تجربة قلم ومهارة مهنية – حسن عاتي الطائي

571

قراءة في كتاب (عنوان صحفي يكفي)

تجربة قلم ومهارة مهنية – حسن عاتي الطائي

لا شك ان الصحافة ووسائل الاعلام في العالم المعاصر قد قامت وما زالت تقوم بدور بالغ الأهمية والخطورة في حياة الامم والشعوب على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى على مستوى الأسر والافراد العاديين بالنظر لما تملكه من قدرات لا حدود لتأثيرها على صناعة وتحشيد راي عام ضاغط تجاه القضايا العامة الانية منها والمستقبلية التي تمس مصالح وحياة الاغلبية العظمى من الناس..وقد بلغ من تأثيرها الان خاصة بعد الانفجار الهائل لثورة المعلومات والتكنولوجيا ولا سيما في مجال وسائل الاتصال انها قد اصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية لمختلف طبقات وشرائح المجتمع وحاجة ملحة لا بد منها لكل انسان في كل وقت في جميع المجالات..لقد اثبتت الصحافة ووسائل الاعلام المتعددة الاسماء والمختلفة الاتجاهات بما تمتلكه من نفوذ شعبي واسع النطاق وامكانات تقنية فائقة وخبرة وتجربة مميزة انها السلاح الأكثر قوة وفاعلية في الدفاع عن حقوق الإنسان وقضايا الوطن والأمة وفي محاربة الأرهاب والفساد وترسيخ قيم الديمقراطية والحرية والعدالة ومبدأ المواطنة وفي تبني قضايا ومشاكل وامال الفقراء والضعفاء والمسحوقين..ان الصحافة ووسائل الاعلام كمهنة لها قواعدها الأخلاقية والمهنية التي يجب مراعاتها والألتزام بها لمن قرر اتخاذها مهنة له..وهناك الكثير من الصحفيين وخاصة الأوائل والرواد منهم قد منحوا حياتهم بأكملها لتلك المهنة الجميلة والصعبة التي وصفت بأنها(مهنة البحث عن المتاعب)ويتمتعون بقدر كبير من الكفاءة والمسؤولية والتجربة الصحفية الطويلة والمبدعة ومن بينهم الصحفي الكبير طالب سعدون منصور الذي أصدر نهـــــــــــــــــاية العام 2017 كتابا مهما تناول فيه شؤون وشجون الصحافة هو خلاصة تجربته الصحفية الثرية التي امتدت لأربعة واربعين عاما تنقل خلالها في مختلف مواقع العمل الصحفي منذ العام 1974 حين تخرج من كلية الاداب(قسم اللغة العربية) .. فمن مصحح لغوي الى محررومعد برامج ومراسل في الداخل والخارج الى مدير قسم الاخبار المحلية في وكالة الانباء العراقية ثم الى مدير لمكتبها في القاهرة اضافة لعمله كمستشار صحفي واعلامي في السفارة العراقية هناك ليستقر به المقام بعد ذلك ليكون مديرا عاما لقناة العراق الفضائية ومراسلا لها في القاهرة الى جانب كتابته المقالات الصحفية التي كان ينشرها في مختلف الصحف العراقية والعربية والتي ما زال يمارسها حتى الان بعد ان تقاعد من عمله الوظيفي..وبالنظر لأهمية الكتاب الذي حمل عنوان (عنوان صحفي يكفي) والذي هو كتابه الأول في هذا الميدان ولثراء مادته الصحفية فأننا سنحاول هنا ان نسلط الضوء على ابرز ما تضمنه ونعطيه حقه من التعريف به والكشف عن محتوياته الثمينة..منذ البداية يلفت الكاتب انتباهنا قائلا(ان العنوان لأي موضوع يوجز المضمون ويدفع القارئ الى ان يغوص مع الصياد(الذي هو الصحفي) ليعرف تفاصيل تلك الرحلة وما فيها من متاعب ومصاعب وما تمخضت عنه من نتائج..وهناك من يشبه العنوان ب(المصيدة)التي توقع القارئ في شباك الخبر ص(17، مشددا على (ان العنوان ليس شيىا ثانويا او هامشيا فهو اول خط تماس بين القارئ والصحيفة والكاتب وليس هناك اكثر دلالة على اهميته من ان مكانه في اعلى الموضوع ص..(20وتحت عنوان: من هو الصحفي؟يجيب الكاتب على تساؤله بالقول (ان اي تعريف سيكون فضفاضا يدور ضمن طبيعة عمل الصحفي ومواصفات هذا العمل وواجباته وهناك من اهل الخبرة من يرى ان الصحفي لم يحدد باختصاص معين بل يتناول كل الاختصاصات في تقاريره واخباره وكتاباته اي انه يجب أن يكون ملما او على اطلاع بما سيتناوله وان يكون محاورا جيدا ولا يقتصر دوره على طرح الأسئلة فقط ص51 ).. وفي مكان اخر يضيف قائلا(رغم ان الصحفي يعد لاعبا أساسيا في تشكيل الراي العام ويمارس دورا تنويريا وتثقيفيا ولكن عليه ان يكون مستقلا وحياديا وامينا في نقل المعلومة دون ان يكون له رأي مسبق قبل ان يبدأ بالتحري عنها وان يكون على قناعة كاملة بما يكتب وان يحترم قيم المجتمع وثوابته لأن ما يكتبه الصحفي يتعلق بكل ما له صلة بحياة المجتمع التي لا تعرف التوقف عند ساعة معينة من اليوم (باعتبار)ان الكتابة مسؤولية وامانة تقتضي الدقة والموضوعية والحيادية لكن مع كل ذلك لا ننسى ان الصحفي انسان من لحم ودم له موقفه وله رأيه ومشاعره وعواطفه وعليه ان يجتاز ذلك الخيط الرفيع بين الذاتي والموضوعي ليكون شاهدا على ما كتبه ص54 ).. ولأنه كذلك فأن عليه (ان يحترم قلمه الذي لايشترى ويباع بأي ثمن لأنه لايقدر بثمن ولايقبل الهدايا التي تؤثر على رأيه في الحالة التي يتناولها ويكون ضعيفا لايقوى على الدفاع عن موقفه حتى وان كان صائبا ص35..) منبها في الصفحة 89  ان يكون الصحفي حياديا كالقاضي لأنه عندما يغيب الحياد يدخل مايتناوله الصحفي في خانة السياسة والرأي وعندها تختلط الأمور وتضيع الحقيقة ويصعب فصلها عن الرأي والتوجهات السياسية للصحفي ) ولأن قلم الصحفي في حالة استنفار دائمة فلا بد ان يكون قادرا على الكتابة بلغة سليمة خالية من الأخطاء ولهذا وتحت عنوان(الصحفي واللغة العربية) نراه يؤكد على ضرورة إلمام الصحفي الماما كافيا بلغته(لأن من خلال سلامة لغته يمكنه ان يوصل الفكرة التي يتناولهافي تقريره او خبره او مقال او تعليق وغيره فيفترض ان يعرف المبادئ الأساسية للغة العربية لكي يكون هناك تطابق بين المعنى والمبنى..

انتماء شكلي

بين الفكرة والصياغة رغم وجود مصححين لغويين في المؤسسة التي يعمل بها ص23)..ومن باب الحرص والمحبة يحذر الصحفيين وخاصة الشباب منهم من الوقوع في الأخطاء اللغوية والنحوية قائلا(لكل مهنة اخطاؤها وبخلاف المهن الأخرى تعد الأخطاء في الصحافة مكشوفة و(مفضوحة) وليس بالإمكان اخفاؤها والتستر عليها ولايمكن تداركها بعد ان تنشر ص39 ).. موضحا انه(ليس الخطأ في اللغة والنحو او في رسم الكلمة فقط فقد تغير علامة من علامات التنقيط او الترقيم المعنى وهذا مايجب ان يكون محل اهتمام الصحفيين الشباب لإن وضع لعلامة في غير موضعها الصحيح يغير المعنى ويأتي بنتائج عكسية ص41 ).. اما عن الصحافة ذاتها فما الذي يمكننا ان نقوله حين نتحدث او نكتب عنها..عن ماهيتها ودورها واهدافها وهي صاحبة الجلالة والسلطة الرابعة ومهنة البحث عن المتاعب ..ومع ذلك فأن الباحثين عن المتاعب مثل كاتبنا الكبير لا يتورعون عن الخوض في لجة بحرها العميق غير ابهين بالمخاطر التي يمكن ان تواجههم والعراقيل التي تقف لهم بالمرصاد..يعرف الكاتب طالب سعدون الصحافة بانها(سلطة معنوية تأخذ مهمتها من تأثيرها في الشعب وفي تشكيل وتوجيه الرأي العام بما يخدم الوطن والمواطن ص ..(185

كما أنها(مهنة قد يراها البعض سهلة واخر شهرة وثالث مجرد انتماء شكلي وهوية نقابية لكنها كانت وستظل مهنة المتاعب،ولك أن تقدرقيمتها انها في طليعة من يشكل الرأي العام وتقوم بدور المعارضة في حالة غياب المعارضة البرلمانية والسياسية وتمثل نبض الشارع،وقد تقوم بدور وطني أو سياسي أو تعبوي او تنويري تعجز عنه أحزاب او جمعيات او منظمات  ص..(21ولأنها غير مر تبطة بسقف زمني محدد فأنها(لا ترتبط بعمر ولا تعرف التقاعد ولا الراحة او وقتا محددا للعمل ولا تؤمن بالإعتزال وكلما تقدم العمر بالصحفي والكاتب زادت خبرته وارتفعت كفاءته..ص202)..ومن بين الألقاب التي أطلقت عليها بسبب ماتقوم به من دور مميز وماتؤديه من واجب يتعدى حدود الزمان والمكان انها(السلطة الرابعة) الى جانب السلطات الثلاث في ا لأنظمة الديمقراطية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بأعتبار ان عملها هو مراقبة تلك السلطات إن لم تتفوق عليها جميعا في بعض الحالات.. ويشير الكاتب الى ذلك في الصفحة 29تحت عنون (سلطة الكلمة دائمة) (ان دور الصحافة مستمر ومسؤوليتها في تزايد ولاترتبط بزمن معين تنتهي به سلطتها المعنوية في المجتمع اوتنحصر في حدود جغرافية بل هي سلطة عابرة للحدود.. لن تنقطع ولاتخضع لدورة محددة بتأريخ او انتخابات محددة مثلا. وليس لهاصلة ببقاء حاكم او زواله) ويقدم لنا الكاتب معلومة تأريخية مفيدة في سبب تسمية الصحافة بـ ( السلطة الرابعة) فيقول( يعود الفضل في استخدام مفهوم السلطة الرابعة الى  (ادموند بيرك) الفيسلوف والمفكر السياسي الآيرلندي (المتــــــــــــــــوفي عام 1797 عندما قارن بين اهمية الصحافة والحكومة التي كانت تتكون انذاك من ثلاثة احزاب او طبقات والصحافة التي عدها الحزب الرابع عندما قال (ان المراسلين الصحفيين هم الحزب الرابع (اي السلطة الرابعة) الأكثر تأثيرا من كافة الأحزاب الأخرى )(والصحافة بهذا التوصيف تتمتع بسلطة معنوية كبيرة وتقوم بدور الرقابة الشعبية شرط ان تلتزم باداب المهنة والتحري عن كل ما يخدم المصلحة العامة ص34/35 )ان الصحافة قوية لانها صوت الشعب والمتحدث بأسمه لكنها وبحسب مايقوله الكاتب (لابد ان تستمد قوتها ليس من الشعب فقط وانما من الحكومة ايضا لأنها الواسطة بين الإثنين اوكما يصفها البعض انها تمثل الشعب لدى الحكومة والحكومة لدى الشعب والأمم مع بعضها ومن حق الشعب ان يعرف الحقيقة كاملة من خلال الإعلام ويطلع على الرأي والرأي الاخر بكل مهنية واحترام ويترك الحكم للمتلقي وذلك هو هدف الصحافة ان تخدم الوطن والمواطن وتحاكي الواقع وتفضح كل مظاهر الخلل والفساد فيه وتنوير الشعب بالحقائق ص36 ) وتحت عنوان (الكتابة الصحفية فن ومسؤولية)يتحدث لنا الكاتب عن ماهية تلك الكتابة ودورها في الرقابة والتوجيه قائلا(قبل أن تكون الكتابة الصحفية فنا فهي مسؤولية كبيرة وواجب وطني مشرف خاصة عندما ينذر الكاتب قلمه لخدمة قضايا وطنية وتمتد مسؤوليته المهنية والانسانية الى ما هو أبعد من حدود بلاده الجغرافية والوقوف مع قضايا الأنسان العادلة في أي بقعة يتعرض فيها الى الظلم والقهر والمعاناة..والكتابة بكل فنونها ليست في القدرة على. التعبير فقط بل هي قبل ذلك احساس وشعور صادق وتعبير عن معنى ومضمون ووسيلة لهدف يلامس في النهاية حاجة المتلقي والمساهمة في تغيير ما يراه الكاتب يؤثر على الوطن والمواطن سلبا أو يهضم حقا من حقوقهما ويقترح البديل الذي يراه يؤمن ذلك الحق..وبذلك تكون الكتابة الصحفية بأنواعها مراة صافية تعكس بدقة ما يدور في المجتمع في كل المجالات وتظهر في الوقت نفسه مستوى العلاقة مع المتلقي عندما يجد نفسه في ما يقرأص119/120 ).. ولأن الصحافة هي سلاح شديد التأثير بيد المجتمع فستكون لا قيمة(للكتابة الصحفية ان لم يقترب بها الكاتب من هموم الناس ويستقي أفكاره من معين الواقع الذي يعيش وسطه وليس عبر وسيط.. اي انه يحس بألم وأمل الناس ومعاناتهم بجميع اطيافهم ويسهم بعلاجهاص..(47لقد مرت الصحافة عبر مسيرتهاالطويلة بتحولات عديدة نتيجةلأسباب كثيرة أبرزها التطور العلمي والتقني الذي حصل في شتى جوانب ومفاصل الحياة مما انعكس بقوة على الصحافة التي اتخذت الان اسماء وعناوين عديدة بعد ان كانت صحافة عامة شاملة منها الصحافة المتخصصة والصحافة الأستقصائية وغيرها. .عن الصحافة المتخصصة وسبب تسميتها بهذا ا لأسم يقول الكاتب(انها صحافة متخصصة لأنها تخاطب جماعة معينة أو جمهورا بعينه بصفات مشتركة ونمط ثقافي معين وتهتم بمواضيع محددة ص.(169 أما السبب في ظهورها فيرى أن السبب في ذلك هو(التوسع الهائل في وسائل الأعلام المختلفة ومنافستها الشديدة للصحافة التقليدية وكما ظهرت في الطب والهندسة والعلوم الطبيعية والأجتماعية والفنون والاداب وغيرها تخصصات ظهرت في الصحافة صحافة التخصص وهي تخاطب جمهورا معينا لتواكب العصر اولا وتكون لها القدرة على أن تواجه التحدي التنافسي الذي فرضته تلك الوسائل وتسد حاجة القارئ المعرفية والأجتماعية في الوقت ذاته ص (169 ومن أجل ذلك فقد(ظهرت الصحافة الرياضية. والأدبية والفنية والعسكرية والعلمية والطبية والسياحية والاثارية والحوادث والمرور والمرأة والأسرة والشباب والأطفال والعمال والفلاحين والطلبة والمحامين وصحف الأحزاب والأتحادات والجمعيات والنوادي والبرلمانات والدبلوماسية وصحف التسلية والترفيه والهوايات كالخيول والطيران وغيرها الكثير ص..(170ويرى الكاتب في نفس الصفحة ان هناك قواسم مشتركة تجمع بين الصحافة الأم والصحافة المتخصصة حيث يقول(تشترك الصحافة المتخصصة مع الصحافة العامة في سمات مشتركة وأخرى خاصة بها بسبب طبيعة المادة والفئة والجمهور وخصوصيتها تتطلب الوضوح وعرض الأرقام والمعلومات وكل ما يتصل بها بطريقة يستطيع أن يفهمها الجمهور الذي تخاطبه وتحقق الفائدة والهدف من النشر..)..أن التخصص في الصحافة وفي غيرها أصبح حقيقة شاخصة ولكن لا بد من انشاء مراكز بحثية مهمتها تعميق الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي والأقتصادي وفي مختلف الإتجاهات للأرتقاء بالمجتمع وتنمية قدراته وتفجير طاقاته الكامنة وهو ما دفع بالكاتب الى ان يؤكد (أننا نفتقر في العراق الى مثل تلك المراكز والدراسات وأصبح من الضرورة بمكان انشاءمركز يعنى بالدراسات المتخصصة والأستراتيجية لأن المشاكل والتحديات التي تواجه البلاد اليوم بحاجة الى أفكار ورؤى العلماء والأساتذة والمفكرين والباحثين وأن لا يقتصرالأمر على الأخبار والكتابات الانية والتعليقات و التحليلات الظرفية..ولا بد من التأكيد على هذا الموضوع بأستمرار كونه مهمة وطنية قبل أن يكون حاجة صحفية ص172/171).. أما بالنسبة للصحافة الأستقصائية التي هي احدى افرازات الصحافة العامة فيصفها الكاتب بأنها(صحافة العمق أو صحافة التغييرلأنها تغوص في أعماق الظواهر المختلفة والمشاكل التي يعاني منها المجتمع واجلاء حقيقتها كما هي بدون تضخيم أو تصغير أو تهوين من خلال الأستبيان وتتبع المعلومات بمختلف مصادرها رغم المخاطر التي تواجـــــه الصحفي ص(113..

علم الاستقصاء

 ويتابع قائلا في الصــــــــــفحة  (107 ان الأستقصاء علم قائم بذاته داخل مدرسة الصحافة الواسعة..واذا كان التقصي من بين معانيه اللغوية التتبع فليس كل خبر تابعه الصحفي يمكن أن يكون في الصحافة الأستقصائية، أما ألأستقصاء الصحفي فهو البحث والتحري وتتبع المعلومة التي حصل عليها الصحفي من خبر أو مصدرغير معلن او تسريبات والتأكد منها ومن دوافعها والغوص وراءماهو غير ظاهر منها سواء اختفى عمدا أو عرضا لكشفها خدمة للصالح العام بعيدا عن أي غرض او مصلحة شخصية او نوايا مبيتة لكي تحضى بالمتابعة والأستحسان من المتلقي..واذا كان نقل الخبر الصحفي يفرض الحيادية فأن نشر نتائج الموضوع الأستقصائي يعني في النهاية الانحياز الى جانب الحقيقة التي توصل اليها في التحقيق بعدالة وموضـــــوعية (107بعد ما قدمناه عن الصحفي ص.. والصحافة نأتي الان الى الصحيفة التي أشتق منها أسم الصحافة..ما هي الصحيفة وما هي مهمتها؟ذلك هو ما يجيب عليه بالقول ان الصحيفة(ليست مشروعا شخصيا وان كانت بتمويل ذاتي من فرد او جماعة بقدر ما هي خدمة عامة تنتفي فيها الأمور الخاصة والمطامع المادية  امام مصلحة المجتمع،وليس من حق المالك أن يستأثر بها خارج حدود المهمة،على حساب المالك المعنوي لها وهو المجتمع..منوها أن للصحيفة دور مؤثر في تطور الوعي السياسي وتبصيرالجماهير بحقوقها..ص (181 ولأن الصحيفة (أي صحيفة)يجب أن تتمتع بالمصداقية والشفافية أمام قرائها فأن(أخطر شيء(عليها) هو ان يصبح ما تنشره موضع شك أو يكون مبرر وجودها الربح أو الدعاية وعندها تكون (الأعلانات هي الحقائق الوحيدة التي يمكن التعويل عليها في الصحيفة على حد ما قاله ساخرا الرئيس الأمريكي الثالث توماس جيفرسون. .ص..(90 وبحسب رأي الكاتب فأن على الصحيفة أن تكون محايدة بأعتبار أن(غياب الحيادية يفقد الصحيفة مهمتها الرقابية ودورها الذي يمكن تشبيهه بدور المفتش العام لأداء المؤسسات ومساعدة الأجهزة الرقابية في كشف الخلل والفساد والتجاوز على القانون..ص ..(91أن الأفكار والاراء والمقالات التي تنشر في الصحيفة ستتحول بمرور الزمن الى مادة مهمة يمكن الرجوع اليها واعتبارها مصدرا ينبغي الأستفادة منه ..عن هذا يقول الكاتب في المقال المعنون(الصحيفة وثيقة تأريخية)(أن الصحيفة مراة عاكسة لظرفها ووثيقة تأريخية مهمة عن طبيعة المرحلة وتفاعلاتها،ويصبح الصحفي شاهدا على مرحلته وما يعتريها من نجاح او فشل وليس اخطر واصدق من كلمة مكتوبة. يتابعها القارئ في وقتها لمصداقيتها وستكون في المستقبل وثيقة على مدى الدهر يعود لها الباحث ليعرف طبيعة المرحلة التي كتبت فيها.وهذه العلاقة بين الصحافة والتاريخ جعلت الصحيفة وثيقة مهمة لأن ماينشر فيها من اخبار وتقارير ومعلومات تصبح فيما بعد وثيقة يرجع اليها الدارسون للمرحلة واعطت للصحفي مساهمة كبيرة ودورا. واضحا في كتابة التــــــــأريخ…ص195/.(197  بعد هذا لابد لنا ان نتحدث عن المقال الصحفي الذي هو احد الملامح الرئيسية في الصحافة والصحيفة بأعتباره احد ادواتها القيمة التي تعبر فيها ليس فقط عن وجهة نظرها فيما يدور من احداث وطنية وقومية وعالمية وانما عن اشواق الجماهير التي تنظر في كثير من الاحيان الي الصحافة على انها المعبر عن تطلعاتها وتوجهاتها ..ان المقال الصحفي كما يقول الكاتب في الصفحة .(143

 هو فن من الفنون التحريرية الرائدة وقد اكتسبت صحافة الرأي هذا الأسم من خلال المقالات التي كانت تحتل الصفحات الاولى فيها لكن المقال تراجع بعد انطلاق صحافة الخبر الى الصفحات الداخلية واحتل الخبر مكانة مهمة في الصفحة الاولى …واذا كان المقال الصحفي بانواعه يساعد الصحيفة في اداء مهمتها التوجيهية والتنويرية والتثقيفية والمساهمة في تشكيل الرأي العام فأنه في الوقت نفسه يحفز القارئ على التفكير والتأمل في الحدث وبلورة رأي تجاه مايعرضه الكاتب) ..ويضيف ( ان المقال الصحفي عدا الأفتتاحي ليس بالضرورة ان يعبر عن راي الصحيفة وانما عن رؤية الكاتب الذي قد يختلف مع رأي الصحيفة وتنشره عملا بحرية الرأي لكنه بالنتيجة يساهم بالدور التوجيهي والتثقيفي وتحريك الراي العــــــــــام …ص 144 وينبه الكاتب على ضرورة ان يكون المقال مختصرا ومركزا لأن القارئ ربما يعرض عن المقالات الطويلة التي تبعث على الملل وهو في هذا يقول في الصفحة 145(ينبغي ان يحرص الكاتب الصحفي على ايصال فكرته اليه(الى القارئ) من خلال الإختصار وهو فن العصر ويمنح المقالة فرصة القراءة والتأثير ) ويستطرد مؤكدا ان هناك قاعدة مهنية في كتابة المقال الصحفي عموما شبهها اكاديميون بالرسم الهندسي للمثلث…قمته الفكرة وقاعدته الأولى الأسلوب والثانية المصدر والمعلومات واي خلل في الإسلوب كالإطالة والتكرار يفقد المثلث شكله الهندسي الصحيح وبالتالي يفقد المقال قيمته وهدفه.. ص.(153/152

الخبر الصحفي

ويستكمل الكاتب الكببر رؤيته الصحفية بالقاء الضوء على (الخبر الصحفي) بشتى أسمائه لكونه أحد الأعمدة الرئيسية في الصحيفة لما له من وقع نفسي وتأثير كبير على الرأي العام فيقول تحت عنوان(صناعة الخبر)..(ان صناعة الخبر كأي صناعة أخرى تمر بمراحل مختلفة لكي تصل الى. المتلقي،وتظهر فيها لمسات الصانع وابداعه وشخصيته..والصحفي نفسه هو من يجعل هذه الصناعة متميزة في التنافس ولها سوق كبيرة وطلب متزايد ..ومن المعروف ان المهمة الأولى لأي وسيلة اعلامية موضوعية هي نقل الخبر وتفاصيله بصورة حقيقية وواضحة للرأي العام ومستوف لكامل شروطه على خلاف الوسيلة الأعلامية الدعائية التي تهدف الى التضليل من خلال تضخيم الحدث أو تصغيره أو التعتيم عليه أو حتى فبركة خبر لهدف معين. وصناعة الخبر ليس في نقله او عندما ترسله جهة معينة للوسيلة الأعلامية أو وصف لحادث ينتظره الناس أو يتطلعون لسماعه فقط بل في الجانب الذاتي للصحفي ودوره في صناعة الخبر..ص..(101 ويمضي الى القول في الصفحة .(103ان صناعة الخبر كأي فن من فنون الصحافة ينبغي أن تكون محكومة باخلاقيات الصحافة التي تفرض الألتزام والصدق والأمانة والدقة والموضوعية وفي الأبتعاد عن الشخصنة والأمور الذاتية وكل ما هويسيء الى استخدام سلطة الصحافة ولا يمت الى الحقيقة بصلة..وفي النهاية فأن غاية الصحفي في صناعة الخبر ليس مجرد النقل أو كتابة قصةأخبارية تظهر فيها مواهبه وقدراته وابداعاته وانما في خدمة المجتمع وتطوره وتحقيق مصالحه العليا ومعالجة ما يعاني منه في لحظته..) وبما ان للأعلام بوسائله المتعددة مكانة عالية لدى الرأي العام الذي يرى فيه نافذة حرة للتعبير عن الرأي بحرية وصراحة ووسيلة جريئة وفعالة زاخرة بالمعلومات والأخبار والتقارير التي يستطيع من خلالها المواطن أن يعرف ما يجري في السر والعلن داخل أروقة ومؤسسات الدولة وفي المجتمع من حركة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها فـأن الكاتب لا بد له من ان يعرج على هذا الموضوع الحيوي ليقول رأيه فيه..ففي الصفحة 189وتحت عنوان (الأعلام علم وفن ومن سمات التطور) يري أن الأعلام(يعكس مستوى تطور المجتمع وطبيعة العلاقة بين السلطة والشعب ودرجة الحرية ومدى قدرة السلطة الرابعة في التعبير عما يعاني منه الشعب أو يطمح اليه بحرية دون قيود عدا شروط وأخلاقيات المهنة ومواثيق الشرف الأعلامية التي لا تتعارض مع تلك المهمة ومهمة الأعلام في صناعة وتشكيل الرأي العام من خلال الأتصال والعلاقات العامة والحوار وتبادل المعارف والمعلومات جعلت منه علما وفنا في ان معا وهو قابل للتطور بأستمرار..ص..(189 وعن التطور المذهل الذي طرأ على الأعلام وتأثير ذلك على المجتمع والحكومات يقول في الصفحة (190/191) وقد جعل التطور الأعلامي العالم (بمثابة متلق واحد) ينفعل ويتفاعل بالأحداث نفسها وتحركه الرغبات ذاتها وقد فرض تطور الأعلام على. الحكومات أن تعتمد الشفافية والوضوح اذا ما ارادت أن تكسب ثقة المواطن ورضاه عن أدائها وفقدت السلطات سيطرتها الأعلامية على حدودها الجغرافية لوحدها وأصبح من العسير(تزيين الحاكم والحكومة) خلافا لصورتهما وانجازاتهما الحقيقية او عندما يتخلى الأعلام عن مهمته الأساسية في ابراز الحقيقة ويقوم بممارسة الدعاية او التضليل او التسريب لتبرير اجراءات معينة او التثقيف باتجاهها او النقل غير الأمين للتصريحات او تقديم صورة مغايرة للواقع او التاثير على معنويات الشعب من خلال الكذب او التزوير. ان تطور الاعلام مثلما خلق وعيا شعبيا عاما جعل المتلقي ناقدا لما يستقبله من مواضيع خاصة مايتعلق بحياته وفرض على الاعلامي ان يكون بمستوى هذا التطور لكي يضمن له مساحة في وقت المتلقي عندما يتصفح وسائل الاعلام ومااكثرها اليوم وبخلافه لاقيمة لما يكتبه ص  (191/190مختتما ذلك بالقول في ص (192 في كل الأحوال يبقى الأعلام هو السلطة المعنوية الأقوى لما يمتلكه من تأثير ودور في صناعة الراي العام والتأثير فيه..) ان مهمة الاعلام الاولى الى جانب مهام ومسؤوليات كثيرة هي ممارسة دوره الرقابي ونقد الواقع والدفاع عن حقوق الانسان وكشف الفساد والتصدي للمفسدين ومن اجل ان يقوم الاعلام بدوره (ينبغي توفير المعلومة الدقيقة للصحفي والشفافية العالية وان تكون حرة من كل التزام عدا مصلحة الوطن والمواطن ودون تأثيرات حزبية اومالية او تمويلية مع ضرورة الإشارة والإشادة بالوسائل الاعلامية بمختلف تخصصاتها ممن كانت لها مساهمات واضحة في هذا المجال وفضح الفساد والمفسدين وفي محاربة الارهاب والارهابيين وتعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والتوعية بالمشتركات والثوابت الوطنية وتلك هي رسالة الاعلام وذلك هو دور الصحفي في هذه المرحلة ص134) ان كتاب(عنوان صحفي يكفي) كتاب فريد من نوعه زاخر بالمعلومات المتعلقة بمختلف أوجه العمل الصحفي والأعلامي التي لا غنى عنها لكل صحفي وأعلامي وخاصة الشباب منهم ولهذا فأننا نتمنى على نقابة الصحفيين العراقيين وهي نقابة ملتزمة بالأبداع وتسعى للأرتقاء بمستوى صحفييها واعلامييها أن تشير على أعضائها بضرورة اقتنائه واعتباره مصدرا مهما من مصادر العمل الصحفي ولا سيما بالنسبة للمتدربين منهم للأستفادة مما جاء فيه والأطلاع على تجربة مؤلفه في مجال الصحافة والأعلام التي امتدت لأكثر من أربعة عقود مارس خلالها عمله الصحفي والأعلامي بشتى عناوينه ومختلف مواقعه كان فيها مثالا نادرا للأبداع والأخلاص المهني..ولقد اوضحنا منذ البداية أننا سنركز في قرائتنا على أبرز ما تضمنه الكتاب تاركين للقارئ الكريم متعة استكشافه والسفر في ابعاده الجميلة المتعددة الجوانب..ولقد وجدنا أن افضل ما نختتم به هذه القراءة هو ما كتبه الكاتب اللامع والصحفي الكببر الأستاذ الدكتور احمد عبد المجيد في مقدمته للكتاب حيث قال(ثمة مزايا عدة يتسم بها هذا الكتاب الذي لا انوي عرض محتواه بمقدار ما يهمني استخلاص مؤشرات تقويمية ،منه اولى تلك المزايا ،وحدة موضوعه وتسلسله المنطقي مما يعكس مستوى المؤلف العلمي الرفيع،و ثانية المزايا التي وجدتها ماثلة هي تناسب الفن الصحفي الذي عرض من خلاله ،قراءاته و لقاءاته وحواراته و مسار تجربته الصحفية انه يملك اسلوبا خاصا به ،وقد قال الناقد الفرنسي (سانت بوف) ان (الاسلوب هو الرجل) اي انه يعكس هويته وتوجهاته الفكرية و كثيرا من قناعاته ،الظاهر منها و الباطن. ولعل الاهم من كل ماسبق هو ان طالب سعدون لم يمارس)(سلطة) نرجسية مثلما.

قد يمارسها بعض المتحذلقين فيتوهمون بأن تجاربهم التي تنطوي على كثير من التواضع والسطحية هي عناوين ساطعة لاتجارى، بل ان مؤلف الكتاب كما عرفناه وكما قدم نصائحه العابرة والشاخصة والماثلة في متن الصفحات هو صحفي يتسم بكثير من التواضع والجدية ،وانه من النوع الذي يقدم الخدمة الي الناس علي طبق من ذهب مأخوذا بهاجس اخلاقي مؤداه القول المأثور)(خير الناس من نفع الناس) وان مايرضي الناس يرضي الله، وان (الكلمة الطيبة صدقة ) واذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه او كما يقول النقاد البنيويون العنوان ثريا النص فأن عنوان الكتاب موضع التقديم هذا يومئ الى القيمة العليا التي يحظى بها الصحفي بعنوانه وينفرد بها عن سواه من العناوين والمهن الاخرى. فقد ظل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يقدم نفسه الى الناس(صحافي) في بطاقة التعارف وليس التعريف)(لان المعروف لا يعرف) دلالة على عمق احترامه لهذه المهنة والعنوان المصاغ من مفردة الصحافة مع انه تولى مناصب رفيعة خلال رحلته الطويلة :كان رئيسا للتحرير وكان رئيسا لمجلس الادارة في رابع الاهرام المصرية جريدة (الاهرام) ثم وزيرا للإعلام والاقرب جدا من مركز القرار ايام الرئيس جــــــمال عبد الناصر وكبير خبراء في مؤسســـــات ودور نشر عالمية الإ انه ظل(صحفيا) وعنوان صحفي يكفي..).

{ عنوان الكتاب (عنوان صحفي يكفي)

المؤلف: طالب سعدون

سنة الطبع: 2017

مطبعة دار الشـباب /بغداد

  صفحة من القطع المتوسط.216

مشاركة