(الزمان) تنفرد بأطول وأشمل حوار مع المفكر العربي الكبير الدكتور خير الدين حسيب:

347

(الزمان) تنفرد بأطول وأشمل حوار مع المفكر العربي الكبير الدكتور خير الدين حسيب:         (1)

إقترحت على الرئيس صدام إتحاداً رباعياً للتخلص من أزمة الكويت

سألت عبد الناصر عن مفهوم الإشتراكية العلمية فشرحها في خطاب يوم العلم

أحمد عبد المجيد

برغم الانتكاسات والفواجع التي تعرّض لها مشروع الوحدة العربية، والظروف الصعبة التي مرّت بها الأمة خلال نصف قرن من الزمان أثر هزيمة جيوش الدول العربية أمام اسرائيل في حزيران 1967، ظل الدكتور خير الدين حسيب رافعا” راية القومية، ثابتا” على ايمانه، متطلعا الى يوم تستعيد به الامة العربية زمام المبادرة وتنطلق الى شوط أصعب بقوى نهضوية. وأعزو ذلك الى اهتمام حسيب بالدراسات المستقبلية والى عقله التركيبي الذي وصفه صديقه الباحث والمفكر عبد الحسين شعبان بأن نصفه للحاضر بما في ذلك استخلاص تجارب الماضي ونصفه للمستقبل بما يملك من شحنة تفاؤل لافتة  جعلته يقدم طروحات يعجز القوميون الاخرون، ولاسيما المحبطون منهم، عن استشرافها.

 لقد مرت الامة العربية بمراحل صعبة وواجهت شتى الخطوب والعواصف العاتية وأهدرت فرصا” للتطوّر نتيجة عوامل وأسباب رصدها الدكتور حسيب بمراجعاته العلمية والتنويرية وجرأته بالاعتراف والاقدام على نقد الذات، وهي مقوّمات لابدّ منها في نجاح أي مشروع ينهل من تاريخ موغل بالقدم كتاريخ العرب.ولأن الدكتور حسيب قليل الكلام كثير العمل والممارسة، فأن الحوار الصحفي معه يحتاج الى مداخل غير تقليدية. فقد قدر لي أن أتعرف اليه أخيرا بعد متابعة لانجازاته الفكرية، في حقلي التأليف والتنظير دامت عقودا”، وبعد رصد لمعظم نشاطاته السياسية التي ختم أبوابها، بالشمع الأحمر، اثر مغادرته بغداد عام 1974، متخذا” من بيروت مقرا” لأكبر مشروع بحثي عربي أقامه مع رفاقه  منذ 40 عاما” وتمثل بمركز دراسات الوحدة العربية والمؤسسات الملحقة به والمنبثقة عنه، بما في ذلك” المؤتمر القومي العربي” الذي يصرّ الدكتور حسيب على اعتباره منصّة غير حزبية منطلقا” من سمة التنوع في تشكيلة عضوية أقطابه المتحدرين من تيارات مختلفة وبلدان عربية تتوزع على الخارطة من المحيط الى الخليج.

ان التطوّر الفكري الذي يتّسم به الدكتور حسيب يجعله “جامعة عربية” بامتياز، تلتقي في مصبّها وعلى تخومها تيارات التحرر الوطني ومنابر التنوير القومي، فضلا عن رموز العمل الاسلامي. ولعله واحد من قلّة تدرك مبكرا” أن آفة الأمة تكمن في احتراب هذه المكونات والعنوانات السياسية بحيث تضيع منها فرص التقدّم والاتحاد، وتعلو بسببها أصوات الصراعات وتفاقم المشكلات. وهو يرى ان لا بديل عن العمل المشترك سواء” باعتماد مفاهيم التضامن والتحالف بين الدول العربية او ما اسماه بتشكلات “الكتل التاريخية” التي لا بديل عنها في تحقيق أي مشروع وحدوي وتحالف سياسي راسخين.ولأن مصادر ثقافة وفكر الدكتور حسيب، علمية لا تعترف بالجمود وتحث على الحركة والتفاعل، فأن حواري الصحفي معه، امتد لثلاثة أيام وبما يوازي نحو عشر ساعات أمضيتها في مكتبه في بيروت أراجع معه واستذكر الوقائع وأشحذ الذاكرة للحصول على مفاتيح عالم الرجل، وتحويل مسار الحوار من المحطات الجامدة الى الافاق الانسانية الرحبة بما في ذلك عصاميته الجديرة بالاستلهام. ولهذا سألته عن ولادته ونشأته ومراحل دراسته في الموصل وعن محطات عمله الوظيفي في بغداد ونشاطه في لندن ثم تحولاته الفكرية وعلاقاته بالقوى السياسية الكبرى وزعماء الدول والانظمة والمنظمات ورفاق دربه في الحركة القومية بوصفه قوميا عربيا ناصريا يشار اليه بالبنان.

ولعلني أول صحفي تتاح له فرصة من هذا النوع ويمنح وقتا” للقاء مطوّل وشامل مع قامة شاهقة كقامة الدكتور خير الدين حسيب، صاحب المؤلفات البارز والباحث ثاقب النظر، والقومي عميق التفكير والاثر،  والمقبل على كتابة مذكراته التي قال”انها ستكشف تفاصيل كثيرة وتقدم خلاصة تجربة مفيدة للاجيال اللاحقة”.

وفيما يلي نص الحوار:

 { ما هي مصادر تفكيرك تجاه ما أسميته في أدبيات المؤتمر القومي بالاشتراكية الديمقراطية؟

– تأثرث بثلاثة عوامل فيما يتعلق بموضوع الاشتراكية. الأول تأثري بانتاج الجمعية الفابية، وهي جماعة الاشتراكيين الديمقراطيين، الذين كانوا يصدرون كراسات يعدّها كبار السياسيين والمفكرين وقد اطلعت عليها خلال دراستي في جامعة لندن. الثاني الذي تأثّرت به محلي ناجم عن جولة ميدانية قمت بها في اهوار العراق كجزء من جولة جميع أنحاء العراق استعدادا لكتابة اطروحتي للدكتوراه بجامعة كامبريدج بعنوان(تقدير الدخل القومي في العراق في الخمسينيات). وكان عليّ ازاء نقص المعلومات، اجراء تخمين وتقدير بالاستناد الى المشاهدة.

 وفي تموز 1957 عدت الى العراق لجمع المعلومات وأتيح لي أن أزور جميع المدن من الجنوب الى الشمال, ووضعتني الرحلة في العمارة وكان ذلك في 31 آب حيث درجة الحرارة تبلغ 50 مئوية. وعن طريق احد الاصدقاء الذي رتب هذه الزيارة، كان لابد لي من استعمال واسطة نقل في الاهوار تسمى (المشحوف) بالاعتماد على قصبة تسيره. وكان هناك هوران، الأسود والأبيض. وأنا اتنقل بين الهورين، وعلى حافة الهور كان هناك مزارع من دون ملابس، يزرع الشلب بقدميه! انا كنت في ذلك المشحوف والشمسية فوق رأسي فتعرض جزء من قدمي للشمس، وبقيت حتى بعد عودتي الى كامبريدج مكسوة بالاحمرار نحو شهر. وعندما وصلت الى الهور الثاني، لم تكن هناك مياه صالحة للشرب فالماء ملوث بالدود فيضطر الناس الى غلي الماء قبل شربه. لكن كان هناك شيخ لديه مولد كهرباء، فاستحممت عنده. هذه الحادثة اثّرت فيّ تأثيرا” كبيرا” وفي نظرتي الى الأمور وموضوع الاقطاع.

عامل ثالث

 أما العامل الثالث فهو أنه بعد عودتي الى العراق عقب انهائي رسالة الدكتوراه عام 1960، أصدر الدكتور يوسف صايغ كتابا” بعنوان “الخبز مع الكرامة”، وللمرّة الأولى كان يتم الاهتمام بالمحتوى الاجتماعي للتنمية، اذ قبل ذلك، كانت برامج التنمية حتى اوائل الستينات، تركز على الجانب التمويلي فحسب، ولكن بعدها بدأ الاهتمام عالميا” بالمحتوى الاجتماعي. هذه الأمور الثلاثة أثّرت في تفكيري لكن بأتجاه الاشتراكية الديمقراطية.

{ ومتى شرعت بالاشارة الى خصوصية اشتراكيتكم العربية ذات المحتوى القومي العربي؟

– حصل التحول الاشتراكي في مصر ومن ثم في سوريا عقب قيام الجمهورية العربية المتحدة. وفي عام 1961 زرت سوريا لدراسة التجربة الاشتراكية فيها، ثم زرت مصر في عام 1962 لدراسة تجربتها. ولأول مرة قابلت جمال عبد الناصر، وكان قد صادق على ميثاق العمل الوطني. وهو في هذا الميثاق يتكلم على (الاشتراكية العلمية)، وقد ناقشت عبد الناصر وسألته: ماذا تقصد بالاشتراكية العلمية؟ هل تقصد الماركسية أم أي أمر آخر؟ شرح لي ذلك. وبعدها أرسل لي خبرا” مع صديق لي هو أديب الجادر الذي كان في زيارة للقاهرة، وقال له: قل لخيري انني في خطابي في يوم العلم سأوضح ما اقصده بالاشتراكية العلمية, وقد نقل ذلك.

{ هل ترى في مؤتمر الكويت للاستثمار ودعم اعادة أعمال العراق، محاولة لطمس جريمة تدميره؟

– هناك حاجة لالتآم الجروح. يجب اعطاء الفرصة لتحوّل الى مرحلة جديدة فيها جهود جديدة لا علاقة لها بغزو العراق للكويت ولا ما حدث منذ نيسان 2003 وحتى الآن، ولا احتلال العراق ودور دول الخليج فيه. نبدأ مرحلة جديدة. فرنسا وألمانيا دخلتا حربين عالميتين وهما الآن عضوان في الاتحاد الأوروبي. يعني ينبغي الّا نعيش في الماضي بل نتطلع نحو المستقبل ونساعد نحن كل في مجاله وامكانياته بتضميد الجروح وننتقل الى مرحلة اخرى.

{  دكتور ما هو سرّ تفاؤلك الذي تبديه حيال امكانية تحقيق الوحدة العربية؟

-التكتلات الكبيرة والاتحادات هي طريق المستقبل. نحن عملنا مشروعا” لاستشراف مستقبل الوطن العربي في الثمانينات وخرجنا بعد دراسة الأوضاع العربية والاقليمية والدولية الى الحاجة لمشروع نهضوي عربي يتضمن عناصر ستة. هي الوحدة الاتحادية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري. على الاّ تكون هناك مقايضة بين هذه العناصر الستة. يعني انجازالوحدة  ونغض النظر عن وجود ديمقراطية وتنمية. لا.. العناصر الستة يجب ان تسير سوية. والعالم كله يتطور هكذا.. هذه مسيرة التاريخ لا يمكن أن نبقى بأوضاعنا الحالية.

لا يمكن لدول الخليج أن تحكم شعبها بدون دساتير وانتخابات. في بعض بلدان الخليج المجلس الاتحادي الذي هو محدود الصلاحيات أصلا تقوم الدولة بتحديد من الذي ينتخب فيه. ليس كل الناس ينتخبون لكن هي التي تعين من الذي ينتخب. هذا نظام لا يمكن ان يستمر في هذا العصر. للأسف الشديد ستستغل أمريكا بلدان الخليج وبعضها لديه صناديق سيادية تستهلك أمريكا هذه الاموال التي لديهم، ولو اطلعت على تصريحات ترامب لرأيت العجب، انه يقول ان قطر لو سحبنا القاعدة الامريكية فان نظامها سيسقط خلال اسبوع, هذا ابتزاز. أنا أعتقد نحن بحاجة لاستعادة دور مصر وقيام سوريا من جديد وبحاجة لعودة العراق للقيام بدوره السابق.

{  كيف يعود العراق الى دوره وهو بالاوضاع الصعبة التي هو عليها اليوم؟ هل لديك خارطة طريق؟

– نحن في عام 2004 – 2005 عملنا مؤتمرا” في مركز دراسات الوحدة العربية ووضعنا خطة للعراق بعد التحرير واقترحنا دستورا” وقانونا” للانتخاب وخطة لسياسة نفطية واعادة اعمار وحل القضية الكردية الى آخره. وانا لا اعتقد ان النظام الحالي يمكن ان ينتقل بشكل طبيعي الى نظام غير طائفي وغير.. الخ. ايّا” كانت ملاحظاتنا بشأن الانظمة السابقة فانها لم تكن طائفية. السيد السستاني سألوه بعد الاحتلال اذا كان صدام حسين طائفيا” أم لا؟ قال لهم انه لم يكن طائفيا” لكنه كان دكتاتورا”.

اخ احمد ان العراق منذ ثورة العشرين ساهمت في ثوراته وانتفاضاته قيادات شيعية وسنية وكل الأحزاب التي نشأت في العراق كانت احزابا” مختلطة. فحزب الاستقلال رئيسه هو الشيخ محمد مهدي كبة وهو شيعي ونائبه محمد صديق شنشل وهو سني من الموصل. حتى حزبي نوري السعيد وصالح جبر كانتا مختلطتين, لم تكن هناك مناصب في وزارات معينة محصورة بطائفية معينة. الاكراد الذين يمثلون نحو 17 بالمئة اصبح منهم رئيس وزراء ورئيس اركان الجيش. وهو منصب أهم من منصب وزير الدفاع، هناك متصرفون (محافظون) كثيرون كانوا أكرادا”. اما انهم لم يحصلوا على أفضل صيغة للعيش فذلك كان هو وضع الآخرين، جميع العراقيين وليسوا هم اقل مستوى من بقية الشعب العراقي. بالعكس لعلهم كانوا بوضع أفضل، ثم أن نسبة مهمة من ضباط الجيش كانوا منهم. فالكلام بانتهاز الفرص والتحايل على التاريخ والكذب على التاريخ لا يجدي.

وصف الشعب

 والأمريكان عندما احتلوا العراق لم يعودوا يستعملون وصف الشعب العراقي، بل يحكوا عن الشيعة والسنة والعرب والأكراد والتركمان الخ. ثم ان العراق دولة محتلة بشكل غير قانوني وبدون موافقة من مجلس الامن الدولي, بل امريكا هي التي اعترفت في مجلس الامن بان احتلالها غير قانوني. وتقوم بحل الجيش والقوات الامنية. وفي البداية الغت وزارة الدفاع وتركت البلد فوضى وعرضة للنهب والسلب والقتل عدا وزارة النفط وفعلت ما فعلت بالعراق. فاي نظام هذا؟.. هم انفسهم يعترفون بالفساد.

 اذن هذا النظام لا يصلح أن يتطور ويصلح حاله. والمشروع الذي اقترحناه بهذا الصدد ان يختار مجلس الامن مرحلة انتقالية أمدها سنتان ورئيس وزراء على ان تكون شخصية عراقية مستقلة وان يؤلف حكومة من وزراء مستقلين بالتشاور مع ممثل الأمم المتحدة في العراق، وفي نهاية السنة الاولى تجرى انتخابات ويضع مجلس النواب المنتخب دستورا” يخضع لاستفتاء عام. الدستور الحالي دستور معيب. هذا دستور وضعه الاحتلال.أعتقد ان وضع العراق بحاجة الى معالجة جذرية رئيسة ولا اعتقد ان النظام الحالي الموجود يسمح بوضع يصلح لانقاذ العراق.

{  دكتور على ذكر الدستور العراقي.. علمت انك طلبت من مجموعة من الخبراء وضع دستور عربي شامل يناسب الوحدة العربية المأمولة. هل تعتقد ان امكانيات هذا الحلم مازالت قائمة؟

– وحدة اتحادية وفي صيغ مختلفة. لاحظ ان الاتحاد الأوربي كان وليد رؤية مفكر فرنسي. لقد كان مشروعا وفكرة دون ان يظن ان مجالات تحقيق الاتحاد قائمة في ظل وجود المانيا وفرنسا اللتين خاضتا حربين مدمرتين. انا اعتقد ان الشعوب عندما تتمكن من تقرير مصيرها لابد ان تضع مصلحتها في الحسبان، انا لا اتكلم من ناحية ايديولوجية. المصلحة يمكن ان تتحقق بوضع صيغة فيدرالية او كونفدرالية، كان هناك مشروع مطروح  لاتحاد فيدرالي للمشرق العربي يشمل العراق و سوريا و الأردن و فلسطين في عهد المرحوم حافظ الأسد، انا في عام 1991 دعاني المرحوم صدام حسين لمقابلته وزيارة العراق. جاءتني الدعوة عبر المرحوم سعدون حمادي عندما كان رئيسا للوزراء.

{  أي بعد دخول القوات العراقية الكويت؟

– نعم بعد دخولها عام 1990 فاستشرت بعض الاخوان حتى سألت الاصدقاء في سوريا قالوا أن لا وجود لسبب يدعوك لرفض الدعوة. ولو ان الدكتور سعدون حمادي مستشعرا” لأي خطر عليك لما نقل الدعوة تأخرت قليلا عن السفر فبعث رسالة ثانية وفي تموز أو آب التقينا بالرئيس صدام, كان وديا” واستقبلني عند مدخل القاعة وسألني ما العمل وقلت له ثمة ثلاثة طرق. الثالثة منها ولكي تخلص من العقوبات الدولية هي اقامة اتحاد فيدرالي مع سورية والاردن وفلسطين وتوضع مدة انتقالية أمدها خمس سنوات بمجلس رئاسي حسب الحروف الابجدية. وكنت قد حسبتنها أن الرئيس حافظ الأسد سيكون أول رئيس لهذا المجلس, ثم ان يخصص العراق عائدات من نفطه بقيمة مليون برميل وتقدم مساعدات لسوريا والاردن وتعطي مساعدة لمصر لكي تتخلص من المساعدات الامريكية وتفاصيل اخرى. وبعد يوم أو يومين أبلغني د. سعدون حمادي ان الرئيس صدام يفضل السيناريو الثالث واقترح ان أكلم الرئيس الاسد, بشأن المشروع، وفعلا” ذهبت الى سوريا، ولكن قابلت عبد الحليم خدام وكان نائبا للأسد وحاول جاهدا استدراجي لاقول له أولا” ماذا حملت؟  كنت على علاقة جيدة بالمرحوم الأسد.

أراد خدام أن يعرف لكني قلت له مع كل الثقة التي أحملها عنك لكن لا استطيع ان أطرح شيئا الّا للرئيس حسب طلب الرئيس العراقي نفسه. واعتقد انه اتخذ دورا” سلبيا من المشروع بعد ذلك للسبب أعلاه.

{  والرئيس الاسد؟

– رأيته في مقابلة امتدت ثلاث ساعات ونصف الساعة. وقلت له انك استطعت أن تمنع أموراً كثيرة من الوقوع لكنك لم تستطع تحقيق الاشياء التي تريدها. وحكينا بتفاصيل بينها كلامه عن الوحدة المجهضة بين العراق وسور يا عام 1978 . وقال ان هذا الموضوع لا استطيع أن ابت به وأحتاج الى مشورة القيادة ووعدني بأن يخبرني النتائج لكنه مات الاسد ولم يخبرني بشيء.

{  وضحكنا.. ثم واصل الدكتور خيري حديثه:

– بعدين.. عرفت من الكتاب الذي ألفه خدام خلال المدة ذاتها حيث كان نائبا” للرئيس التي طرحت فيها مشروعي كانت جهود سوريا وايران تتجه لتنفيذ انقلاب في العراق. أنا أرى ذلك فرصة ضائعة اخرى.

{  والأردن.. هل فاتحت ملكه بشأن المشروع؟

– لم افاتح الاردن لان الرئيس العراقي طلب مني مفاتحة الرئيس الأسد قبل مفاتحة الأردن. اعتقد ان الاردن كان مرحّبا” لانه سيستفيد اقتصاديا.

{  والاردن لديه عضوية سابقة مع العراق واليمن ومصر في مجلس التعاون العربي الذي بلور صيغته الرئيس صدام حسين.

– سوريا لم تكن منظمّة الى هذا الاتحاد.

{  لكل انسان ساعات حلوة واخرى مرة في حياته.. ما هي اسعد الاوقات التي مرت بك؟

– لا اظن ان ثمة حوادث معينة ينطبق عليها وصف سؤالك. فثمة حوادث تقود الى الاحباط واخرى الى المسرات، لكني لم اكن استسلم الى الاحباطات ودائما ما كنت احاول تغيير الواقع في حدود امكانياتي. لا اتذكر شيئا في هذه اللحظة، مما اعده اسعد الاوقات. وقد اتذكر ذلك في وقت لاحق.

{  ومتى بكيت؟ (يسحب نفسا عميقا ثم يواصل):

– بكيت عندما توفي جمال عبد الناصر. كنت في “سجن الفضيلية” وبقيت أبكي طويلا”. نقلوني من قصر النهاية الى الفضيلية. وبكيت عندما ماتت امي ولم استطع ان اشارك في تشييعها. امي ربتني عندما توفي والدي وأنا في عمر 15 يوما فقط. وكانت هي الام والاب. ضحّت كثيرا في حياتها من أجلنا وصورتها حتى اللحظة معلقة في غرفة نومي اشاهدها كل صباح.

{  اغرورقت عيناه بالدموع.. وقلت يرحمها الله. ثم واصل:

– وبكيت ثالثة عندما توفي صديقي العزيز مصطفى الجاف وعلى قبره بكيت بكاء حارا.

ولكني طيلة مدة بقائي في قصر النهاية لم ابك ابدا. وكنت قررت عند دخولي قصر النهاية ان لا ارفع يدي و اقف كالصنم امام  الجلاد وهو يعذبني. كان الدم يسيل لكني لم أبك او أتوسل.

{  نعود الى موضوع حديث سابق عن تونس.. ما هو سر اعجابك بتجربة هذا البلد المغاربي؟

– أظن ان تجربة تونس يحتذى بها في بناء مجتمع ديمقراطي. أولا” ان تونس يجب أن يذكر لرئيسها المرحوم بو رقيبة انه كان مهتما بالطبقة الوسطى التي يبلغ حجمها نصف المجتمع التونسي واي ديمقراطية لا تنجح اذا لم تكن فيها طبقة متوسطة. تونس فيها جبهة الان.. الباهي قائد السبسي وحزبه (نداء تونس) ومن حركة النهضة التي يقودها راشد الغنوشي.

وهما مؤمنان بالديمقراطية ولولا الغنوشي لما سلكت تونس هذا السلوك, فالدستور الذي وضعته حركة النهضة يعد دستورا مثاليا والممارسات فيها الشعب يمارس حقوقه ويعطي رأيه، وهناك مجتمع مدني واسع ومهم. هناك نخب سياسية تسهم في الحياة العامة. فالشروط الرئيسة لقيام حكم ديمقراطي متوفرة في تونس واعتقد بالمعايير النسبية فان النظام التونسي هو الاقل فسادا في المنطقة. ولذلك فانها تجربة حيث يساعد كل في مجاله وحدود امكانياته على نجاحها وان تشع وتؤثر في المنطقة العربية.

{  متى رأيت للمرة الاولى الرئيس السبسي؟

– كنت قد التقيته قبل أن يصبح رئيسا” لتونس ثم التقيت به بعد أن أصبح رئيسا”.

{  اخر لقاء ماذا جرى بينك وبينه؟

– جرى حول مواضيع مختلفة منها قولي بعدم الرضا عن النظام السابق الذي رفع تمثال بورقيبة من اول شارع في تونس واستبدله بوضع ساعة، قلت له لا يليق ببلد أن يمحو تاريخه. فالحبيب بورقيبة بمعايير عصره كان متقدما على معظم الانظمة العربية الاخرى وبالتالي لابدّ من اعادة تمثاله الى محله. ووعدني وقال قبل زيارتك التالية الى تونس سترى التمثال في مكانه، وفعلا”أعيد التمثال الى مكانه، وكنت أيضا” قد تحدثت اليه عن ضرورة الغاء سمات الدخول عن الرعايا العرب ولاسيما العراقيين. لم يلتزم بوعد محدد لكني اثرت الموضوع مع الشيخ راشد الغنوشي في زيارتي الأخيرة الى تونس، قبل نحو شهر ووعد بمتابعة الموضوع وشرحت له ليس بدافع قطري, بل اني اتمنى ان تلغى التأشيرة عن جميع رعايا الدول العربية. فلا مبرّر لالغاء التأشيرة بالنسبة للاردن او دول الخليج وعدم الغائها بالنسبة للعراق. ووعدني بتحقيق ذلك وقد جرت زيارات لمسؤولين تونسيين بينهم وزير الى العراق وعملوا ترتيبات بالنسبة لتأشيرة رجال الأعمال لكن المطلوب أكثر من هذا، لأن ذلك يمكن أن يعوّض عن انحسار السياحة الغربية الى تونس. فالعراق يستطيع ان يعوض وكذلك الجزائر.

{  لعلك تتذكّر ماذا وصف القوميون العرب بورقيبة عندما اقترح قبول حل اقامة دولة اسرائيل عام 1957 وانهاء الصراع لحفظ الارواح والاموال؟

– قضية اسرائيل لا تخص القوميين العرب وحدهم.. يعني ان وضعنا الحالي هو وضع مؤسف. ماذا يطلب العرب الآن؟ او القيادات العربية؟ يطلبون اقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 اي الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967.

 أما كانت الاراضي قبل الحرب بيد العرب فلماذا لم يؤسسوا دولة لفلسطين عليها؟ لماذا كنا نرفض من عام 1948 ولغاية 1967 الاعتراف باسرائيل. الحقيقة هذا موقف غير مقبول ولا يدل على نضوج سياسي، بل يدل على تراجع. يعني نحن رفضنا مشروع التقسيم الذي عرضته الامم المتحدة رفضناه ثم نريد اقامة دولة على الاراضي التي احتلتها اسرائيل. هذا تناقض، مع الاسف، الشعوب العربية لم تستوعب ما نحن فيه الآن و التنازلات التي قمنا بها.

مشاركة