العاصمة السومرية تحتفظ بالزقورة والجبايش تخلّد شهداءها والأهوار رمز الحضارة الأزلي

775

(الزمان) تستطلع آثار أور وتزور منبت أبي الأنبياء

العاصمة السومرية تحتفظ بالزقورة والجبايش تخلّد شهداءها والأهوار رمز الحضارة الأزلي

 حمدي العطار

كان الطقس في صالحنا حينما حجبت الغيوم شمس الناصرية التي لا تطاق خاصة ونحن نشد الرحال الى ثلاثة مواقع، الاول مدينة اثرية، والثاني نصب للذاكرة الجمعية (نصيب الشهيد)، الثالث :-  رمز الحضارة السومرية وايقونة السياحة الطبيعية تمثلت بما يسمى (جنات عدن) وهي اهوار الجبايش الرائعة.

زيارة الزقورة

انطلق بنا الباص من بغداد متوجهين الى الناصرية ،ويبدو لي ان الناصرية بما تملك من سيطرات امنية وعسكرية صارمة وقاسية تتعارض مع الحس السياحي الذي من المفروض ان يكون مرحبا ومشجعا لقدوم افواج وكروبات السياح العراقيين والعرب والاجانب،فلا تأخير في تدقيق القوائم والهويات مقبول! ولا الاستهزاء بالاثار والمواقع الاثرية معقول، فليس من المناسب ان نسمع ممن يقف بالسيطرة ان لا يقدر  اهمية (الاثار) مثل  الزقورات او هو ليس لديه معلومات بسيطة عن (أور) عاصمة الدولة السومرية ،والزقورة  تمثل (الاهرام الرافدية)،أو يقول جندي آخر “وشنو اكو بالاهوار حتى الماي ناشف “!

أور وتغيير موقعها الجغرافي

تاريخيا كانت اور السومرية تقع على مصب نهر الفرات وعلى مدى الاف السنين تغير مجرى نهر الفرات لتكون أور الان غير بعيدة عن سجن الحوت في الناصرية،يرجع تاريخ مدينة اور 2100 ق.م وفيها ولد النبي ابراهيم عام 2000 ق.م  وإنطلقت دعوته لعبادة الله ودين التوحيد وسط انتشار تعدد الالهة،كما قمنا بزيارة الزقورة وهي معبد الالهة اينانا آلهة القمر،وتحتوي على 16 مقبرة ملكية وفي كل مقبرة بئر ،والأطلاع على  لوحة عليها معلومات تاريخية عن الزقورة، والمعلومات التي لدينا تؤكد لنا عند موت الملك تقتل كل الجواري  التابعة له بالسم وتدفن مع الملك بكل ملابسهن ومجوهرتهن!

فندق على الفرات ولكن

لا نعلم كيف يمكن ان تعد الناصرية مدينة سياحية قادرة على استقطاب السياح الاجانب والعرب والعراقيين وهي لا تملك الا فندقين صالحين للسكن ولا اظن ان فندق (الجنوب) الذي كانت أقامتنا به لليلة واحدة ان يكون مؤهلا للفنادق بمستوى 3 نجوم!

الغرف واسعة

يفتقر فندق الجنوب الى اللمسة الجمالية من حيث الاثاث على الرغم من ان بعض الغرف واسعة وكأنها سويت ولكنها غير مرتبة ومنظمة من ناحية التأثيث والفندق يطل على نهر الفرات وهو يعطي جمالية لكنها تتلاشى مع النواقص فالمستلزمات غير موجدة الا ان تطلبها بنفسك (المناشف مثلا) والتبريد في اكثر الغرف لا يعمل والحجة (الحر جاء سريعا، والاجهزة تخضع الى الصيانة) الماء ضعيف جدا في الحمام!

مدينة الالعاب

برنامج الرحلة يتضمن الذهاب الى مدينة الالعاب ، نحن اخترنا ان نذهب الى شارع الحبوبي ، وهو من اشهر واجمل الشوارع،وكان يسمى (عكد الهوى) وهذه التسمية هي بفعل ما يوفره الشارع وهواؤه الذي يحرك الاشجار ذات الشمال واليمين فيعرف الاهالي اذا كان الجو شرجياً فيه رطوبة مندفعة من الاهوار ليتجنبوا النوم في السطوح واللجوء الى الغرف!

وشهرة التمثال (الحبوبي) الغت التسمية القديمة كما ان شخصية الشاعر والعالم والفقيه (محمد سعيد الحبوبي) الذي ولد سنة 1849 وتوفي سنة 1915 وهو يقود مجموعة من المجاهدين يحاربون الاحتلال البريطاني اعطى الشهرة الى النحات  ،ولم يشهر الحبوبي هذا الشارع المهم فقط بل اشتهر وخلد الفنان النحات (عبد الرضا كشيش) الذي اخذ يقرأ ويستوعب اشعار وسيرة حياة الحبوبي لمدة 5 سنوات حتى ابدع هذا النصب ليقف شامخا سنة 1972 ،وليستمر الى يومنا هذا بعباءته وبيده رسالة من الماضي الى الحاضر ويتطلع بنظراته الى المستقبل!

نصب للشهيد

كان  لنا زيارة الى نصب الشهيد في الجبايش،وتبدو قبة النصب من البعيد تضربها الشمس لتلمع وتدعوك لزيارتها ولكن حينما تقترب من المبنى ترى انه لا يحمل اية جمالية لا اعلم صديقنا من السودان اخذه التشبيه الى مبنى (تاج محل) لكنني استرجعت تشبيه اخر لأهالي الناصرية الذين يرون فيه يشبه (مفاعل نووي) ولا يخلو هذا الصرح على الرغم من قدسيته الى شبهات فساد،فالجبايش التي تحتاج الى كل الخدمات وتفتقر الى معظمها ،تقوم مؤسسة الشهداء ووزارة الدولة لشؤون الاهوار بالتعاقد مع شركة”أنشن كروب  التركية بكلفة 23 مليار دينار ليتم افتتاحه عام 2012  ، هذا الصرح الذي من المفروض ان يكون عنوان للصمود والتحدي فإذا بسقوفه الثانوية تتساقط مع اول قطرات المطر ،كما ان القبة ايضا انخسفت من الداخل ،وتأثر المسجد وبناية التشريفات! قمنا بزيارة هذا المبنى المسكين وفي داخل الصالة انتشرت صور الشهداء من المقابر الجماعية ومعظم الشهداء قد تم اعدامهم في ثمانينات القرن الماضي واضيف اليهم شهداء سبايكر،ولفت نظري وثائق تعرض في الصالة بجانب صور الشهداء الوثيقة تشير الى ان الرفيق الفلاني يتعهد بعدم زيارة الامام الحسين ،وتبين ان هذا التعهد كان يقدمه بعض الرفاق الشيعة الى المنظمة الحزبية! غادرنا النصب الذي ان صح هذا الخراب الذي اصابه بفعل المطر فهو نصب ليس للشهداء بل نصب بأسم الشهداء! ولو انفقت هذه الاموال التي قد تعادل 20 مليون دولار في التخلص من طريق الموت الذي يربط الناصرية والجبايش ويمر بالفهود ومنطقة المنار لكان الشهداء ينامون مرتاحين افضل من القبور 98 في نصب الشهيد بالجبايش.

اهوار الجبايش

كان علينا تناول وجبة العشاء وهي محددة في البرنامج بالمطعم الشامي وهو مطعم لبناني يقع على نهر الفرات،وكأي مطعم مشهور يعاني الزبائن من شدة الازدحام وهذا يؤثر اولا على عدم الحصول على طاولة تطل على النهر وكذلك تأخير في تقديم الوجبات ، ونحن قد عانينا من الاثنتين فضلا عن تقديم وجبة مستعجلة بعد التهديد بمغادرة المطعم فكان اللحم غير (مكتمل الشواء)! وعلينا التعلم من تجاربنا وأن لا ننصاع بالذهاب الى المطاعم بشكل جماعي، والاستفسار من اهل المدينة عن المطاعم البسيطة المشهورة بتقديم الوجبات الطيبة وهي بالتأكيد موجودة في الناصرية.

الهور والمشحوف

وانت على الشارع العام لا ترى ماء الهور بسبب كثافة القصب، لكن بمجرد ما تأتي الزوراق وهنا يسمونها (المكينة) وهي على انواع ويتم صناعتها في الجبايش (الكلف، المشحوف، الهورى، العشاري) ويبلغ طولها من 5- 20 متراً وتكلفة الزورق قد تترواح من 500 الف دينار – 1400 مليون واربعمائة الف دينار، وتستخدم الزوارق في (نقل السياح ، صيد الاسماك، نقل قصب البردي) ويعتمد الزورق في السير بالهور على محركات صغيرة تعمل بالوقود، واحيانا تتعرض الزوراق الى الاصطدام ايضا بسبب السرعة وانعدام الرؤية في المنحنيات والممرات المائية الضيقة! وانت تركب المشحوف وهو يسير بك في الاهوار على شكل مجاميع تصادفك مناظر جميلة عن حركة الاسماك بالماء وسير الجواميس ومرور الزوراق التي اغلبها تقودها النساء وتكون زوارقهم مملؤة بالقصب وملابسهم ملطخة بالطين (عمل شاق) ،سألنا صاحب الزورق الذي نركبه وهو (خريج جامعة) ولم يحصل على تعين! عن اهمية القصب يقول  “هو السلعة الوحيدة كثيرة الاستخدام ومنها غذاء الحيوانات وصناعة الاثاث والبيوت واداة للطبخ” أستغرقت رحلتنا ساعتين في الهور يقود المجموعة ايقونة هور الجبايش (أبو حيدر)

 بيت الطين

في بيت الطين تكون محطتنا الاخيرة للاستراحة وتناول وجبة السمك اللذيذة الزاكية (السمتي )التي تشوى بطريقتهم على القصب،مع الخبز الحار في التنور، والطرشي، والبصل، اجواء بيت الطين يجعلك تعيش اجتماعيا في الجبايش للتعرف على حياتهم البسيطة وخير من يعبر لك عن هذه الحياة هو (ابو حيدر) الذي اشتهر بمقابلة الاجانب ووسائل الاعلام وكذلك ركب في مشحوفه رئيس الوزراء حيدر العبادي، ويقولون زملاؤه من اصحاب الزوراق بإنه كان يمني النفس بإكرامية مالية محترمة (وقد خاب ظنه) لذلك هم يرددون (كلشي ما حصلنه من العبادي)!! اما ابو حيدر فهو لا يتحدث مثلهم بل يبتسم ويرحب بالجميع ويطلق صوت بالعتابة الريفية من اعماق النفس الطيبة لأهل الاهوار في الجبايش قائلا:-

بعدنه إذا أنتم نسيتونه/ بعدنه نذكركم كل صباح وكل مسية/ مو سوالفكم طعم روحيولك ون يا كلبي لا تبطل الون /  ولك يا كلبي يا كثير ما ضـــــــيعت ون/ ولك وين الحكيم بالعدل يحكم وللك ون / واليون بكلبك بلكت  يفك المشكلة الصــــــــعبة عليه/ منين اجيب احباب كــــــلبي يسره يايسره ظنوني ما عطل بالسير يســــــــره / يسره يا ولفي تمشي يمين وتظن يسره/ يا شايل الحمل من تكليف علي/ ترى وين اتنو يا احباب كلبي.

مشاركة