الإعلام وتنشئة الفرد
(شعبٌ بلا صحيفةٌ … انسانٌ بلا لسان) ، هذه المقولة التي ظل يرددها الاستاذ حسين شريف ــ كاتب وصحافي سوداني ــ حتي صدرت أول صحيفة وطنية في الســـودان عام 1919 تعبر عن تطلعات الجمهور اسمها ((حضارة السودان)) ومما لاشكّ فيه انها مقولة غاية في واقعيتها، فالصحافة كوسيلة إعلامية تؤدي دوراً مهما في بناء الفرد والمجتمع ،كونها نتاجٌ حضاري يمزج الأصالة بالمعاصرة فتؤثرفي حيـــــــاة الشعوب سلبا او ايجـابا لطالـما اعتـبرنا الكلمة سلاحــــــــا ذا حدين …
فمتي مــا اُحسـن إستخدامه كان خير وسيلة لتوجيه السلوك العـــــام نحو الافضل ، ليجـد افـراد المجتــمع فيها ينبوعا من الإرشاد والتوعية لتنشئة الاُسر وتحقيق إنتماء الاشخاص الي بيئتهم ، وإلا … فليس هنــــــــاك ماهو أشدُ وطأة ًعلي الفكـر والثقافة والحيـــاة الاجتماعية بشكل عـــام من سوء توظيف الكلمة وإستخدامها في تصوير الحياة علي غير حقيقتها ، لا سيما في مجتمعنا العراقي الذي يتلقي جرعــــات يومية من الخطاب المتشنج عبر وســـــائل الصحافـة والاعــــلام المتناحرة أو الموجهة ضد التجربة الديمقراطية الوليدة ، ناسيةً او متناسيةً رسالتها الانسانية في الأخذ بأسباب النهوض الفكري للمجتمع .
يبدو لي انّ وسائل الصحافة والاعلام العراقية شهدت بعد حوادث عام 2003م تحولاً في خط سيرها خصوصاً بعد انفتاحنا علي الحداثة العالمية وتقدم وسائل الاتصال الجماهيري .
فقد خرجت من حالة الترف والكمال التي أراد لها النظام البائد لتمتعه بكل فضائلها وتغطي علي ممارساته المقيتة ضد أبناء الشعب ، لتدخل في حالة من التوسع العشوائي ولا نستثني .. من ذلك صحفاً ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية ومواقع الكترونية ــ إلا مارحم ربي ــ ، وعلي ارجح الظن انّ هذا التوسع لايؤشر حــالةً صحيةً بقدر ماهو ترهل في الجسد الاعلامي الذي إقتصرت وسائله علي نقـــــــل المعلومة للمتلقي والبحث عن الإثــــــارة المجردة أو المغرضة من خلال التغطية اليومية لمستجدات الاحداث السياسية والإمنية والإقتصادية وغيرها .
إنّ الإعلام الحقيـــقي لاينحصر دوره في المـزاولــة التقليدية لهذه المهنة الرســالية بالأخــص في مجتــــــمع تغلب علي مكونـــاته الميـول والتوجهات المتناقضة …
يقول د . خالد الحروب ــ صحافي فلسطيني ، ومدير مشروع الاعلام العربي بجامعة كامبريدج ــ : إنّ الإعــلام عملية تعـريفـيــة سياسية إجتماعية ثقـافيــــة متداخـــلة ، تؤثــر فـــــــــي خلـق وتكويـن صورة المشهد العام المسيطر علي مجتمعٍ مــا.
إنّ مايذهب إليه الحروب يؤكد الضرورة الملحّــةالي التعجيل بإنتقال وسائل الصحافة والاعلام في العراق من مرحــلة الكــم الي مرحلة الكيف ، وهذا يتطلب وجــــود صـحافي وإعلامي يتمتع بقدرٍ عالٍ من النزاهة والإستقلالية الي جانب إمتلاكه قوة الاقناع والاسلوب المؤثر لخلق حالة من التفاعل بين المتلقي والفعالية الإعلامية ،ليسهم في بناء
مفاهيم الفكر الاجتماعي العام في كل مايتصل بإهتمامات الإنسان وبلورة مواقفه الفردية والجماعية وصياغة الرأي العام لتوجيه خطابٍ إعلاميٍ مؤثر في مراكز صنع القرار بالدولة ، إلي جانب تسليط الضوء علي مشكلات المجتمع وإقتراح أفضل الحلول لها دون الإكتفاء بتوجيه الانتقادات فحسب .
ينبغي للإعلام ان يكون ذا رؤية وثيقة الصلة ببيئته العامة ، لا سيما في ظل ثورة الاتصالات المتقدمة التي جعلت من وسائل الصحافة والاعلام أداةً أكثر فاعليةً من المؤسسات التربوية لما تملكه من قدرة السيطرة علي الافراد وجذبهم والتأثير فيهم وإمكانية تحريك النشاط الإجتماعي لتحويل التطلعات الي واقعٍ عمليٍ حقيقي .
بيد أنّ توثيق العلاقة مع منظمات المجتمع المدني هو ضرورة حتمية لايمكن التغافل عنها ، لانّ دور هذه المنظمات هو مكــمّل لدور الاعلام ولا ينفصل عنه في تربية وتهذيب المجتمع ، وهذا يكون عن طريق استمرارية عقد الندوات وإقامة الورش لتنمية هذه العلاقة الثنائية والخروج بتصورات مشتركة تخدم الصالح العام وتشجع العمل التطوعي وتعمل علي بث نوع من الثقافة القانونية العامة تضمن للمواطنين تعريفهم بحقوقهم وواجباتهم وحرياتهم وآليات ممارستها وحدودها ، وهذا كفيلٌ بإمكانية تحويل المجتمع العراقي من مجتمعٍ متلق جامد الي مجتمعٍ ناقد يبني نفسه بنفسه .
خلاصة القول : أنّ وسائل الصحافة والإعلام أشبه ما تكون بمأدبةٍ يلتقي فيها ابناء المجتمع الواحد علي إختلاف فئاتهم ومشاربهم ، يتعارفون من خلالها علي الاهتمامات الاساسية المشتركة بينهم ثمّ يتشعبون كلٌ إلي ما يهمه ويعنيه من تلك المأدبة اليومية المتجددة وما علي الإعلامي الناجح إلا ان يُـقــدّم لهم طبقهم المفضل بنكهته وذوقه الرفيع ، علي إنني لا اُنكر وجود المنغصات التي تعوق عمل الاعلامي وفي مقدمتها ضعف الغطاء القانوني لتحركاته ، لكنّ هذا لايمنع انه رجل محارب من طراز آخر سلاحه القلم ، وهنا يحلو لي ان اذكر تلك المأثورة الشهيرة التي قالها امبراطور فرنسا الخالد نابليون بونابرت (أنني ارهب صرير الأقلام اكثر مما ارهب دوي المدافع).
إنّ ما تقدم ذكره ليس إلا تعبير عن رأي شخصي لفكرة إنقدحت في ذهني المتضائل ، وللقاريء اللبيب أن يبحث عن حقيقة هذه الفكرة من وجوهٍ اُخري ، فكما يقال أنّ حقيقة الأمور أشبه بالهرم ذي الأوجه المتعددة … فلا يري الإنسان منه إلا وجها واحدا في آنٍ واحد .
احمد شاكر الخطاط
/2/2012 Issue 4128 – Date 21- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4128 – التاريخ 21/2/2012
AZPPPL
























