الضربات الأميركية والمأساة السورية

239

 

 

رافد جبوري – واشنطن

بعد‭ ‬ايام‭ ‬من‭ ‬التوقعات‭ ‬والترقب‭ ‬جاءت‭ ‬الضربات‭ ‬الاميركية‭ ‬التي‭ ‬توعد‭ ‬بها‭ ‬ترامب‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬بعد‭ ‬الهجوم‭ ‬بالاسلحة‭ ‬الكيمياوية‭ ‬على‭ ‬بلدة‭ ‬دوما‭ ‬قرب‭ ‬دمشق‭. ‬الضربات‭ ‬كانت‭ ‬محدودة,‭ ‬هجمات‭ ‬جوية‭ ‬وصاروخية‭ ‬استغرقت‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬واستهدفت‭ ‬ثلاث‭ ‬منشات‭ ‬لتصنيع‭ ‬وخزن‭ ‬الاسلحة‭ ‬الكيمياوية‭. ‬اما‭ ‬ردور‭ ‬الفعل‭ ‬التي‭ ‬اثارتها‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مبالغا‭ ‬بها‭. ‬لكن‭ ‬المبالغة‭ ‬كانت‭ ‬غالبا‭ ‬لاسباب‭ ‬وحسابات‭ ‬تخص‭ ‬القوى‭ ‬والاطراف‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عنها‭ ‬تلك‭ ‬المواقف‭.‬

المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬عموما‭ ‬احتفت‭ ‬بالقصف‭ ‬الاميركي,‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬معضدا‭ ‬بمشاركة‭ ‬بريطانية‭ ‬وفرنسية‭.‬هذا‭ ‬القصف‭ ‬ياتي‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬قصف‭ ‬مطار‭ ‬الشعيرات‭ ‬الذي‭ ‬امر‭ ‬به‭ ‬ترامب‭ ‬بعد‭ ‬قصف‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬لبلدة‭ ‬خان‭ ‬شيخون‭ ‬بالاسلحة‭ ‬الكيمياوية‭. ‬لم‭ ‬يوثر‭ ‬ذلك‭ ‬القصف‭ ‬على‭ ‬الامكانيات‭ ‬العسكرية‭ ‬للنظام‭ ‬السوري‭ ‬الذي‭ ‬استطاع‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين,‭ ‬وبدعم‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وايران‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬والمجاميع‭ ‬المسلحة‭ ‬الشيعية‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يستعيد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الارض‭ ‬التي‭ ‬خسرها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭. ‬لكن‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬تعول‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬يمتد‭ ‬قصف‭ ‬ترامب‭ ‬ليضعف‭ ‬النظام,وتشارك‭ ‬ترامب‭ ‬اتهاماته‭ ‬لاوباما‭ ‬بالتسبب‭ ‬بتقوية‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الاسد‭ ‬ونظامه‭ ‬لانه‭ ‬لم‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬الازمة‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭. ‬ترامب‭ ‬يحقق‭ ‬غرضا‭ ‬سياسيا‭ ‬مهما‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬اضهار‭ ‬قوته‭ ‬والتزامه‭ ‬بتعهداته‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬اوباما‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬ان‭ ‬استخدام‭ ‬الاسلحة‭ ‬الكيمياوية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬خط‭ ‬احمر‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتدخل‭ ‬عسكريا‭ ‬بعد‭ ‬استخدام‭ ‬النظام‭ ‬لتلك‭ ‬الاسلحة‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬لكن‭ ‬ترامب‭ ‬لايريد‭ ‬ان‭ ‬يفعل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.  ‬اما‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬قتحاول‭ ‬التشبث‭ ‬بامل‭ ‬ان‭ ‬يغير‭ ‬الاميركيون‭ ‬مسار‭ ‬النزاع‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بالسير‭ ‬نحو‭ ‬نهايته‭ ‬مع‭ ‬التوافق‭ ‬التركي‭ ‬الروسي‭ ‬الايراني‭ ‬الذي‭ ‬يكرس‭ ‬بقاء‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬وحصول‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬ومساحات‭ ‬نفوذ‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬

القصف‭ ‬الجوي‭ ‬الاخير‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الاميركية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬هو‭ ‬العنوان‭ ‬الوحيد‭ ‬لتكل‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬على‭ ‬الارض‭ ‬ترى‭ ‬هذا‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬شرق‭ ‬الفرات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية‭ ‬حيث‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬قوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الاكراد‭ ‬السوريون‭ ‬وتضم‭ ‬عشائر‭ ‬عربية‭ ‬وتحظى‭ ‬بدعم‭ ‬واسناد‭ ‬اميركي‭ ‬مباشر‭. ‬لكن‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬للانتقاد‭ ‬في‭ ‬اميركا‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سوريا,‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬ينسحب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬تماما‭ ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬القاه‭ ‬لاعلان‭ ‬انطلاق‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭. ‬

انتهت‭ ‬الضربة‭ ‬على‭ ‬اية‭ ‬حال‭ ‬بمحدوديتها‭. ‬انقسم‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬على‭ ‬العموم‭ ‬طائفيا‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬فعله‭. ‬فقد‭ ‬ايدت‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬ولي‭ ‬عهدها‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬استعدادها‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الضربات‭ ‬قبل‭ ‬حدوثها‭ ‬وهو‭ ‬امر‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬لكنه‭ ‬سجل‭ ‬موقفا‭. ‬وبينما‭ ‬يعاني‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬الويلات‭ ‬التي‭ ‬تلوم‭ ‬غالبيته‭ ‬السنية‭ ‬النظام‭ ‬وايران‭ ‬وروسيا‭ ‬عليها‭ ‬يستمر‭ ‬التفاف‭ ‬الاقليات‭ ‬حول‭ ‬النظام,  ‬احتفت‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬بالضريات‭ ‬كما‭ ‬تقدم‭. ‬اما‭ ‬ايران‭ ‬فادانت‭ ‬الضربات‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬رددت‭ ‬اطراف‭ ‬شيعية‭ ‬دعوات‭ ‬البرد‭ ‬والسلام‭ ‬علي‭ ‬سوريا‭.‬‭ ‬حتى‭ ‬زعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬لاستقالة‭ ‬الاسد‭ ‬وابدى‭ ‬تفهما‭ ‬لقضية‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬السنية, دعا‭ ‬اتباعه‭ ‬للتظاهر‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬بالعدوان‭ ‬على‭ ‬سوريا‭ ‬ورفع‭ ‬اعلام‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وهي‭ ‬اعلام‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭  ‬وهذا‭ ‬ماحصل‭. ‬

النظام‭ ‬السوري‭ ‬اطلق‭ ‬على‭ ‬الضربات‭ ‬اسم‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬مستعيرا‭ ‬عنوانا‭ ‬فخما‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭. ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬هو‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬اطلقه‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬واسرائيل‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬بزعامة‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بعد‭ ‬تاميمه‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬عام‭ ‬ستة‭ ‬وخمسين‭ ‬وكرست‭ ‬نتائجها‭ ‬صعود‭ ‬زعامة‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وتيار‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ابدت‭ ‬تيارات‭ ‬قومية‭ ‬عربية‭ ‬تاييدها‭ ‬لنظام‭ ‬الاسد‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬الاخيرة‭. ‬رغم‭ ‬انخفاض‭ ‬التاييد‭ ‬الشعبي‭ ‬لتلك‭ ‬التيارات‭ ‬واختلالها‭ ‬احيانا‭ ‬على‭ ‬اسس‭ ‬طائفية‭ ‬فهي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تتمتع‭ ‬بحضور‭ ‬اعلامي‭. ‬

انتهت‭ ‬الضربات‭ ‬اذن‭ ‬مع‭ ‬ارسال‭ ‬اميركا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة,‭ ‬لن‭ ‬يتم‭ ‬التسامح‭ ‬ابدا‭ ‬مع‭ ‬استخدام‭ ‬الاسلحة‭ ‬الكيمياوية‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تستمر‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬نفيها‭ ‬حصول‭ ‬اي‭ ‬هجوم‭ ‬بالاسلحة‭ ‬الكيماوية‭ ‬وبترديد‭ ‬نظريات‭ ‬موامرة‭ ‬تتهم‭ ‬احداها‭ ‬بريطانيا‭ ‬بفبركة‭ ‬الهجوم‭. ‬انتهت‭ ‬الضربات‭ ‬مع‭ ‬استعراض‭ ‬لعمق‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬والطائفية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬اما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنظام‭ ‬السوري‭ ‬فلم‭ ‬تقتله‭ ‬هذه‭ ‬الضربة,‭ ‬بل‭ ‬لعلها‭ ‬جعلته‭ ‬اقوى‭ ‬واقرب‭ ‬لداعميه‭ ‬الروس‭ ‬والايرانيين‭ ‬الذي‭ ‬بفضلهم‭ ‬وباستخدام‭ ‬الاسلحة‭ ‬التقليدية‭ ‬لا‭ ‬الكيماوية‭ ‬يستمر‭ ‬بالتقدم‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬الارض‭ ‬فارضا‭ ‬وجوده‭ ‬امرا‭ ‬واقعا‭ ‬على‭ ‬بلد‭ ‬يعمه‭ ‬الخراب‭ ‬والتقسيم‭ ‬والنفوذ‭ ‬الاجنبي‭.‬

مشاركة