قراءة في كتاب العمارة مدينتي

892

العمارة في برمانا

 قراءة في كتاب العمارة مدينتي

عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

في قمة ذلك الجبل الشاهق ( منطقة الجبل ) الذي يقع في مدينة ( برمانا ) إحدى ضواحي بيروت الضاحكة المشهورة بالمطاعم الأنيقة والفنادق السياحية الجميلة، وفي دير مهيب يقع في أعلى قمة ذلك الجبل التقيت وبعض الأصدقاء بذلك الراهب الوقور ذي  الوجه العربي الباسم الذي يشير إليك بأنه وجه عراقي أصيل نزح وعائلته قبل عشرات السنين من العراق وبالتحديد من مدينة الموصل إلى لبنان،  وسكن هو وعائلته هذه المدينة التي قدم وابوه لها خدمة جليلة، حيث كان إنسانا زاهدا متعبدا تبرع ببناء أكثر من مئة مدرسة ودار للأيتام، وعشرات الأديرة لعبادة الرهبان والراهبات .

هناك وفي قاعة ملاصقة لكنيسة صغيرة تزين بابها صورة السيدة  مريم العذراء، أخذ هذا الراهب الوقور يتحدث بلغة عربية أصيلة ولهجة عراقية حبيبة . يتحدث عن حضارة وادي الرافدين تارة وعن أسماء المدن العراقية تارة أخرى ونحن نستمع إليه  وكأنه يلقي علينا محاضرة عن أسماء المدن العراقية، ومعناها لغة واصطلاحا  وتاريخا  فمرة يقول الموصل مدينتي . وأخرى بغداد والبصرة مدينتي وثالثة ( العمارة مدينتي ) أحبها جميعا لأنها العراق . وأنا من العراق .

وأخذ يشرح لنا لماذا سميت الموصل بالموصل والبصرة بالبصرة وميسان بميسان  والعمارة بالعمارة … الخ بحيث تطرق إلى معان لم أقرأ عنها وخاصة بقوله عندما عرفني من العمارة . = (العمارة مدينتي )… وبعد هذا الحديث الذي استغرق أكثر من ساعتين جلب انتباهي قوله= (العمارة مدينتي ) والذي ذهب بي إلى قراءة ( مسودة كتاب الكاتب الأستاذ (صبيح زهراو الموسوي) عندما اطلعت عليها قبل الطبع، وقرأتها  بعد أن تحولت إلى كتاب وثائقي أنيق كأناقة مؤلفه، يعتبر إضافة متواضعة شفافة لما كتب عن محافظة ميسان ومركزها ( العمارة ) وأرى أن مؤلفه يستحق الشكر والاحترام، لاسيما  هي تجربة أولى، ولا بد أن يستفيد من هفواتها تجربة ذات جهد فردي متواضع  أعطى لكل ذي حق حقه، وأشاد بالوجوه الاجتماعية، والعشائر العربية العريقة في العمارة . دون أن يلتمس من هذا  ( جزية ) ومن ذاك ( فدية ) ومن ثالث (عطية ) . ولا أدري لماذا يتحامل البعض على هذه النتاجات الشابة بنقد لاذع يثبط العزيمة، ويهزم الهمة ويكسر القلم قبل أن ينمو مرحلة جديدة

وإني أعتقد أن خطأ هنا أو خطأ هناك لا تخلو منها حتى الموسوعات التاريخية، واللوائح القانونية، والكتب المدرسية، وهذا كما أرى لا يقلل من قيمة هذا المؤلف أو ذاك .

ولا أريد ان أطيل في هذا الموضوع، ولكن أريد ان أضع بين يدي القارئ قراءة متواضعة شفافة، رضي هذا أو رفض ذاك، لأني أرى أي جهد يقدمه أي إنسان، مهما كان ذلك الجهد، لا بد أن ندفع  بصاحبه للأمام وأن نشجعه مهما كان ذلك الثمن وذلك الجهد لأن الكلمة الطيبة صدقة، والصدقة تنفع المؤمنين .

( العمارة مدينتي ) من فوق قمة ذلك الجبل في مدينة ( برمانا ) ليست مدينة المؤلف وحده عندما قال ( العمارة مدينتي ) بل هي مدينة البعيد والقريب / العماري و والبصري والموصلي، مدينة العرب والأكراد والأقليات الأخرى، مدينة كل عراقي حتى مدينة ذلك الراهب الوقور الذي يتعبد في أحد أديرة جبال ( برمانا ) مدينة الجميع لأنها عراقية وهي جزء لا يتجزا من العراق .

مدينة العمارة وليست مدينة ( زهراو ) ذلك الإنسان الوديع الذي يحب كل الناس، كما عرفته قبل أن أعرف ولده الكاتب الأنيق ( صبيح زهراو ) كان ذلك الرجل يحب الناس جميعا، يضحك مع هذا، ويمزح مع ذاك، حتى أصبح لا يتجزأ من السوق الذي يعمل فيه فلماذا سمى الكاتب، مؤلفه ( العمارة مدينتي ) قراءة متواضعة أضعها بين يديك أيها القرئ الكريم ..

قبل عدة سنوات عشت التجربة الأولى، لا بالكتابة والنشر و إنما بتأليف أول كتاب صدر لي عن دار الفارابي في بيروت بعنوان ( ثرثرة فوق الذكريات ) وقيل عنه ما قيل حتى أن صاحب إحدى المكتبات التي قامت ببيعه قال لي بالحرف الواحد وقبل أن يطلع عليه 🙁 هذه مذكرات منو عنده وقت يقرأها ) .. وأخذت أتابعه حتى باع منه عددا كبيرا ونفذ من الأسواق، وفي طريقه إلى طبعة ثانية منقحة، واستمريت بالتأليف والنشر والتوزيع  لكافة كتبي التي صدرت على مستوى الوطن العربي، ولم ألتفت لما يقوله هذا أو ذاك لأن( مغنية الحي ) لا تطرب … أقول هذا وأنا في قراءة متواضعة لكتاب ( العمارة مدينتي ) .. صبرا أيها المؤلف على ما يقوله زيد أو عمرو … فكتاب ( مدينتي العمارة ) لمؤلفه الشاب الموسوي، يقع بثمانية فصول، وثلاثمائة وسبعة وأربعين صفحة من الورق الأبيض والطباعة الأنيقة . وقراءتي لهذا الكتاب لم تتناول بالشرح والتفسير لمباني نظرية فلسفية، أو نصوص فقهية مقدسة تحتاج إلى جهد في التحليل والتأويل لسياقات نصية . أو أصول فكرية للاستدلال العقلي والفكري . وإنما تتناول قوالب اجتماعية ثابتة، وأعراف أخلاقية لم تتغير على امتداد الزمان . وتجارب عشائرية محترمة انطلقت من القيم والتراث العربي الأصيل . لذلك سوف لا يرى القارئ في هذه ( القراءة ) مصطلحات من ( الهرمنيوطيقية  ) الفلسفية أو ( النسبية المطلقة ) وغيرها من المنظومات المعرفية … وإنما سوف أتناول الكتاب فصلا فصلا بلغة كاتبه ومعارفه واسلوبه الاجتماعي المألوف .

ففي الفصل الأول، نتناول ميسان، وبالتركيز مدينة ( العمارة ) بمراقدها وشوارعها، وخاناتها، وبساتينها، وشخصياتها، بحيث يقود كل قارئ إلى طفولته، أو مرحلته الدراسية الأولية، وأنا واحد من هؤلاء الذي تذكر عندما كان يتسلق الجدار الخلفي لملهى الحمراء ليرى كيف كانت الراقصات تتلوى على المسرح و عاريات إلا من ورق ( التوت ) . كما تذكرنا بالبساتين الجميلة العامرة بثمارها وملاكها عندما كنا نذهب زرافات ووحدانا لقطف ثمارها، أو الدراسة تحت ظلال أشجارها .أو ذلك اللقاء البرئ بهند أو ليلى .

وكيف لا يشكر المؤلف عندما يتذكر شخصيات مدينتنا الذين لهم الفضل الكبير في تطويرها وتثبيت عاداتها الاجتماعية العربية الأصيلة . والذي يريد ان يطلع على محتويات هذا الفصل يجده في الكتاب المذكور .شخصيات علمية وأدبية مرموقة خدمت محافظتهم .

وفي الفصل الثاني من الكتاب ينتقل الكاتب الى التكوين الاداري والتعليمي في المحافظة وخاصة في مركزها ( العمارة ) وكيف يذكرنا بالأسماء الادارية اللامعة التي توالت على ادارة المحافظة والصفات الأخلاقية التي كانوا يتمتعون بها من حيث الخبرة والاخلاص الاداري  من جهة، والعلاقات الاجتماعية بالمواطنين من جهة أخرى . وذكرني هذا الفصل بـ( الملك فيصل الثاني في العمارة ) بحادثة حدثت أثناء زيارته لمدينة العمارة عام 1955 عندما كنت طالبا في الصف الرابع الأدبي حيث قام المرحوم الملك فيصل الثاني هو وخاله الأمير عبدالاله  والأمير رعد بن الأمير زيد بزيارة إعدادية العمارة أثناء زيارتهم المدينة حيث فوجئنا بدخول الملك الصف الرابع واستقبله الطلبة بالتصفيق والهتاف بحياته . ثم أشار بيده بالجلوس حتى ساد الصمت . وكنا نتوقع أن يلقي المدرس كلمة ترحيبية به ولكن المدرس بدلا من ذلك بدد الصمت بهتاف ( يسقط الملك . يسقط الملك .. يسقط الملك ) وساد الصمت والوجوم والترقب إلا أن الملك ( رحمه الله ) ابتسم ورفع يده محييا وانسحب بهدوء .هذه الحادثة  الفريدة إن دلت على شيء فإنما تدل على الأخلاق العالية وسعة الصدر، وتفهم مشاعر الناس، كما كان يفهمها المسؤولون الذين ذكرهم المؤلف منذ الأربعينيات حتى مرور فترة طويلة من العهود التاريخية التي مر بها العراق،

وفي الفصل الثالث، واعتبره من أهم الفصول المرحلية، تناول الكاتب الديانات الأخرى وطقوسها ومعابدها في العمارة، كما تناول أركان عبادتها والمناسبات الدينية  لها وكيف كان أبناء العمارة ولا يزالون يشعرون بوحدة الإنتماء والهوية، ويتبادلون  مشاعر الأفراح والأحزان في كل مناسبة دون أن يشعر أي أحد بالتمييز أو التفريق، وهذه من أهم الظواهر سابقا ولاحقا، يشعر العماريون بوحدة الأخوة والمحبة والتآلف .

وقد ذكرني  هذا الفصل ( بالحب العلماني ) الذي وقعت به عندما كنت صبيا حيث تعلقت بهوى تلك الصبية الشقراء من إحدى تلك الديانات فترة طويلة كادت أن تصل إلى ما يرغبه الطرفان لولا العادات المحلية التي تمنع ذلك، ومنذ ذلك الوقت آمنت بأن ( الحب ) لا يعرف الحدود … وقد تمنيت لو أن الكاتب تناول هذا الفصل بطريقة معاصرة أخرى مؤكدا على وحدة المشاعر والآمال والحب والسلام والديانات .

وفي الفصل الرابع تناول الكاتب العشائر العربية الأصيلة في عموم محافظة ميسان، والدور التاريخي والاجتماعي لهذه العشائر مؤكدا على العشيرة وأفخاذها وفروعها الأخرى مشيرا إلى أبرز شخصياتها،. وإني أعتقد أن ما ورد في هذا الفصل كان غائبا عن أذهان أكثر الناس . ولكن تمنيت لو تناول الكاتب هذه العشائر بطريقة تاريخية يرجع بكل قبيلة إلى جذورها التاريخية ذاكرا العرب العاربة، والعرب المستعربة، وأجدادها من زبيد الأكبر وزبيد الأصغر، وقحطان وعدنان وصولا إلى معد يكرب الزبيدي حتى أبونا آدم  . ليدرك كل منا من نحن، ومن أية جهة نزحنا وفي أي مكان استقرت خيامنا ومضايفنا .

وفي الفصل الخامس تناول الكاتب مضايف شيوخ عشائرنا الكريمة، وكيف تعبر عن الكرم العربي والضيافة الأخلاقية العالية لعموم عشائرنا في المحافظة . وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على استمرارية الأصالة الاجتماعية التي يتمتع بها شيوخ ورؤساء عشائر المحاقظة قديما وحديثا . وكم تمنيت لو تناول الكاتب بعض العادات العشائرية السلبية التي تكاد أن تتحول إلى مبادئ وقيم تؤثر على الإنسان ماديا ومعنويا . ولا يفوتني أن أذكر في هذا المجال أن هناك بعض العادات والمظاهر ترهق الناس في بعض المناسبات الأجتماعية التي عزفت عنها أكثر العشائر في عموم العراق تبسيطا لأكثر المظاهر وتسهيلا لتطبيق العلاقات الأجتماعية السائدة .

وفي الفصل السادس تناول الكاتب النزاعات العشائرية وبعض المعارك التي حدثت هنا وهناك، والتي أعتقد أنها لم تؤثر على وحدة العشائر العمارية، بل قوت أواصرها ومتنت علاقاتها، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على المستوى الثقافي والاجتماعي لما يتمتع به رؤساء العشائر الذين نبذوا الثأر والانتقام القديم، ومالوا إلى التقارب والتوحد كما نرى ونسمع اليوم عن مجلس العشائر العراقية الموحد، ومجلس السادة الهواشم الموحد وغيرها من المجالس العشائرية على طول العراق وعرضه . ولنا الأمل الكبير بالعناصر الشابة من هذه العشائر في بذل الجهود المخلصة لتغيير أو تعديل بعض المظاهر التي ترهق أصحاب المناسبات في الأفراح و الأتراح .

وفي الفصل السابع تناول الكاتب الحركة السياسية في العراق حتى عام 1958 وتناول جزءا من الحركة السياسية في العمارة حتى قيام ثورة 14 تموز عام 1958 مارا مرورا عابرا على العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وكم تمنيت لو تناول الكاتب الثورة المصرية بقيادة المرحوم جمال عبد الناصر لما لها من تأثير واسع على الوعي القومي العربي وتأثيرها في تفجير الثورات العربية في الوطن العربي  وكان عليه أن يذكر الشخصيات الوطنية مهما كان اتجاهها.

وفي الفصل الثامن تناول شخصيات وأعلام فكرية وعلمية وأدبية عمارية كالبروفسور الدكتور عبد الجبار عبد الله عالم الفلك والذرة المشهور، والبروفسور الدكتور حامد معيدي الحيال عالم الذرة المعروف، والبروفسور الدكتور محمود موسى وخلف حنون الربيعي ومتي العائش، إضافة إلى عدد كبير من الأدباء والشعراء والأطباء الذين تفتخر بهم الأجيال السابقة التي تربت على أيديهم، واللاحقة التي تسير بخطواتهم في كافة المستويات والميادين.

آمل من جيلنا المعاصر الاقتداء بهؤلاء الأعلام والشخصيات العلمية البارزة من أجل رفع سمعة مدينتهم . ولتكن مدينة العمارة مدينة الجميع وليس كما يقول الكاتب الموسوي ( العمارة مدينتي) آمل من الله تعالى أن يوفق كافة أدباء وكتاب محافظة ميسان وأن لا يلدغ بعضهم البعض لأن في ذلك تفتيت لوحدة الأدب والأدباء . وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون  .صدق الله العلي العظيم .

مشاركة