السفير محمد كامل ضاهر.. من الخارجية إلى نشر المطبوعات

308

 السفير محمد كامل ضاهر.. من الخارجية إلى نشر المطبوعات

دبلوماسية الكتاب في صراع التيارات الثقافية

 أحمد الأمين

ما ان ترك الدكتور محمد كامل ضاهر وظيفته سفيراً للبنان في اسبانيا وتونس وتركيا وساحل العاج حتى بدأ مشواره في دبلوسية الكتاب.

انها عنوان جديد للثقافة وفرع من المعرفة التي لا تتقدم الشعوب الا بها. فقد شغله التأليف والترجمة والخوض في صراع التيارات الفكرية فأسس داراً للنشر وشرع بتسويق عصارة ما تنتجه العقول الابداعية في العالم. لقد ألف كتاب (الصراع بين التيارين الديني والعلماني في الفكر العربي الحديث والمعاصر)، الذي ظل موضع اهتمامه وقاده الى ترجمة كتاب ميشال فراجونالا المعنون (التيارات الثقافية الكبرى في القرن العشرين. كما ترجم للمفكر الفرنسي روجيه غارودي  ثلاثة كتب هي (هل نحن بحاجة الى الله؟) و (الاسلام الحي) و (محاضرات وابحاث في قضايا الاسلام والعالم المعاصر).

ومنذ عام 1994 حيث تأسست دار البيروني، نسبة الى العالم العربي الكبير، يواصل ضاهر جهوده لنشر ثقافة الانفتاح والمعرفة عبر دبلوماسية جديدة عنوانها الكتاب. وفيما يلي حوار اجرته (الزمان) معه:

{ شغلك موضوع الدولة العلمانية والدين.. ما الذي توصلت اليه في هذا المجال؟

– شغلتني هذه الفكرة منذ التسعينات من القرن الماضي. لماذا تخلف العالم العربي وتقدمت الدولة؟

والسؤال قديم وانما وجدت لفهمنا الخاطئ للاسلام هو الذي قادنا الى هذه المشكلة، من ناحية ثانية ان ما نطلق عليه الدولة الحديثة هو دولة نشأت عن العلمانية اي ان المدخل لاي دولة في العالم هو العلمنة، وهي لا تعني الالحاد ولا الكفر ولا الحرب على الدين.

العلمنة تعني الفصل بين ما هو ديني ما هو مدني، انت في الدولة العلمانية مواطن قبل ان تكون شيئاً اخر. العلمنة تعطيك الحرية لان تعتقد بما تشاء وان تكون متيساويا مع بقية المواطنين.

مهما كان دينك واصلك، انت مواطن في دولة، والدليل على ذلك ان جميع الدول الحديثة هي دول علمانية لكنها ليست ضد الدين والدليل على ذلك بريطانيا مثلاً، فملكه بريطانيا هي رئيسة الكنيسة الانجلكانية ورئيسة او ملكة دولة علمانية ولم يتناف ذلك مع كونـــــــها رئيسة كنيسة.

 في المانيا المستشارة الالمانية انجيلا ميركل رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي لكنها علمانية لا تدخل الدين في قضايا السياسة. الدين في العالم الاسلامي شيء منزل بينما السياسة مصالح وقضايا اي فيها الكثير من التغيرات والمواقف المتناقضة.

فاذن الفصل بين الدين والدولة هو اساسي، فيما يسمى الحداثة. والمدخل الى الحداثة هو العلمنة التي تعني المساواة والحرية وتعني العدالة للجميع وتعني انك مواطن قبل اي شيء اخر وينطبق عليك القانون المدني للدولة وليس القوانين الدينية او العشائرية.

{ هل يمكن ان تقدم لنا نماذج عن دخول الدين بقوة في بعض البلدان العربية؟

– كل العالم العربي والاسلامي. هناك دولة اسمها ماليزيا فيها طبيب اصبح رئيساً للوزراء اسمه مهاتير محمد. ماليزيا في الستينات كان دخلها القومي للفرد نحو ثلاثة الاف دولار. وجاء هذا الرجل وعمل مشروعاً لتطوير ماليزيا ونقلها الى العالم الحديث فارسل مجموعة كبيرة من الطلاب الى الغرب لدراسة العلوم الحديثة، الهندسة والطب وغيرهما. تماماً كما فعل محمد علي باشا في مصر. هذا شخصية مهمة جداً اعتقد انه اول علماني في العالم الاسلامي كان محمد علي. فماليزيا خلال العشرين سنة التي حكم فيها مهاتير محمد نقلها من دولة متخلفة الى دولة نمور آسيا وتنتج كل شيء الان. تنتج الحاسبات الالكترونية وتنتج الالكترونات والسيارات الخ… هذه نموذج. وفي العالم العربي والاسلامي التجربة كانت مريرة جداً. وعند ما جاء عبد الناصر وقبله جاء محمد علي باشا، الذي حكم مصر من 1805 لغاية 1849 ، وهي سنة وفاته. هو لم يكن محمد علي من اصل عربي بل من الباينا بعثته الدولة العثمانية الى مصر لمحاربة جنود نابليون عام 1798، وعندما احتك محمد علي، وكان رجلاً شبه أمي، احتك بالجنود الفرنسيين اكتشف العالم الجديد، سواء في الاسلحة أو الادوات الهندسية وعندما جاء نابليون حمل معه بعثه علمية. وهذه البعثة كانت تقدم العلوم كما توصلت اليه حتى ذلك الوقت، في الهندسة والطب والاثار والعسكر،

{ جاء نابليون الى مصر بمطبعة ايضا.

– طبعاً هذا مهم. وكان نابليون يلبس الجلباب ويذهب الى جامع الازهر وحاول الاندماج مع المجتمع المصري. محمد علي رآه وحارب الجيش الفرنسي واضطره الى الانسحاب. وبسبب هذا الكفاح ضد الفرنسيين نادى به علماء الازهر واليا على مصر. واصبح حاكماً لها. هذا الشخص تفتحت امامه الافاق واستعان ببعض العلماء الفرنسيين لبناء الجيش وبعض المجالات وارسل 317 طالباً الى الدول الاوربية وتخصصوا في مختلف العلوم البارزة كالهندسة والطب. ولما عادوا حاول ان يطلق بهم الثورة العلمية في مصر وان يجعل منها ومن العالم العربي امبراطورية حديثة وخامس قوة في العالم من حيث العلم والجيش، وعندما شاهد الاوربيون هذا النشاط وجاء من بعده ابنه  ابراهيم سمح للارساليات ان تأتي الى لبنان وجاء البروتستانت والكاثوليك وعادة عندما تأتي الارساليات تبدأ بتشييد المدارس والمستشفيات ثم نشر الفكر الديني. والبروتستانت اسووا الجامعة الامريكية سنة 1826. والتي كانت في الموصل ورفضت فيما تأسست الجامعة اليسوعية سنة 1875. وكان لهاتين الجامعتين تاثير كبير في الاجيال العربية. ومعظم الذين تخرجوا من العراق وسوريا ومصر حيث تأسست الجامعة المصرية سنة 1905.

{ ونعود الى جمال عبد الناصر؟

– بعد ان قضى الغرب على محاولة محمد علي التطويرية في مصر في مؤتمر لندن 1840 وقالت له نحن الوارثون للامبراطورية العثمانية وعليك سحب جيوشك من فلسطين ولبنان وسوريا والحجاز وتكتفي بعرش مصر وبذلك قضوا على ما بدأه محمد علي. وعندما جاء احفاده فككوا المصانع والمدارس التي كان محمد علي يعطي للطلبة رواتب من اجل ان يتعلموا، وعين رفاعة رافع الطهطاوي مديراً للتعليم، والطهطاوي كان ثمرة من ثمرات مشروع البعثات في عهد محمد علي. وكان شيخاً ازهرياً لكن عندما ذهب الى فرنسا سنة 1826 تبين له عالم جدير وحضارة جديدة وقال كلمة شهيرة (ان الاسلام لولا حفظ الله له لما كان شيئاً امام الحضارة الحديثة).

{ لننهي الحديث عن التاريخ ونسألك.. ما الذي قادك الى النشر وصناعة الكتاب؟

– في الواقع انا درست سنتين في الجامعة اللبنانية ونلت الدكتوراه في الفلسفة، وقد درستها للطلبة. ومن الجامعة انتقلت الى السلك الدبلوماسي بموجب الدراسة، ومنه اشتغلت في مدريد وتعرفت على الصديق الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان مستشاراً في السفارة العراقية رحمه الله، ثم انتقلت الى تركيا وتونس واخيراً في ساحل العاج بقيت عشر سنوات. وكانت في الواقع تشغلني قضية لماذا  نحن شعوب متخلفة؟ لماذا العرب يتخبطون في مصيرهم.

{ هل هذا هو الدافع الوحيد الذي جعلك تؤسس دار نشر؟

– نعم. والذي دفع الى تأسيسها سنة 1994 هو صدور الطبعة الاولى لكتابي الصراع بين التيارين وقلت عندما اتقاعد ماذا افعل؟

{ هل كنت ما زالت في الوظيفة عندما صدر كتابك؟

– نعم.. نعم. وهو اطروحة الدكتوراه خاصتي.

{ ومن اية جامعة نلتها؟

– انا كنت اساساً طالباً في السوربون وكان لدينا استاذ شهير اسمه محمد اركون واختلفت معه. عندما فكرت ماذا اصنع في اوقات فراغي؟ قلت يجب ان انشئ داراً للنشر تنشر الكتب التنويرية ومن جملة المشاريع ان انشر الكتب الاسلامية التنويرية، يعني نشر الفكر الاسلامي الجديد الذي بدأه محمد عبدة والطنطاوي، وقد دفعني الى ذلك عندما كنت سفيراً في ساحل العاج وجدت ان مواطني هذا البلد يقرأون وكانوا 60 بالمئة من السكان هم مسلمون ولا يعرفون قراءة القرآن بدون فهم، وهناك التقيت بمفتي المسلمين وعقدت صداقة معه وهو خريج جامعة الازهر، يعني يتكلم العربية جيداً، ومرة طرح علي سؤالاً مفاده: هل تستطيعون ان تقدموا لنا شيئاً، مدارس او غيرها، فقلت لنا نحن دولة علمانية، وماذا استطيع ان اقدم شخصياً لكــــم خدمة؟ فقال ان تحول كلمات القرآن الى اللغة اللاتينية فقلت له ذلك عمل صعب، ولكن عندما كنت احضر للدكتور كنت استعين بمراجع اجنبية ويضعون حروفاً او كلمات لاتينية وما يقابلها بالعربي، وعندما بدأت بهذا المشروع في اوقات الفراغ والتقيت ثانية بهذا الشيخ سألني: هل انجزت شيئاً قلت ان العملية صعبة.

{ هل حققت هدفك حتى الان من تأسيس دار البيروني؟

– اعتقد ان قسماً كبيراً من اهداف التأسيس تحقق وقسم اخر لم يتحقق، لعدم وجود قبول في العالم العربي لقراءة الكتب العقلانية. ومازلت حتى الان مستمر في هذا الاتجاه.

{ وهل ترى ان الوطن العربي يشهد عزوفاً عن  قراءة الكتب.. هل هناك كساد في التسويق؟

– مشكلة القراء ليست محصورة في العالم العربي، بل هي عالمية بسبب شيوع الانترنت والمواقع الالكترونية ونحن الشعب العربي اقل شعوب العالم قراءة، ولان الجهل عندنا منتشر اي لدينا اميون كثيرون وعندنا الفكر الغيبي مهيمن.. الفكر اللاهوتي فكر منغلق، وهذا الفكر احد معوقات انتشار الفكر التنويري في العالم العربي، اعتقد اننا بعد تجربة تدمير العالم العربي التي نعيشها الان نتيجة الافكار الخاطئة وفهمنا الخاطئ للدين الذي نشره بعض رجال الدين مع الاسف. كان هناك رجال دين متنورين مثل محمد عبدة وخالد محمد خالد أو غيرهم حتى طه حسين الذي هو خريج الازهر وثار على طريقة تعليم الازهر وانتقل الى الجامعة المصرية التي كانت يومها نافذة.

بالواقع دار نشر البيروني التي تحمل اسم هذا العالم الاسلامي الشهير، وهو من عباقرة العلم في العصور الوسطى، واعمل وحيداً لا يساعدني احداً في المهمة، وحاولنا ان يكون لنا مراكز بيع في العالم العربي وخاصة في العراق لان العراقيين يقرأون، من الشعوب القارئة. ومع الاسف لم اوفق في هذا الشأن.

{ هل زرت بغداد خلال حياتك؟

– لم اوفق وحاولت ان يكون لنا وكيل في العراق بسبب السؤال عن مطبوعاتنا.

 انتهيت من اسئلتي وبادر ضاهر الذي ارتأئ ان يكون هذا اللقاء في مكتبه بدار البيروني، برغم اني تعرفت اليه خلال بحثي عن اصدارات جدــــــيدة كنت انوي شراءها من مكتبة (way in) بشارع الحمرا.

مشاركة