المفارقات الإنتخابية – شيرزاد شيخاني

267

المفارقات الإنتخابية – شيرزاد شيخاني

الانتخابات البرلمانية الأخيرة كانت انتخابات مختلفة عن سابقاتها وحملت العديد من المفارقات الغريبة ، سواء من حيث الاقبال والمقاطعة ، أم من خلال إختيارات الناخبين والتي أعتقد بأن معظمها إستندت الى مزاجية عجيبة غريبة لم يكن بالامكان التنبوء بها مسبقا. ففي جانب المقاطعة ، كان يفترض أن يكون الاقبال الشعبي على هذه الانتخابات التي تعد مفصلية ومصيرية بالنسبة للعراق ، خصوصا بعد أن وصلت وتائر الفساد فيه الى أعلى مستوياتها ، أكبر بكثير مما حصل . ولكن للاسف قاطعت نسبة سبعين بالمئة من المواطنين العراقيين هذه الانتخابات دون أي مبرر موضوعي ، قاطعوها بشكل شبه جماعي وكأن مصير البلد لايهمهم البتة وهم مطحونون بالفساد والمفسدين وكانت الانتخابات تشكل فرصة لمعاقبة الفاسدين وعزلهم عن السلطة ! . فبحسب المعطيات غير الرسمية كان الاقبال على التصويت يقل كثيرا عن النسبة المقبول بها بالقوانين الدولية ، وهناك أرقام مخيفة تتحدث عن نسبة المشاركة بحدود 10-15 بالمئة، في حين أن الأجهزة الرسمية تتحدث عن نسبة 35-45 بالمئة . وحتى  لو صدقنا الأرقام الرسمية فإن النسبة ذاتها لاتليق بشعب يعاني منذ سقوط النظام السابق ظاهرة فساد تعم أرجاء بلده وتشل أعمال الحكومات المتعاقبة بالعراق . كان من المفروض والشعب يئن تحت وطأة الفساد والظلم والجور على أيدي الأحزاب السياسية الفاسدة أن يبادر وتتزاحم الصفوف لكي يحقق الشعب تغييرا لهذه الأوضاع المأساوية بيده وليس بيد عمرو ، خصوصا وأن الخيارات كانت متاحة ووفيرة ، وكان بإستطاعة المواطن أن يفرز بين الصالح والطالح ويختار من يتوسم فيه الخير لإخراج البلد من وضعه المأساوي الحالي ، وكذلك معاقبة الأحزاب والقوى السياسية التي عاثت الفساد في البلد منذ خمس عشرة سنة الماضية ، ولكن للأسف دفن سبعون بالمئة من العراقيين رؤوسهم في الرمال ، تاركين نفس الطبقة السياسية الفاسدة تقود العراق الى المزيد من الانهيار والتراجع ، فلم يتحقق في هذه الانتخابات إلا تغيراً طفيفاً لايسمن ولا يغني من جوع . أما ما يتعلق بمزاجية الناخبين ، فهناك العديد من الاشارات بهذا الخصوص والتي تشكل بعضها ألغازا لا أستطيع إيجاد تفسير لها ، كما حدث في الموصل على سبيل المثال .

 

ففي الوقت الذي طرح عدد من الأحزاب قوائمهم الانتخابية منها قائمة النصر برئاسة حيدر العبادي ، وقائمة أياد علاوي ، وقائمة نينوى هويتنا ، تقدم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني بقائمته على مستوى المحافظة وهي محافظة أغلبيتها عربية وليست كردية وتلحق بالحكومة الاتحادية وليس بحكومة إقليم كردستان . والغريب أن هذا الحزب الذي دعا قائده قبل ستة أشهر فقط الى تمزيق العراق وفصل كردستان عن الجسد العراقي ، وتحدث عن رسم الحدود بالدم ، هو الذي حظي بالأكثرية في هذه المحافظة التي كانت تعرف بأنها معقل العروبة والقومية العربية منذ عشرات السنين . ولم يحظ العبادي الذي قاد عملية تحرير هذه المحافظة من يد داعش الارهابي سوى بمرتبة متواضعة !!. وفي الحقيقة ان هذا أمر يثير الحيرة والدهشة فيما يتعلق بمزاجية الناخب العراقي ومدى إفتقاده الى الثقافة الانتخابية . عموما لايوجد في العراق فهم لدى الناخب بأهمية البرامج السياسية للأحزاب بقدر ما هناك تحكم المزاجية والعلاقات العشائرية للمرشحين بمصير أية إنتخابات تجري في هذا البلد. ومادمنا هكذا لا أتوقع أن ينصلح حال العراق حتى ولو بعد مئتي سنة ، وسنظل تحت رحمة انتخابات مزاجية تتحكم بها علاقات عشائرية ومذهبية ودينية ، وتنتفي فيها كل فرص النهوض للتيار المدني والديمقراطي الحقيقي الذي يحمل هم المواطن ويسعى لخدمته. هذا قدرنا ، فهل نطمح بالتغيير ؟. العيب فينا ، وفي الحديث ” كيفما تكونوا يولّ عليكم “.

مشاركة