المهندسون مرة أخرى..

256

زيد شحادة

نشرت‭ ‬الصحف‭ ‬العراقية‭  ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭  ‬يخص‭ ‬حماية‭ ‬المهندسين‭  ‬قد‭ ‬تمت‭ ‬قراءته‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬خلال‭ ‬اليومين‭ ‬الماضيين‭  ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬العراقي‭ ‬‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬والبديهي‭  ‬أنه‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬المهندسون‭ ‬بمختلف‭ ‬تنسيقيتاهم‭ ‬وتجمعاتهم‭  ‬لدفع‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬للإقرار‭  ‬لكن‭ ‬حمى‭ ‬فترة‭ ‬الإنتخابات‭  ‬وسعي‭ ‬المتنافسين‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشريحة‭ ‬المهمة‭  ‬كان‭ ‬دافعا‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭.‬

تعرضت‭ ‬شرائح‭ ‬كثيرة‭ ‬للظلم‭ ‬والتهميش‭  ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬كالظلم‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬المهندس‭  ‬وبمختلف‭ ‬المستويات‭  ‬فبين‭ ‬محاولات‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬العلمية‭ ‬‭ ‬لمحاولات‭ ‬تضييق‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭  ‬لمحاولات‭ ‬تشويه‭ ‬السمعة‭ ‬للعاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬او‭ ‬الخاص‭.. ‬والغريب‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭  ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭  ‬يحمل‭ ‬شهادة‭ ‬عليا‭ ‬في‭ ‬الهندسة‭!‬

ما‭ ‬يضحك‭ ‬أكثر‭  ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬ساستنا‭  ‬عندما‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يتطور‭  ‬يستقتل‭ ‬لنيل‭ ‬شهادة‭ ‬الهندسة‭  ‬لمعرفته‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه‭  ‬لقيمتها‭ ‬الإعتبارية‭ ‬والمكانية‭  ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬قيمتها‭ ‬العلمية‭  ‬وفشل‭ ‬كثير‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭..  ‬لأن‭ ‬شهادة‭ ‬الهندسة‭ ‬ليست‭ ‬كأي‭ ‬شهادة‭  ‬فلا‭ ‬يكفي‭ ‬بذل‭ ‬الجهد‭  ‬والدراسة‭ ‬المستمرة‭ ‬لنيلها‭  ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬لنيلها‭  ‬ذكاء‭ ‬حادا‭ ‬وفهما‭ ‬يفوق‭ ‬العادة‭  ‬وقابلية‭ ‬على‭ ‬التخيل‭ ‬والتصور‭  ‬وبناء‭ ‬عوالم‭ ‬ونظريات‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬وخياله‭  ‬ليقوم‭ ‬بإجراء‭ ‬معادلات‭ ‬وحسابات‭ ‬علمية‭ ‬ورياضية‭  ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعرفه‭ ‬الأخرون‭  ‬على‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تخيله‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬فقط‭!‬

لا‭ ‬يختلف‭ ‬إثنان‭  ‬أن‭ ‬المعلمين‭ ‬هم‭ ‬صناع‭ ‬الجيل‭ ‬وبناته‭  ‬وأن‭ ‬الطب‭ ‬مهنة‭ ‬إنسانية‭  ‬فمن‭ ‬المتفق‭ ‬عليه‭  ‬أن‭ ‬المهندسين‭ ‬صناع‭ ‬الحياة‭ ‬وبناة‭ ‬المستقبل‭  ‬ومن‭ ‬ينهض‭ ‬بحياة‭ ‬الشعوب‭  ‬وينقل‭ ‬الأوطان‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬إلى‭ ‬حال‭.. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لفاقد‭ ‬الشيء‭ ‬أن‭ ‬يعطيه‭!‬

عندما‭ ‬تحارب‭ ‬شريحة‭ ‬المهندسين‭  ‬في‭ ‬كل‭ ‬شؤون‭ ‬حياتها‭ ‬وعملها‭  ‬وتتهم‭ ‬بأن‭ ‬فيها‭ ‬فاسدين‭  ‬بسبب‭ ‬أفراد‭ ‬بعينهم‭  ‬ويعاملون‭ ‬كأي‭ ‬حامل‭ ‬للشهادة‭  ‬و‭ ‬يمنعون‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭  ‬في‭ ‬حين‭ ‬يمنح‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬لغيرهم‭  ‬ويمنح‭ ‬غيرهم‭ ‬حقوقا‭ ‬وتمنع‭ ‬عنهم‭  ‬لنفس‭ ‬أسباب‭ ‬منحها‭ ‬لغيرهم‭  ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمهندس‭ ‬بناء‭ ‬الحياة‭ ‬ويقدم‭ ‬شيئا‭ ‬لوطنه؟‭! ‬أم‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬التفاعل‭ ‬والتفائل‭  ‬فينفذ‭ ‬مشروعه‭ ‬بدقة‭  ‬ويكون‭ ‬قائدا‭ ‬حقيقا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬يعمل‭ ‬فيه؟‭!.‬

قد‭ ‬يقول‭ ‬البعض‭  ‬أن‭ ‬المظلومية‭ ‬شملت‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬والإختصاصات‭  ‬وهو‭ ‬كلام‭ ‬فيه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭  ‬لكننه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬الحقيقة‭.. ‬فهناك‭ ‬حرب‭ ‬حقيقية‭ ‬ضد‭ ‬القطاع‭ ‬الهندسي‭  ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬كبرى‭.. ‬فلإضعاف‭ ‬أي‭ ‬بلد‭  ‬يتم‭ ‬تحطيم‭ ‬الروح‭ ‬المعنوية‭ ‬لمواطنيه‭  ‬وتسقيط‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محترم‭ ‬ومقدس‭ ‬لديه‭ ‬‭ ‬وتبعد‭ ‬كل‭ ‬كفاءة‭ ‬يمكن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬البلد‭  ‬ويمنع‭ ‬ظهور‭ ‬قادة‭ ‬جدد‭ ‬للمجتمع‭  ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬مستويات‭ ‬القيادة‭.. ‬فهل‭ ‬عرفتم‭ ‬لم‭ ‬يحارب‭ ‬المهندسون؟

هل‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭  ‬لما‭ ‬يضع‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تخص‭ ‬المهندسين‭  ‬جهات‭ ‬غير‭ ‬هندسية‭ ‬ودون‭ ‬مشاركة‭ ‬منهم؟‭! ‬ولما‭ ‬يتم‭ ‬محاربة‭ ‬المهندسين‭ ‬عندما‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬وظيفية‭ ‬مهمة‭ ‬أو‭ ‬مفصلية؟‭! ‬ولما‭  ‬يتم‭ ‬منعهم‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭  ‬بقوانين‭ ‬وتعليمات‭ ‬لا‭ ‬تشمل‭ ‬غيرهم‭  ‬وكأنها‭ ‬سنت‭ ‬لهم‭ ‬خصيصا؟‭!‬

من‭ ‬يطلع‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬المجتمع‭  ‬للمهندسين‭ ‬خلال‭ ‬حقبتي‭ ‬الستينات‭ ‬والسبعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬والوقت‭ ‬الحالي‭  ‬وإختلاف‭ ‬مستوى‭ ‬دفع‭ ‬الأهل‭ ‬لأبناهم‭ ‬لدراسة‭ ‬الهندسة‭  ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭  ‬سيفهم‭ ‬مقدار‭ ‬المظلومية‭ ‬التي‭ ‬نالت‭ ‬المهندسين‭.‬

إقرار‭ ‬مثل‭ ‬هكذا‭ ‬قانون‭  ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬عصا‭ ‬موسى‭  ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬خاتمة‭ ‬قتال‭ ‬المهندسين‭ ‬للمطالبة‭ ‬بحقوقهم‭.. ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬بطريق‭ ‬الألف‭ ‬ميل‭.‬‭. ‬ونجاح‭ ‬المهندسين‭ ‬في‭ ‬قيادة‭  ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬موقع‭ ‬يكلفون‭ ‬به‭  ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬إختصاصهم‭  ‬يظهر‭ ‬علو‭ ‬كعبهم‭  ‬وقدراتهم‭ ‬المميزة‭.. ‬فهل‭ ‬ستنتبه‭ ‬حكومتنا‭ ‬لحقوق‭ ‬مهندسيها‭ ‬المهدورة‭  ‬أم‭ ‬سننتظر‭ ‬الإنتخابات‭ ‬القادمة‭  ‬ليتم‭ ‬التقدم‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى؟‭!‬

 

مشاركة