حواسم الانتخابات .. دولة بلا رجال !! – مازن صاحب

287

ابيض  اسود

حواسم الانتخابات .. دولة بلا رجال !! – مازن صاحب

ما بين مقاطعة غير ناجحة وبين مشاركة تبدو هزيلة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وان جاءت نتائجها الرسمية بحدود 44% ، فان المقاطعة الاوسع كانت للأغلبية الصامتة التي لا ترتجي من المسميات المتصدية للسلطات بشتى أنواعها  أي رجاء  لبناء دولة عصرية مدنية. والسؤال كيف انتهت الانتخابات الى ما انتهت اليه وما الذي يمكن ان يكون في تشكيل الحكومة المقبلة ؟؟ مشكلة الكثير من المحللين، سياسيين كانوا ام اقتصادين، حين يتحدثون عن تشكيل الحكومة المقبلة، يأخذون بعض المسلمات في الفقه السياسي لاستيراد  نظريات التحليل المقارن، فيما واقع العراق يختلف كليا عن نماذج  متعارف عليها  مثل ما حصل في ماليزيا او رواندا او تشيلي المفارقة هنا ان العراق (الجديد – القديم) منذ الدولة العراقية الحديثة ما بعد الحرب العالمية  الأولى، وما وصف بأخطاء اتفاقية سايكس – بيكو لتقسيم ارث الرجل العثماني المريض، لابد وان تقارن بخطايا اتفاق لندن ما بين القوى المعارضة لنظام صدام التي أصبحت اليوم القوى المتصدية للسلطة، بذات المدخلات  والمخرجات لأخطاء بناء دولة عصرية مدنية، ما دام الواقع العراقي في مفاهيم الاجتماع السياسي قد تراجع بفعل الحروب  المتتالية منذ عام 1980 وحتى اليوم،  ويمكن تحديد أوجه هذه المقارنة في مقاربة أولية تشمل:

أولا : ما زال موقع العراق الجغرافي يتناقض ما بين واقع الجغرافية البشرية ذات التنوع العريض عموديا وافقيا، والجغرافية السياسية للنفوذ الأجنبي على تفاعل هذه الجغرافية البشرية  مع صناعة دولة ومن ثم  ظهور رجال دولة تقودها ، تلك  البادرة  التي رفضها بعض قادة العراق ما بعد ثورة العشرين بالتعامل مع البريطانيين بعقلية  بناء  دولة عراقية حديثة كما فعل نوري السعيد ، وعقلية بعض القيادات العراقية ما بعد عام 2003 الذين وافقوا على التعامل مع  الاحتلال الأميركي بعناوين (الامر الواقع) فيما الأغلبية من القوى السياسية المنضوية في المؤتمر الوطني العراقي  تعرف حقيقة الاتفاق  بين المرحوم احمد الجلبي والمرشد الأعلى للجمهورية  الإسلامية في ايران حول انضمام المعارضة الشيعية في  الحكم  ما بعد احتلال العراق ، وهناك وقائع ربما تكشفها الوثائق البريطانية بعد أعوام قليلة عن هذه الاتفاقات التي  مازالت تضع العراق على كف عفريت التناقض بين الجغرافية البشرية  والجغرافية السياسية التي جعلت العراق  بلا دولة وتحول من ( جمهورية الخوف) الى (جمهوريات مفاسد المحاصصة) .

ثانيا  : هناك الكثير من يعتقد ان العراق ما زال في مرحلة انتقالية لانتظار نتائج الفوضى الأميركية الخلاقة، وخطل مثل  هذا التفكير لا ينطلق الا من معطيات العمالة للأجنبي، وهناك من يقدم  خدماته لأكثر من اجنبي، إقليمي كان ام دولي، ولان العراق يمثل ساحة التقاء وفراق المصالح الإقليمية والدولية ، لاسيما بعد موقف الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني ، فان الحكومة المقبلة ستواجه منطلقات جديدة في الفوضى الخلاقة  تحدد  نوعية العملاء  فلا  ازدواجية توافق عليها  واشنطن او طهران الا بالقدر الذي يخدم مصالحهما في المرحلة المقبلة، وهذا ما سيؤثر على اختيار رئيس الوزراء  المقبل  وكابيتنه  الوزارية .

ثالثا: مشكلة الإسلام السياسي بشتى انواعه ومسمياته، انه يعلق أخطاء فشله طيلة عقد ونصف مضت على شماعة التدخل الأمريكي او جرائم البعث السابق ومن ثم تنظيم القاعدة وداعش، ولم نسمع يوما ان أي من المجموعات المتحزبة لولاية الفقيه، قد عقدت مؤتمرات (وطنية) لمراجعة واقعها السياسي لبناء دولة عصرية، بل اكتفيت بشعارات مرحلية، تبدأ وتنتهي مثل الفقاعة، فانتهت الى دولة أحزاب بلا رجال دولة !! وهكذا جاء بيان جمعة الوضوح للمرجعية الدينية العليا، ليقدم نموذجا متجددا للفكر السياسي الشيعي عن الدولة المرجوة في العراق الجديد، بما يؤكد التناقض الصارخ بين نموذج “ولاية الفقيه” ونموذج الانفتاح السياسي دون التدخل المباشر حتى في حق الانتخاب من عدمه.

مشاركة