إعلام رمادي ورموز جامعية باهتة وطبقة سياسية فاسدة وأطباء بلا إنسانية

852

سقوط النخب في المجتمع العراقي من ضمائر الناس

إعلام رمادي ورموز جامعية باهتة وطبقة سياسية فاسدة وأطباء بلا إنسانية

عمار طاهر

لكل مجتمع منظومة قيمية، وعناوين نخبوية، يستمد منها تماسكه، ويستند اليها حفاظا على كينونته، فهي بمثابة الضابطة التي تدور حولها كل التغيرات والتبدلات الطارئة، نتيجة المؤثرات الخارجية، او بسبب التطورات الجديدة الوافدة، لذلك نجد  العديد من الشعوب تنهض من تحت غبار التجارب القاسية، وتعود الى الواجهة، حيث توظف الاحداث المريرة، وتتخذ منها منصات انطلاق نحو افاق رحبة، فتعيد بناء نفسها، وهي تدور كالرحى حول موروثها القيمي، وقادة الرأي، والنخب السياسية والثقافية.

وقد تعرض المجتمع العراقي الى هزات عنيفة، زلزلت كيانه، وطمست خطوط هويته، وحولته الى اشلاء متناثرة،  لم تصمد امامها قيمه الاصيلة، وثوابته الوطنية .. فهل سقط المجتمع العراقي ام اسقط ؟ وهل الجريمة نفذتها اياد اجنبية عابثة ام ارتكبت بيد ابنائه مع سبق الاصرار والترصد؟ من اغتال نخبه ام تراها انتحرت واقبرت نفسها تحت ركام ما تبقى من البلد؟ هل ديست حضارته ببسطال الاجنبي ام همشه المواطن المصاب بالتناشز الاجتماعي، حيث يتغنى بالتاريخ ويحطم الحاضر، ويدمر المستقبل؟

عراق اليوم بلد اخر، لا ينتمي اليه قاطنوه، فهو وطن يسعى الساعون للهروب من جحيمه الى فردوس الغربة، وكأنه ارض ملعونة، الخارج منها فائز برحمة ربه، فالصور الذهنية التي تؤطر نخبه اصبحت تقترن باشكال مشوهة، ونماذج غير مشرفة، لا تقدم نماذج تحتذي به الاجيال كما في السابق، بل غدت امثولة للسخرية، تقترن بها كل الصفات السلبية، والمعاني السيئة.

ان ابرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي بالوقت الراهن هي أن يتحول العبث بمفاهيم خالدة، ووثيقة الصلة بالكينونة والمصير الى مصطلحات سوداوية، حروفها محملة بكل الوان الكراهية، واشكال البغض، وتغدو عالقة باذهان الناس، ليصبح الجميع في مهب التاريخ، وعلى هامش الجغرافيا.

وعندما نستعرض الصور الحقيقية للسياسي، ورجل الدين، والطبيب، والاستاذ الجامعي، والاعلامي، او ما يجب عليه ان تكون، ونقارن بينها وبين ماهو قائم اليوم ، نصاب بالرعب والفزع، فهؤلاء هم عماد اي مجتمع، وسقوطهم المدوي من ضمائر الناس، يعني بلاشك ان العراق سائر على عجل الى حتفه، او الى غياهب المجهول.

السياسي الفاسد

المقارنة بين النظائر، واختيار الافضل، عادة جبل عليها الناس، ولان العراق طوال العقود السابقة كان خارج العملية السياسية بمفهومها الانتخابي، فقد ظل الكثير يحلم بصورة السياسي ايام العهد الملكي، اخر التجارب الديمقراطية في العراق المدني، حيث تضم الكتب والمذكرات بين دفتيها حكايات تلك الايام، بشخصياتها وصراعاتها، في مجتمع مستقر، يخلو من العنف الثوري، وثقافة القتل والسحل في الشوارع العامة.

كان معظم الناس قبل عام 2003 ينتظر غبش الفجر، بعد ليال طويلة حالكة العتمة .. تمني النفس ببلد مزدهر، يحفظ كرامة الانسان، ويتساوى تحت مظلته الجميع، يقوده مواطنون عاديون، يشعرون باوجاعة، ويتحسسون الامه، ويرفعونه الى مصاف دول الجوار، لا يقودونه الى حروب ومعارك عبثية، وهو مسلوب الارادة.. ظل الشعب يحلم طويلا بذلك، فاستيقظ على كابوس ابدي ليست له نهاية.

كان صياما طويلا برجاء الافطار على وطن، يتساوى فيه الناس بالحقوق والواجبات، يختفي فيه الفقر، وتقوده الكفاءات، الا ان هذه الامال والرغائب سرعان ما اصطدمت وتحطمت على ارض الواقع، فظهر من المجهول عشرات المدعين، ليفرزوا طبقة سياسية فاسدة، لا يعنيها سوى مصالحها وامتيازاتها، تحت شعارات طائفية او لافتات عرقية ومذهبية.

لم يتدرج هؤلاء في اروقة الانظمة الديمقراطية كما يحصل في الدول العريقة، فهم عديمو الخبرة، قليلو المعرفة، سطحيون، لا يمتلكون العمق المطلوب لقيادة مجتمع او بلد كالعراق.. العديد منهم بلا شهادات دراسية، وبعضهم بوثائق اثبت القانون انها مزورة او غير معترف بها.. اكبر همهم الكسب السريع، بعد ان اقبلوا على اموال البلد، كما تقبل الانعام على عشب الربيع.

تعاملوا مع المناصب كانها غنائم او حصص، يوزعونها على العائلة والاعوان والعشيرة، ياكلون السحت دون ان يرتد لهم طرف، ويتبجحون بذلك بلا حياء او وجل.. لا يجيدون سوى الخطابات الطائفية الهدامة.. يستعرضون بضاعتهم البائرة بكلام منمق فارغ المحتوى، يعتقدون انهم قادرون على خداع الناس في كل زمان ومكان.

ولان صراع المصالح جعل باسهم بينهم شديدا، فقد لجأوا الى التسميم والتسقيط السياسي، ووظفوا وسائل الاعلام ، والجيوش الالكترونية لنيل بعضهم من بعض، فكان الاثير ، ومساحات الصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، شاهد اثبات على تبادلهم الاتهامات، وتنابزهم وتراشقهم باقذع الالفاظ والالقاب، وتحول القضاء الى ساحة مشتعلة لتصفية خلافاتهم، عبر عشرات دعاوى القذف والتشهير .

بعد اكثر من عقد تبدلت الصورة، واقترن اسم السياسي في اذهان الناس، واصبح كلمة مرادفة للفساد، والرشا، والانتهازية، وخرق القانون، والاستيلاء على المال العام، والعمالة للاجنبي، وخدمة مرجعيته الحزبية بدلا من المواطن، وكذلك يقترن بالارهاب، وقتل الناس في الاسواق العامة ومراكز المدن، مع ان ذلك لا يشمل الجميع، فمايزال النزر القليل منهم يشارك احلام البسطاء بتحقيق معجزة بناء البلد.

ان هذه الصورة البشعة التي ترسخت في عقول الناس، اسهمت بشكل مؤسف في تفشي ثقافة الفساد المالي والاداري بين كبار الموظفين وصغارهم، التي انتشرت في مفاصل الدولة، واصبحت ثقافة عامة، لا يتردد الكثير من ممارستها علنا بدون خجل، او تحت مسميات اخرى، لتجميل وجهها القبيح، بل ان بعضهم يشتري المناصب، او يتوسط للنقل الى دوائر تكتظ بالمراجعين، ليبتز الناس مقابل انجاز واجباته .. هؤلاء المرتشون ينظرون الى الطبقة السياسية، ويقتدون بها، ولا يخشون القانون، لانه لم يطل هذه الطبقة الفاسدة، وبالتالي لم ينل منهم.. ولن يفعل.

 رمزية رجل الدين

طالما كان الناس ومازالوا ينظرون باكبار الى علماء الدين، فهم الحصن الاخير للحفاظ على المجتمع من الانحطاط والتدهور، من خلال التمسك بكل ما يدعو له الله سبحانه وتعالى، من عمل صالح، وقيم اصيلة، وخلق قويم، ونصرة الانسانية، والمساواة بين البشر ..هذا البعد الرمزي يتشبث به المجتمع، ويلتف حوله، ولاسيما اوقات الازمات، لذا ظل محتفظا بقداسته لابعد الحدود، الى ان تسلل بعض المنتحلين عبر ممراته العاطفية، اختبأوا تحت العمامة، وارتداوا الخواتم واللحى، فاساءوا الى الدين عموما، والى رجالاته على وجه الخصوص.

ان سقوط عدد من السياسيين المحسوبين على الاحزاب الاسلامية بشبهات فساد، واتهامهم قضائيا ورسميا وشعبيا بوجود ملفات يندى لها الجبين، والحكم على بعضهم، هز ثقة الناس، وبدل نظرتهم المطلقة الى المقدس، وجعل بعض هؤلاء المتهمين موضع استهزاء وتندر في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتحرر عامة الناس من الخوف، ويعبرون بشكل صريح عما يجول في خواطرهم.

ان عدم تجديد الخطاب الديني، وتركيزه على الغيبيات، واقتصاره على الترغيب والترهيب، وتلميحاته المذهبية، وتحريضاته الطائفية، وابتعاده عن الازمات الحقيقية التي يعيشها المجتمع، ادى الى العزوف عن ارتياد بيوت الله، ولاسيما من قبل الشباب، الذين لم تقترب من مشاكلهم لغة الجوامع والمساجد والحسينيات ، فضلا عن سلسلة الفضائح التي اسقطت المتاجرين بالدين من السياسيين وغيرهم.

ان هذه الاسباب قلبت المعادلة راسا على عقب، وبدلا من ان يتحول رجل الدين الى قدوة حسنة، ومثالا للخلق القويم، امينا على القيم والمبادئ، اضحى بفضل المعممين زورا وبهتانا، وبعض المحسوبين على الاسلام السياسي، طاقة منفرة، لتهتز ركيزة اخرى من ركائز المجتمع العراقي، ولا عجب حينما نرى ردة الفعل المبالغ بها لدى عدد كثير من الشباب، عندما انتشر الالحاد في الجامعات، او ضاع من ضاع في الشتات.. من سنحت له الفرصة فصار تائها في منافي الغربة، او من لجأ الى تعاطي المخدرات، وادمن الكحول، والعقاقير الممنوعة.

الطبيب الجشع

عندما يسأل التلاميذ، وهم في بواكير الدراسة عن حلمهم الاكبر، يجيبون بلا تردد، ان يصبحوا اطباء في المستقبل، هكذا كانت الدلالة الرمزية لاصحاب المهنة الانسانية الاهم والابرز، تحتل الاولوية، وتحظى بالاحترام والتوقير.. لكن ماذا تبقى من هذه الصورة اليوم ؟ من المسؤول عن الاعتداءات التي تطول الاطباء في المستشفيات ؟ هل بسبب اضطراب الامن ام لاختلال صورة الطبيب بعيون المجتمع؟ هل فقدت هذه النخبة حصانتها، وتلاشت رمزيتها، وباتت في مهب التجاوزات اللفظية والبدنية؟

 لقد اغتال سمعة الطبيب بعض اصحابها، فالعيب ليس في المهن، لكن بمن يزاولونها، وذلك من خلال تصرفات، يوجزها الجشع بابشع تجلياته، وتظهر فيها نزعة الكبر المتضادة مع مجالهم الانساني، فلم تنفع لقاحات ابوقراط كلها من اختراق مناعة البعض، اذ لم تحصنهم من تفشي امراض، جردتهم من نوازع الرحمة ومشاعر الرأفة.

انهم يحبون المال حبا جما، فيهربون من مستشفيات الفقراء صباحا الى العيادات الشخصية، بعد ان يقدموا نصائج مجانية للمرضى بمراجعتهم هناك، في اماكنهم الخاصة، يتفقون مع صيدليات على نسب معينة، ويشاركون مختبرات طبية في الموارد اليومية، ويخضعون المرضى الى فحوصات دورية في العيادة، يجبرون الناس على مراجعتهم لعدة مرات بداعي متابعة الحالة، وفي كل مرة على المريض ان يدفع المقسوم.

اخر تقليعات هؤلاء.. تاجير اشخاص يقفون في مجمع العيادات، يحثون المراجعين على الذهاب الى هذا الطبيب او ذاك، اما الفقير فعليه الموت في المستشفيات العامة، التي اصبحت حقل تجارب لخريجين من جامعات اجنبية، حيث يحقق الطالب الفاشل في الدراسة الاعدادية حلم والديه في ان يصبح طبيا، فيبتاع شهادة من دول لا تؤهله ان يغدو معاونا طبيا .

نعم تراجعت سمعة الطبيب العراقي، واصبحت في الحضيض، بعد ان غادر الرعيل الاول لاسباب عديدة، ابرزها الخوف من القتل، والخشية من الاختطاف، واصبح المواطن يفتش عما يكشف له العلة في دول الجوار، بعد ان يعجز الاطباء في الداخل من التشخيص.. فيهدر ماله وصحته بلا جدوى .

في ظل هذه الصورة الحالكة التي اسقطت مكانة الطبيب العراقي، تبرز بعض النماذج المضيئة، حيث تمد يدا بيضاء حانية، لتكون بمثابة البلسم لشفاء المعدمين، فثمة العديد من الاطباء يخصصون اياما معينة للفقراء، يقدمون العلاج بلا مقابل، او طبيب يترعرع في منطقة شعبية، وعندما يصبح خبيرا لايغادرها خدمة لاهله وناسه .

وهنا اورد حكاية عشتها بتفاصيلها، بل كنت محورها الرئيس، فقد اجريت عملية جراحية باحدى المستشفيات الاهلية المعروفة في بغداد، وبعد ايام قلائل حدثت تداعيات طبيعية اجهلها، قتوجهت الى المستشفى، ولم اجد الجراح، وقابلت زميله المشهور ايضا ..كنت مشوشا قلقا.. وفي ذروة ارتباكي سالته عن الحالة، فقال تعال الى العيادة لاجيبك ، بمعنى لست معنيا بخشيتك على نفسك، مايهمني ان تدفع لي مقابل ان اطمئنك ..بالمقابل حجزت عند احد الاطباء، وطلب مني اجراء بعض الفحوصات ..راجعته ثلاث مرات، ولم يطلب مني دينارا واحدا ، مع ان معاينته كانت تستغرق 20 دقيقة تقريبا.. بحت له بخجلي فتبسم، وقال.. المهم ان تمسي بخير وعافية..

المشهد الاخير في بغداد مرضى لا يؤمنون بقدرة الاطباء، ويوقنون بجشعهم، فيراجعون الصيدلي، والمعاون الطبي، لوصفة مجانية ناجعة .. العاصمة التي كانت مشهورة باسماء لامعة في العديد من التخصصات الطبية، اضحت معروفة بدكاكين مضمدين، يقبل اليها الناس من كل الانحاء ، فيجدون الوصفة والعلاج وحتى الدواء، مقابل اجرا زهيد، وشفاءا مضمون.

بعد كل ذلك يسأل سائل بقليل من المنطق وكثير من السذاجة عن اسباب الاعتداء على الاطباء بوصفهم نخبة النخبة في المجتمع؟ مع ايماننا التام انه تصرف مرفوض.. ومدان.. وغير حضاري.

صورة استاذ الجامعة

تفتخر الامم والشعوب بمفكريها وعلمائها، فالبلدان بعقول ابنائها النيرة.. ولا تقدم او تطور او ازدهار بغياب التعليم العالي، حيث تخصص الدول نسبة معينة من الناتج القومي للارتقاء بالبحث العلمي، وترصين الجامعات، وتطبيق معايير الجودة، والعمل على مطابقتها مع العالم، ان بعض المدن الشهيرة لم تكن معروفة لولا وجود صرح تعليمي شامخ في مركزها، والامثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى. وبالمقارنة بين استاذ اليوم والامس نجد ان تلك الصورة التي تمثل العالم والمفكر والباحث قد بدأت تتلاشى وتضمحل، وتحل محلها صورة جديدة، لا تنتمي اليها بكل حال من الاحوال، فقد كانت الجامعات والكليات العراقية تفتخر بعناوين عريضة معروفة على الصعيدين العربي والدولي .. اسماؤهم مثل النجوم المتوهجة، او العلامات المضيئة، تتباهى بها الاجيال كونها تتلمذت على يديها، وتخرجت من معطفها .

بعض هؤلاء قضى نحبه، وبعضهم الاخر هجر العراق، واصبح على قيد الذاكرة .. ليرث الجامعات عدد كثير ممن لا تنطبق عليهم صفة الاستاذ الجامعي ..لا بعلمه اوسلوكه او بحوثه او محاضراته او حتى ثيابه، بعد ان دخل الحرم الجامعي بغفلة من الزمن، واصبح حمولة ثقيلة، وبقعة غامقة في تاريخ هذا الرمز الكبير بالمجتمع.

لم يعد التنافس بين العديد من الملاكات التدريسية على تقديم البحوث العلمية، او المشاركة في المؤتمرات، او الندوات، او تاليف الكتب، والمراجع الدراسية، او الاهتمام ومتابعة طلبة الدراسات العليا، فالتدريسي يحاول اختزال محاضرته، ويسعى الى عمل اضافي، يبذل فيه كل جهده للحصول على مكاسب مالية.. مهما كانت زهيدة.

حظر السفر

لقد فرضت تركيا حظر السفر على اساتذة الجامعات ابان الانقلاب العسكري الاخير على حكومة رجب طيب اوردغان،  لما لهذه الشريحة من دور مهم، وتاثير قوي في المجتمع، مقابل اي دور يذكر لهذه الفئة في الساحة العراقية، رغم تقلباتها وارهاصاتها، الا بشكل محدود، وسط فضائح تطل براسها بين الحين والاخر حول حالات تحرش او رشا تثير التقزز والاشمئزاز.

تضاؤل دور استاذ الجامعي ليست مسؤوليته وحده، اذ تعاقبت الحكومات العراقية على تهميشه، وتفريغ دوره من محتواه، حيث التوسع في القبول بالدراسات العليا، وفتح قنوات ليست لها علاقة بالتحصيل العلمي، وبدعة الدور الثالث، والضغط السياسي والحزبي على وزارة التعليم العالي والجامعات لاطلاق استثناءات ما انزل بها من سلطان.

اما خطيئة التعليم الاهلي فقد اجهزت على كل امل في النهوض بقطاع التعليم العالي، واعادة هيبته المفقودة  فبعد ان كانت الجامعات العراقية مقصد كل طالب علم في الوطن العربي اصبح معظمها اليوم خارج التصنيفات العالمية المعترف بها، كونهــا لا تطبق المعايير الدولية.

عشرات الكليات الاهلية لا تتوفر فيها ابسط شروط التعليم العالي، من مبان مناسبة، او ملاكات متخصصة، او مختبرات علمية، او تقاليد راسخة، يسجل فيها مثات الطلبة ، معظمهم لا يحضرون الا في الامتحانات النهائية ..  لا يتم ترقين قيدهم بسبب الغياب، ويحصلون على درجات النجاح بكل اساليب الغش التقليدي والالكتروني.

واذا بحثنا عن اصحاب هذه الكليات نجد معظمهم من السياسيين، حيث استثمروا في التعليم ليحولوه الى تجارة كبيرة، تبحث عن الارباح السنوية الفاحشة مقابل تخريج الاف الشباب الى البطالة.. ولان وزارة التعليم العالي لا تعترف بالتعليم المفتوح عن بعد فقد شرع قانون للتعليم الاهلي يسمح بفتح دراسات عليا لمنح شهادات الى شخصيات مشكوك حتى بشهاداتها الثانوية.. وعندما نبحث في اسماء الخريجين نجد بعضهم عناوين بارزة في عراقنا الجديد.

ان تضاعف اعداد المتعلمين اصبح بقدر تناقص عدد العلماءK  وما يحكى من طرائف عن اميّة الطلبة الجامعيين يشعرنا بالحزن، ففساد وتخلف التعليم يتسلل الى كل شيء ، بعد ان دخل معجم التجارة، وخضع لمعايير الربح والخسارة ، واضحى مجرد شهادة من الورق تعلق على الجدران.

في عام 1932 اندلعت ازمة عاصفة في القاهرة، ففي شتاء تلك السنة قررت الحكومة المصرية منح بعض الساسة شهادة الدكتوراه الفخرية، واختارت كلية الاداب لتحقيق هذه الغاية، الا انها جوبهت بالرفض القاطع من عميدها انذاك طه حسين، وكان مسوغه في حينها الحفاظ على مكانة الدرجة العلمية، وازاء هذا الموقف المبدئي الشجاع دفع عميد الادب العربي الثمن، حيث اعفي من منصبه، واحيل الى التقاعد فمتى يعترض اساتذة الجامعات بشان جميع يجري من تخريب للتعليم العالي، ام تراهم لا يحتجون الا عندما تتعرض مستحقاتهم المالية الى الخطر.

اعلام رمادي

عندما تتناهى الى السمع كلمة اعلام يتبادر الى الذهن كل المعايير المهنية، من صدق وتوازن وموضوعية ودقة، فاين نحن من ذلك وسط كل هذا الضجيج والصخب الذي يدور من حولنا وتطلقة الميديا ؟ .. هل ما يزال الاعلام يملك ذلك السحر، وكل تلك الموثوقية ، ام تحول الى ابواق دعائية تروج الى كل ما هو غث ورديء ؟

اين يقف الاعلامي العراقي بوصفه احد نخب المجتمع وبناته، والمصد الحقيقي الذي تتمترس خلفه الناس، ليحميها من الاستبداد والتخلف .. يحمل على كاهله هذه المسؤولية امانة جيلا بعد جيل ؟ هل تحولت المؤسسات الاعلامية الى دكاكين تستقطب الدخلاء والكسبة، وتنتج مرتزقة لا يميزون الخبر الابيض من الاسود، بعد ان اصبح الرمادي سيد الالوان؟ هل اصبح معظم صحفيي اليوم اسماء مستعارة للرغيف، بسبب تبدل الولاءات والانتماءات ؟

ان الانفجار الاعلامي بعد عام 2003 ?وظهور عشرات المؤسسات الاعلامية المرتبطة بهذه الجهة او تلك، وغياب المعايير المطلوبة التي تعتمد التقاليد المهنية، شوه صورة الاعلام العراقي واسقط الاعلامي في فخ الاذعان للسياسي، فتحول الى  مجرد مؤد ضعيف، يفتقر الى ابسط مقومات المهنة .. مجال الاعلام فرصة ذهبية له تنقله من وضعه البائس.. تخرجه من نار البطالة والوضع البائس الى جنة الشهرة والمال.

لقد اضحى اغلب الاعلاميين اليوم مستخدمين لدى اهل السياسة، لا يحملون من القيم المهنية الا بما يسمح به ولاة الامر والنهي، ولا عزاء لمصلحة البلد العليا!! ويكفي ان تطالع بعض عناوين الاخبار والمواضيع لتكتشف بسهولة مدى الدس والتسقيط والكذب والتدليس وقلب الحقائق والاستهانة بمشاعر الجمهور من اجل تحقيق مصالح شخصية وحزبية ضيقة.

ان توظيف الاعلام قتل المهنة، واسقط الاعلامي في براثن السياسة، وجعل الناس تعزف عن التعرض للاعلام العراقي، بعد ان تحول جله الى منظومة مكرسة لغسل الدماغ ، والتلاعب بالمشاعر ، ولاسيما في نشرات الاخبار ، مثلما جعل الناس تسخر من التجاذبات والتقاطعات بين السياسيين في البرامج الحوارية ، اما الجيوش الالكترونية المختبئة وراء (الكيبورد) التي تروج وتهاجم .. تشيد وتنتقد.. فقد اصبحت مكشوفة، ليفقد الاعلامي هيبته واحترامه، سواء امام اولياء النعمة، ام الجمهور على حد سواء.

نعم لم يعد الاعلام مؤثرا في المشهد العراقي .. ولم تعد للاعلامي مكانته الاثيرة كما هو الحال في معظم بلدان العالم ، لانه تخلى عن دوره، وخضع لاملاءات شخصية، ورغبات نرجسية، لا تراعي الوطن او المواطن .. اصبح يلبيها ممتهنو الاعلام في زمن فقدت فيه الكلمة عذريتها، واصبحت ارخص من لاشيء.

الصورة الاخيرة

عندما تغيب المثل العليا، وتسقط الرموز، يتداعى المجتمع، ويغدو في مهب الاهواء.. والامم والشعوب التي لاتقيم وزنا لقادة الرأي، وتنعتهم بابشع الاوصاف مصيرها الزوال لا محالة .. والعراق الذي تمزقت هويته، وتشرذم سكانه ، اصبح طاردا لابنائه الاصلاء ، مقابل ظهور طبقة من اللصوص، وقطاع الطرق، ومحدثي النعمة، والمتحذلقين، والجهلاء، والمتخلفين.

ان الوطن ليس عبارة عن حدود وثروات ، ولا مجرد شعارات أو قضية ، بل هو انتماء وهوية ، وجذور ضاربة في الأعماق ، عصية على الاستئصال والقطع ، لذا فالمرء وفقا لرؤى بعض المفكرين .. أشبه بالشجرة السامقة ، تستمد من الأعماق القيم الأصيلة ، وتطرح تحت السماء ما ينفع الناس ، ويمكث للأجيال ، في متوالية تديم التواصل ، وتحافظ على الارتباط الأزلي بين الإنسان والأرض .

ان حالة استلاب الوعي التي يعيشها المواطن العراقي منذ عقود عدة، جعله يفقد تدريجيا هذه الصلة القوية بينه وبين وطنه، ولم تسهم الحكومات المتعاقبة على اعادة هذه اللحمة، بل وسعتها وزادت من فجوتها، ويكفي ان تراجع اي دائرة حكومية حتى تكتشف مدى الاذلال والمهانة التي يتعرض لها البسطاء والعوام .

لقد حفظ الناس الخطاب السياسي عن ظهر قلب، ولم تعد تكترث او تبالي بالشعارات، والوعود الزائفة، فهي  تعيش اليوم – كما عبر المفكر الانكليزي برتراندراسل – (اليقظة التي نحياها طوال نهارنا ماهي الا نوع من الاحلام او الكابوس المستمر قد نصحو منه في وقت من الاوقات).

قد تصحو الناس وتسترد وعيها، وتتشبث بعراقها قبل فوات الاوان، وتحاسب من استخف بعقولها وعذاباتها واحلامها على مدى سنوات واعوام.. او تواصل حالة الضياع لتخسر الحاضر، وتضحي بالمستقبل، فالاوطان تهرم ايضا ، وتصل حد الشيخوخة، وربما تذوي وتموت عندما يعقها ابناؤها ، ويفضلون مصالحهم الذاتية، او يغادرون الى الشتات في رحلة بلا عودة.

مشاركة