تخطي الحواجز قبل التحالف التركي اليوناني

762

هارون يحيى – كاتب تركي

عاش‭ ‬الشعبان‭ ‬التركي‭ ‬واليوناني‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬فوق‭ ‬نفس‭ ‬الأرض‭ ‬لقرون‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬فقد‭ ‬اختلطا‭ ‬فيما‭ ‬بينهما‭ ‬وتوثقت‭ ‬علاقاتهما‭ ‬وارتبطا‭ ‬ببعضهما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الروابط‭ ‬الثقافية‭ ‬والتاريخية‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬النتيجة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لهذا‭ ‬التعايش‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬وطيدة‭ ‬وأخوة‭ ‬وصداقة‭ ‬بين‭ ‬الشعبين،‭ ‬وهو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬المشابهة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬سارت‭ ‬الأمور‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬لهذين‭ ‬البلدين‭.‬

يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬مُعمق‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الأسباب‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬الغريبة‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬محددة‭ ‬لم‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الاعتبار‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الصداقة‭ ‬والتحالف‭ ‬كي‭ ‬تضمن‭ ‬خدمة‭ ‬مصالحها‭ ‬وخططها‭. ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬اعتياديًا‭ ‬لهذه‭ ‬الدوائر‭ ‬المُشار‭ ‬إليها‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬وتعيد‭ ‬السيناريوهات‭ ‬الكارثية‭ ‬متى‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬فرصةٌ‭ ‬لظهور‭ ‬صداقة‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭. ‬وقد‭ ‬استغلت‭ ‬نفس‭ ‬الدوائر‭ ‬كل‭ ‬فرصة‭ ‬مواتية‭ ‬لزرع‭ ‬بذور‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬كما‭ ‬افتعلت‭ ‬الأزمات‭ ‬والصراعات‭  ‬لخدمة‭ ‬هذه‭ ‬الغاية،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬دبرت‭ ‬الحيل‭ ‬كي‭ ‬يكون‭ ‬البلدان‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الحرب‭ ‬لأسباب‭ ‬تافهة‭ ‬وغير‭ ‬منطقية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.  

تسبب‭ ‬السيناريو‭ ‬القبيح،‭ ‬المدعوم‭ ‬بدعاية‭ ‬مدروسة‭ ‬للغاية‭ ‬وتقنيات‭ ‬استفزازية‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬في‭ ‬اختلاق‭ ‬المشاكل‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭. ‬ولم‭ ‬يُسمح‭ ‬لتركيا‭ ‬واليونان‭ ‬ببناء‭ ‬الصداقة‭ ‬والتحالف‭ ‬والتعاون‭ ‬فيما‭ ‬بينهما،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيفيد‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭. ‬ونتيجة‭ ‬للذرائع‭ ‬المتعددة،‭ ‬مُنع‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤتي‭ ‬ثماره‭ ‬رغم‭ ‬قدرته‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬نجاحه‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬والرفاه‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬

تعتبر‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬كارداك‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬المُختلقة‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لمنع‭ ‬الصداقة‭ ‬بين‭ ‬اليونان‭ ‬وتركيا‭. ‬وقد‭ ‬اندلعت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عندما‭ ‬جنحت‭ ‬سفينة‭ ‬تركية‭ ‬إلى‭ ‬شواطئ‭ ‬جزر‭ ‬كارداك‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬إيجة‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬تصاعدت‭ ‬حدة‭ ‬الأزمة‭ ‬بعد‭ ‬خلاف‭ ‬نشب‭ ‬بين‭ ‬أطقم‭ ‬الإنقاذ‭ ‬اليونانية‭ ‬والتركية‭ ‬وكان‭ ‬البلدان‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الحرب،‭ ‬تدخلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬وساعدا‭ ‬في‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حلٍ‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭.‬

واندلعت‭ ‬حالة‭ ‬التوتر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬22‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬يناير‭/ ‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭ ‬بسبب‭ ‬جزر‭ ‬كارداك،‭ ‬فقد‭ ‬منع‭ ‬خفر‭ ‬السواحل‭ ‬التركي‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬اليوناني‭ ‬بانوس‭ ‬كامينوس‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬كارداك‭ ‬بزورق‭ ‬حربي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وضع‭ ‬إكليل‭ ‬على‭ ‬الجزيرة‭. ‬وبعد‭ ‬التحذيرات،‭ ‬غادر‭ ‬الوفد‭ ‬اليوناني‭ ‬المياه‭ ‬التركية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتصاعد‭ ‬الأزمة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

ويبدو‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬الجزر‭ ‬الصغيرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإثارة‭ ‬جيشين‭ ‬ضد‭ ‬بعضهما،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستخدمها‭ ‬دعاة‭ ‬الحرب‭ ‬باعتبارها‭ ‬صيحات‭ ‬لها‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭ ‬لن‭ ‬تجني‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬تجدد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭. ‬وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬تعريض‭ ‬هذين‭ ‬البلدين‭ ‬للخطر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التشجيع‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لن‭ ‬يفعل‭ ‬شيئًا‭ ‬سوى‭ ‬الإضرار‭ ‬بهما‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى،‭ ‬سيكون‭ ‬الجانب‭ ‬الوحيد‭ ‬المستفيد‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬الناتجة‭ ‬مقصورًا‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬غير‭ ‬ملائم‭ ‬لأهدافها‭. ‬

وقد‭ ‬دُبرت‭ ‬نفس‭ ‬المؤامرات‭ ‬ضد‭ ‬التحالف‭ ‬التركي‭ ‬الروسي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬النهج‭ ‬المعقول‭ ‬لكلا‭ ‬القائدين‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬إحباط‭ ‬هذه‭ ‬المؤامرة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬حقق‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭.  ‬فمن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭ ‬بحذر‭ ‬وحس‭ ‬سليم‭ ‬كي‭ ‬تحبط‭ ‬هذه‭ ‬المؤامرات،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬حذرة‭ ‬من‭ ‬الدوائر‭ ‬الاستفزازية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬هوية‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬الاستفزازية‭ ‬التي‭ ‬استشرت‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬ودواوين‭ ‬وإعلام‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭ ‬ونبذها،‭ ‬سيشكل‭ ‬خطوة‭ ‬أولية‭ ‬مهمة‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬أيضًا‭ ‬لكلا‭ ‬البلدين‭ ‬أن‭ ‬يحافظا‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬بينهما،‭ ‬وعلى‭ ‬السياسات‭ ‬المعقولة‭ ‬حسنة‭ ‬النية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاستفزازات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬إعاقة‭ ‬الصداقة‭ ‬والتحالف‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬إلى‭ ‬اليونان‭ ‬في‭ ‬2017،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أولى‭ ‬الزيارات‭ ‬الرئاسية‭ ‬منذ‭ ‬65‭ ‬عامًا،‭ ‬بداية‭ ‬إيجابية‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحسين‭ ‬العلاقات‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬والصداقة‭ ‬واتفاقات‭ ‬التعاون‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬عديدة‭ ‬ستشكل‭ ‬احتياطات‭ ‬قوية‭ ‬ضد‭ ‬المؤامرات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬تأليب‭ ‬البلدين‭ ‬على‭ ‬بعضهما‭. ‬ومن‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬البلدان‭ ‬الاستفزازات‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬مجموعات‭ ‬محددة‭ ‬ذات‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وأن‭ ‬يركزا‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬التقارب،‭ ‬إذ‭ ‬يشبه‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬منهما‭ ‬الآخر‭ ‬تشابهًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬صداقاته‭ ‬وعاداته‭ ‬وتقاليده‭ ‬وأساليب‭ ‬حياته،‭ ‬فقد‭ ‬تعايشا‭ ‬لقرون‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬ولا‭ ‬يزالان‭ ‬يفعلان‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ولن‭ ‬يسبب‭ ‬الانهيار‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الصداقات‭ ‬فيها‭ ‬ضرورة‭ ‬قصوى‭ ‬سوى‭ ‬الإضرار‭ ‬الشديد‭ ‬بكلا‭ ‬البلدين‭ ‬وبالمنطقة‭ ‬عمومًا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تكثر‭ ‬فيها‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نحوّل‭ ‬السلبية‭ ‬إلى‭ ‬إيجابية‭ ‬وأن‭ ‬نعيد‭ ‬إحياء‭ ‬صداقة‭ ‬يصل‭ ‬عمرها‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬عام‭.‬

مشاركة