آهات بين اليوم والأمس – ثامر مراد

224

آهات بين اليوم والأمس – ثامر مراد

الفرق كبير بين اليوم والأمس ..بين الحاضر والماضي ..بين عالم الصبا والشباب وبين خريف العمر . في الماضي – وأقصد السبعينات والثمانينات كي أكون دقيقاً في تحديد الفترة الزمنية – كان لكل شيء طعم خاص على الرغم من صعوبة الوصول الى الأشياء التي نحلم بها في ذلك الجيل . المساحات التي يمكن الحديث عنها ومقارنتها لاتعد ولاتحصى لكنني أردت الحديث عن الأشياء التي أهواها أو أحب الوصول اليها ضمن حركة الحياة التي عشتها في الأمس وأعيشها في الزمن الحاضر. ربما لايفهم هذا الجيل ما أريد الحديث عنه لغزارة الأشياء المتاحة لهم وسرعة تقدم التكنولوجيا التي جعلت الطفل ذا الثلاث سنوات يمتلك أشياء لايمكن أن يحصل عليها بروفيسور في جامعة من جامعات الدول المتقدمة. في نهاية الستينات وبداية السبعينات كنت أحلم بالحصول على مجموعة من روايات نجيب محفوظ أو أرنست همنغواي أو أي كاتب آخر أرغب في الغوص الى أعماق كتاباته. الحصول على رواية جديدة لكاتب أعشقه في زمن السبعينات كان هاجس يراودني كل يوم لأسباب مادية ولصغر عمري الذي يقف حجر عثرة في طريق الحصول على ذلك الكتاب. كانت للقراءة لذة خاصة لاتضاهيها لذة بالنسبة لي في تلك الحقبة الزمنية البعيدة. القراءة في زمن النت لم تعد لها نفس اللذة تلك ..لا أشعر أنني أكتشف شيئاً بعيد المنال ولم تعد هناك نفس الدهشة والأثارة والأنفعال حينما أجد كتابا محملاً على موقع من المواقع المعروفة. ” محركات البحث والكتب المحملة على النت تغنيك عن أي كتاب أو مجلة, وهذا اليسر في الوصول الى المعلومة والفكرة حرم الأنسان من التمتع بالأكتشاف ” ..عام 1968 حينما كنت في السادس الأبتدائي وعدني أحد الشباب من القرية البعيدة وكان يكبرني بعشر سنوات بأنه سيمنحني رواية – رحيق في غربال – وذهبتُ الى بيتهم في لهيب الصيف ..إخترقتُ عدة أنهار صغيرة وأشجار كثيفة – وكنت أرتعش خوفا ورعباً من كلابهم التي كانت منتشرة في البستان – وبقيت أطرق باب دارهم المصنوع من الصفيح وأصرخ بأعى صوتي ليخرج لي لكنه كان يغط في قيلولة الظهيرة وبعد جهد جهيد جاء وهو يفرك عينيهِ من شدة النعاس وسلمني الكتاب. قضيتُ يوما كاملا لا أخرج من البيت حتى أكملته – وكانت بعض العبارات صعبة علي لأنني كنت في السادس الأبتدائي – اليوم وبضغطة زر أجد الكتاب أمامي وفيه شرح كثير عن الكاتب وماشابه ذلك.

 

في الأمس – حينما كنتُ في أرض التيه مع مجموعة من المعذبين في الأرض- بعضهم له ذكرى جميلة في روحي أمثال علي دولي ودكتور حسن وأبا حيدر وعمار وثامر عمار وسطام وأحمد عبد الوهاب وضياء ومهدي حاتم ورياض وبرهان – وبعضهم كانت له ذكرى مرعبة – أمثال حواس ومجموعته التي كانت لنا بالمرصاد وشهدوا علينا كلاما لايقبله الله ليرضوا القائد الضرورة لعنه الله – كان همي الوحيد أن أحصل على كتاب أدبي باللغة العربية أو ألانكليزية وقلم ودفتر واليوم في غرفتي الآن مئات الكتب بلغات مختلفة واقلام لاتعد ولاتحصى ودفاتر وأقلام لكنني أستعمل الطابعة للكتابة . حينما أنظر الى صور بعض الزملاء الذين كانوا معي يوما ما في أرض الضياع تنتابني عشرات الأفكار وتعصر روحي كل عاصرات الزمن المر وأحدث ذاتي بألم وحسرة ” ..لماذا يتحول الأنسان الى وحش في بعض الظروف التي يمر فيها وينسى أنه مجرد مخلوق من شيء نتن لكنه يصر على المكابرة وتدمير الآخرين بأقرب فرصة لكي يحصل على كلمة مديح أو نظرة إستحسان من حاكم جائر كما فعل حواس .

 

حينما أشاهد الزمن الذي إرتسم على وجوه الشباب الذين كانوا معي وهم في ريعان الورود في أرض الضياع وأشاهد تلك الوجوه في الزمن الحاضر وقد تحولت الى صور أكاد أميزها ..أقول في نفسي ” ..كيف هي صورة حواس الآن وقد كان كهلا في ذلك الزمن حينما كنا هناك فما باله الآن…أمنيتي أن أشاهد صورته الآن كي أكتب عنه عشرات المجلدات وأقول له كل مايجول في خاطري. أما حافظ القرآن ماهر فليس لدي أي شيء تجاهه سوى ” لو كنت تخاف الله حقا وتخاف القرآن أنت ونجاح لما قبلتما أن تكونا في لجنة – الفتنة أشد من القتل- كيف ترضيان أن تكونا في مكان يجلس فيه حواس وهو بالكاد يعرف قراءة صورة الفاتحة وتؤيدون ماقاله ضد الكثيرين منا؟ ألا تخافا الله؟ سنكون يوما ما أمام حاكم عادل وسنقتص منكم جميعا بعدل الله ورحمته” . التاريخ هو التاريخ ولن يرحم كل من كان سبباً في تحطيم أي إنسان بريء. الحكم يومئذٍ لله…والله سريع الحساب. ألم أقل لكم أن التاريخ لايرحم…الآن أذكر بعض الزملاء بكلام من نور والبعض الآخر بكلام من ظلام. سلاما لكل الزملاء الذين لم أذكر تاريخهم لجهلي به وسلاما لكل من ضحكت معه يوما ما أو ساعدني بقطعة خبزٍ كسيرة أو نصف سيكارة كنتُ في أمس الحاجة اليها في أرض التية. سلاما أيها العراق وسلاما لأرضك المقدسة والخزي والعار لكل مخبر لايخاف الله.

مشاركة