الشباب والأمن الوطني والقومي – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

246

الشباب والأمن الوطني والقومي  – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري

على أثر الحربين العالميتين ولد عالم جديد متحرك في كافة الميادين السياسية والأجتماعية والاقتصادية والثقافية فغابت حضارات وظهرت أخرى اضافة الى ولادة تيارات سياسية جديدة وكتل دولية جديدة ظهر التيار التحرري الوطني لبلدان آسيا وانقسم العالم الى كتل سياسية تميزت بالحرب الباردة تارة والتعايش السلمي بينها تارة اخرى كما حصل ذلك بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا والصين سابقا أضافة ألى ظهور التيارات الاقتصادية والارستقراطية والإدارية وتقسيم العالم الى دول فقيرة وغنية ثم الى دول الشرق والغرب . وفي القرن الحادي والعشرين وبعد سقوط قناع السياسة الأمريكية الفاجرة عن حيائها القبيح في العالم خاصة في العالم العربي وقدرتها على قلع الحكومات من جذورها وزرع حكومات جديدة بديلا عنها سواء بالقوة أو التآمر أو التحالف كما حصل ذلك في افغانستان والعراق وتأييدها المسموم المبطن لثورة الشباب العربي في تونس ومصر وحركات المطالب في الجزائر وليبيا واليمن والعراق التي تنادي بمجموعة من المطالب المشروعة في مقدمتها اقرار العدالة الديمقراطية والمساواة وحل أزمة البطالة ورفع مستوى معيشة المواطنين والقضاء على الفساد الاداري والمالي والرشوة واشاعة الديمقراطية الشعبية واقرار حرية الرأي والتعبير والتعددية الحزبية والتنوع الثقافي والمدني وحرية الكلام واعتماد الانتخابات الحرة النزيهة وتفعيل البرلمانات والمجالس التمثيلية وتقديم الخدمات ورصد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الفاسدة ومتابعة الخطوات التي تقودها السلطات بهذا المجال .

وسط هذه التغييرات الدولية والاقليمية والمحلية ولدت الحركة الثورية العربية الشبابية التي كشفت عن قصور الاحزاب والايديولوجيات والنظريات والتيارات المختلفة في الوطن العربي عن استيعاب تناقضات المرحلة التاريخية العربية المعاصرة وفشلها في تحديد التنافس الاساسي ونوع الصراع الذي يشكل محور حياة الأمة العربية الراهنة وأمنها الوطني والقومي والسياسي والاقتصادي ثم الحفاظ على استقلالها الاقتصادي والسياسي الذي يجب ان

يكون العمود الفقري لحركة وثورة الشباب المعاصرة من اجل الحفاظ على الأمن الوطني  والقومي الذي تهدده المؤامرات الخارجية والداخلية .ومن خلال هذه الولادة الشبابية العفوية القائمة على العلاقة بين المطالب وتنفيذها من جهة وبين النضال الوطني الشبابي من اجل اسقاط الأنظمة الفاسدة من جهة أخرى حصلت التغييرات الأساسية وبسرعة في حياة الأمة العربية خاصة في الأوضاع السياسية بحيث أدت الى سقوط أنظمة سياسية معروفة وزعزعة أنظمة سياسية أخرى للتخلص من الحالات والظواهر الشاذة ومعالجة المشاكل الأساسية والمطالب الجماهيرية التي طرحتها مجاميع الشباب الوطنية من أجل أن تعود للأمة وحدتها وحيويتها وموقعها في العالم الجديد.

مطالب سريعة

وهذا لا يتحقق بالمظاهرات العفوية والمطالب السريعة وأنما يستوجب ذلك وجود قيادات شبابية ورموز قيادية منظمة تتحرك وفق ضوابط ايديولوجية معينة تستوعب ظروف المرحلة وتناقضاتها من حيث القاعدة الجماهيرية التي تستند عليها ووضوح المبادئ والأهداف التي تنادي بها ومشروعية المطالب التي تطالب بها دون أن تمس بالمال العام ومؤسسات الدولة وثرواتها الوطنية وتجعلها عرضة للخراب والدمار وهذا يتوقف على وجود المنظمات الوطنية الثورية التي تضع في مقدمة نشاطها الحفاظ على الأمن الوطني والقومي والاقتصادي بشرط أن تكون رموزا هذه المنظمات وقادتها بارزة ومعروفة وذات أيديولوجية وطنية معينة قومية أو دينية أو أممية .

لذلك لا يمكن للحركات الشبابية ومنها ما حدث في العالم العربي أخيرا أن تكون حركات ثورية منظمة ومؤثرة دون أن تكون لها قيادات تاريخية واعية تستطيع أن تملأ الفراغ السياسي والأمني والعقائدي والأداري بكوادر مناضلة وبأفكار ثورية قادرة على خلق التحولات الجديدة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والعسكري والاداري ورسم سياسة اقتصادية متينة من أجل الحفاظ على الأمن الوطني والقومي الذي سيكون عرضة للتهديد والتآمر سواء من الخارج أو من الداخل ,

لذلك على القيادة الشبابية خاصة في هذه المرحلة أن تحافظ على أمن ثورتها ومكتسباتها بأية وسيلة نضالية خاصة وسيلة تطوير نظرية الأمن الوطني والقومي التي تعتبر السور الأمين للحفاظ على مكتسبات الثورة واستقلالها السياسي والاقتصادي ورسم سياسة أمنية متينة من أجل ولادة الدولة والسيادة الوطنية والطريق الخاص للبناء الاجتماعي العربي لتحافظ على كل الأوضاع العامة والخاصة داخل تلك الدولة وخارجها .

أن نظرية الأمن الوطني والقومي من أهم المتطلبات الوطنية في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا المعاصر خاصة بعد توسيع النشاط التخريبي الجديد في الدوائر التخطيطية الأمريكية التي تستهدف الأمكانيات والأبداعات الكامنة في الشريحة الشبابية من أبناء الأمة وهذا يستلزم من القوى الوطنية وفي مقدمتها القوى الشابة ايجاد بدائل استراتيجية تلازم مرحلة ما بعد الأنفراد الأمريكي في العالم واحتلاله للعراق .حتى باتت استراتيجية الثورة والردع والرد الثوري واختيار الضربة القاسية من مستلزمات الثورة الشبابية التي ادت الى أنهزام القوة المنفردة العقيمة وغير الفعالة في أنظمة الحكم الفاسدة أو التي في طريقها الى الفساد السافر الذي صنعته الأدارة الاميركية وشجعته الأوساط المخابراتية التابعة لها لذلك أصبح من الضروري مواجهة هذه المؤامرات الأميركية التي دخلت في أشد مراحلها التخريبية خطورة حتى أصبح من المسؤولية الأخلاقية والأنسانية العمل بكل جد وأخلاص وخاصة بعد النهضة الشبابية ,حصرها في حدود ضيقة في الوقت الذي يجب العمل على ايجاد بدائل ستراتيجية جماعية يحركها الدفاع الشرعي وتدعمها الأمكانيات البشرية والعسكرية كما هو الحال الذي حصل في بعض الأقطار العربية وسقوط الأنظمة الفاسدة فيها بسبب عدم أخذها بنظر الأعتبار الأهتمام بسياسة الأمن القومي والوطني الذي يعتبر القاعدة الأساسية في حماية الأستقلال السياسي والاقتصادي والحفاظ على التنمية الافتصادية والاجتماعية والثقافية التي تخلق الأنسان المناضل الذي يدافع عن وجوده وأمنه ووطنه بخلاف ما حدث من احداث في الوطن العربي بعد ثورة الشباب. أن تحديد مفهوم الأمن الوطني والقومي يجب أن يأخذ بنظر الأعتبار الواقع الدولي وكيفية التعامل معه في ضوء المصالح القومية والوطنية لأقطار الوطن العربي من جهة وسياسة توازن القوى السياسية ومنها الشابة من جهة أخرى ومن هذا المنطلق الستراتيجي اخذ مفهوم الأمن القومي الوطني أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية تتصل بشروط تحقيق النهضة الأنسانية والمعاناة الفكرية والنفسية المعبرة عن حاجات الطبقة الشابة التي شعرت بوجودها في الوقت الحاضر.

فما هو الأمن الوطني والقومي ؟ وهل هو التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية ؟ أم هو الأستقلال السياسي والاقتصادي والأبتعاد عن أي شكل من أشكال الصراع الأيديولوجي والسياسي الذي يؤدي الى زيادة التوتر الدولي ؟ وما هي علاقة النهضة الشبابية بالأمن الوطني والقومي ؟ الأمن الوطني القومي ليس هو كل ما ذكرت فهو بشكل عام مجموعة القواعد والمبادئ التي تعمل على تنمية الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري الذي يؤدي الى تماسك الشعب بكل طبقاته ضد أي خطر يهدد الأمن الوطني والقومي العام وهذا يعني أن الأمن بمفهومه العام يتعلق بأفكار وانتماءات أبناء الوطن الأيديولوجية ومدى تفاعلها وتماسكها مع الأحداث الدولية والأقليمية والمحلية . وقد اختلفت الآراء في تحديد هذا المفهوم الذي يهم مستقبل الأمة.

حيث يرى البعض أنه يعني (رفض وجود الجيوش والقوات العسكرية وأية قواعد أجنبية أو تسهيل تواجدها بأية صيغة من الصيغ على الأرض الوطنية ) ويرى البعض الآخر أنه الألتزام بالشخصية الوطنية والقومية وأنتهاج طريق الأستقلال والسيادة القومية والرد على التحديات والاختراقات الناجمة عن التجزئة بالأنطلاق نحو الوحدة باعتبارها من ضرورات الصراع العربي مع الاحتلال والقوات الأجنبية الجاثمة على أرض الوطن .

صراعات دولية

ويرى البعض أنه أبعاد الصراعات الدولية عن الأرض العربية وعدم التدخل بها أما كيف يرى الشباب مفهوم الأمن الوطني والقومي في الوقت الراهن وفي ضوء الأحداث الأخيرة على الأرض العربية هو أن يتولى الشباب مسؤولية أمن الوطن والدفاع عنه بالأستعداد التام للتضحية وأداء الواجبات الوطنية والقومية والنضالية وتحقيق الأنتصارات ضد قوى التسلط والدكتاتورية بالأنتفاضات المحلية والثورات السلمية كما حدث ذلك في تونس ومصر وليبيا واليمن والعراق من أجل الحفاظ على سيادة الأمة وبناء الدولة العصرية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأيجاد القيادات السياسية الوطنية التي تعمل على التعاون المتبادل بينها وبين أبناء الشعب لأحداث التغييرات الجوهرية فى نظام العلاقات السياسية لكي تكون العلاقات المختلفة اكثر توازنا وعدلا بين القاعدة والقيادة بما يخدم أهداف الشعب في الأمن والسلام والتقدم الأجتماعي .وفي ستراتيجية الأمة العربية وفي ضوء السياسة الاميركية الجديدة بعد أحداث ايلول وحرب الأرهاب واحتلال افغانستان والعراق يرى الشباب العربي أن الأمن القومي والوطني أساسه المصلحة القومية والوطنية واستثمار الأمكانات والطاقات  الشبابية المتنوعة في سبيل المصلحة الوطنية واستخدام النفط كسلاح فعال وثروة دائمة في سبيل اسعاد المواطن العربي واستثمار الأمكانيات السياسية والأقتصادية في سبيل البناء والأعمار وتقديم الخدمات ومكافحة الفساد الأداري والمالي والرشوة ومقاومة العنف والأرهاب والتسلط والدكتاتورية ومناصرة الحق والوقوف بشجاعة الى جانب النهضات الشبابية في الوطن العربي لمقاومة الظلم والعدوان والتمسك بالسلطة والتوريث السياسي . ولا يفوتنا أن نعرف أن الأمن القومي والوطني في ضوء القانون الدولي هو الأبنعاد عن الصراع الدولي وذلك بالتأكيد على نزع السلاح لتخفيف التوتر الدولي باتفاقيات تحت اشراف الأمم المتحدة ومقاومة سياسة التوسع واقامة مناطق النفوذ وايقاف انتشار الأسلحة النووية وتعميق سياسة الحياد الأيجابي وعدم الأنحياز ومقاومة الأحلاف العسكرية واحترام قواعد القانون الدولي العام والمحافظة على ميزان القوى وحل الخلافات بالطرق السلمية وعدم اللجوء الى القوة وتصفية مواقع الأستعمار واعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها .في ضوء هذه المفاهيم والآراء المختلفة جاء عصر ( النهضة الشبابية ) الجديد الذي يتطلب وجود نظرية أمن وطنية وقومية جديدة وشابة ومشروعة تحتاج الى أوسع مشروع حضاري يقوم على التضامن والتفاهم بين شباب الوطن العربي من أجل وضع صيغ تنظيمية تطبيقية تقوم على مبادئ عامة تحافظ على وحدة الشباب العربي من جهة ووحدة الصف العربي قوميا ودوليا من جهة اخرى لكي لا تعطل القدرات والأمكاننيات الأبداعية والحيوية في نهضة الشباب اليوم .

أمن قومي

من هنا نرى أن الأمن القومي والوطني في حياة الشباب نابع من نظرته الى علاقة المصلحة الوطنية المتبادلة مع المصلحة القومية كهوية موحدة ذات مظاهر وجوانب متعددة من النضال والكفاح وضرورات التصدي للهجمة الأستعمارية الجديدة الهادفة الى تقسيم الوطن العربي من جديد الى دويلات واقاليم ومقاطعات وهذا يستوجب من الثورة الشبابية الجديدة والأعتماد المطلق على نفسها أولا والجماهير الواعية وتحريكها ثانيا لأن الشباب يمثل اليوم القاعدة القيادية وتمثل الجماهير القاعدة النضالية ومفتاح الأنتصار . أن السياسة الاستعمارية الجديدة اليوم تستدعي من القوى الثورية الأصيلة وفي مقدمتها الشابة المحافظة على نقاوة صفوفها وعلى نقاوة مبادئها وأهدافها من التشويهات الفكرية والسياسية من أجل استيعاب كامل لعالم شامل متحرك متغير نحو الخير والحرية والعدالة والتقدم ومعالجة مشكلات النمو السياسي والأقتصادي والاجتماعي معالجة عميقة ومبدعة بروح شبابية وقيادة ثورية واعية .

مشاركة