاية الحرب الباردة وغياب التمويل.. ماذا تقول؟

– اظن ان احد اسباب الانحسار هي الاسباب التي ذكرتها. فالنخب العربية ما عادت تتمتع بالاستقلال الاقتصادي. فنقابات الاطباء و المهندسين أو المحامين وغيرها تحتاج الى الاستقلال المالي لكي تقوم بدورها. وبعضها يحتاج الى اتخاذ مواقف لا تنسجم مع سياسة الحكومة وهذه الظروف ساهمت في تقييد دور المنظمات لكن بالمقابل يوجد في لبنان مجتمع مدني قوي، وخلال الحرب الأهلية كادت الناس ستموت من الجوع لولا المجتمع المدني، في المغرب يتمتع المجتمع المدني بالقوة والحضور، وفي تونس تشتهر حركة اتحاد الشغل. وفي سوريا كان المجتمع المدني فاعلا حتى تسلم العسكر مقاليد الحكم.

{ هل لهذا التراجع علاقة بانتهاء الحرب الباردة؟

– أشك في ذلك. في مصر القوى الخارجية كانت تشجّع على قيام منظمات مجتمع مدني وتقوم بتمويلها ثم بعد الانتفاضة قامت الحكومة بتقليص دور القوى الممولة.

{ اذا كان المجتمع المدني بهذا الحال واذا كانت أوضاع البلدان العربية في تراجع.. فكيف نستطيع انشاء ما أسميته في مؤلفاتك بالكتلة التاريخية؟

– نحن مستعجلون ومن حقنا أن نكون مستعجلين لكن هناك تطورات تاريخية يجب ان تأخذ مداها. ولو قرأت كتب التاريخ لوجدت ان العالم منذ القرن السابع عشر الى العشرين مرّ بمراحل أقسى من تلك التي نمر بها الآن. لكن التطور أوصلهم الى ما هم عليه. نحن نريد حرق المراحل، وهذا من حقنا ونتطلع الى وضع أفضل لأولادنا وأحفادنا لكن بحدود ما يمكن عمله. فلابد من معالجة الأوضاع في البيت والمدرسة والتربية. وهذه تأخذ وقتا”. وليس أمامنا خيار سوى ان نواصل فثمة دول سبقتنا وعانت أكثر منا لكنها الآن تعيش حياة المواطنة الفاعلة كالضمانات الاساسية والعيش الكريم في ظل الديمقراطية، ومهما كانت لدينا ملاحظات على هذه الديمقراطية فان وضعهم أفضل من أوضاعنا. القضية مرهونة بما نقوم به فالوحدة العربية ممكن ان تتحقق وممكن ألا تتحقق. وما يقال عن حتمية الوحدة أمر غير صحيح. فقد تستغرق 300 سنة ولا تتحقق وقد تتحقق بعد 20 – 40 سنة أوأقرب. المسألة تعتمد علينا ونحن بحاجة الى اعادة النظر ببعض المقولات.

{ هل يعني ان تفاؤلك بشأن الوحدة العربية وراء بلورة مفهوم الكتلة التاريخية؟

– نعم.. الكتلة التاريخية نحتاجها حتى في المراحل الحالية. لا يستطيع أي حزب حاليا” في أي بلد عربي أن يتمتع بتأييد أكثرية الشعب ويقود البلد وحده. ثم الصراعات فيما بيننا، في الغالب، مبالغ فيها ومختلقة وغير صحيحة وغير موضوعية وبالتالي يجب أن لا نختلف الآن بشأن ما سوف نفعله بعد 20 او 30 سنة. دعونا نتفق على مرحلة انتقالية ومعظم الخلافات بين الشيوعيين والقوميين والاسلاميين ما عادت واردة وهي غير موضوعية. وفي حينها اختلفنا مع الشيوعيين بشأن موضوع تقسيم فلسطين والآن نحن متراجعون أكثر من تقسيم فلسطين عام 1947 ونريد اقامة دولة في الأجزاء التي احتلتها اسرائيل عام 1967. كنا في بريطانيا نخوض صراعا” بين الطلبة الشيوعيين والقوميين وكان منهم زميل طالب اسمه عبد الخالق البياتي تزوج زميلة حصلت على الدكتوراه، وفي العام 1963 تمت تصفيته. وفي العام 1974 عندما جئت الى لبنان كانت زوجته تريد تسجيل أبنائها في مدرسة داخلية في برمانا ببيروت وتحتاج الى كفيل. أنا كفلتهم ورعيتهم وفي عام 1976 عند اندلاع الحرب الاهلية قمت بتسفيرهم مع أولادي الى لندن وهي في المقابل رعت أولادي عندما ذهبوا الى بريطانيا. اذن كيف كنا نتنازع وكيف أصبحنا نتعاون؟ أعتقد أنها خلافات مفتعلة.

مشاركة