علماء العراق وجهلة السياسة

628

علماء العراق وجهلة السياسة

في ذكرى حسين علي محفوظ

أول من شرع القانون في الأرض وعمل به قبل (7000) سنة من أرض بابل  مهد اول الحضارات واقدمها واحكمها، نعم العراق الكبير

بحضارته وعلمائه ومثقفيه …

دائما بلد ولاد للعلماء والحكماء ولكن مع الأسف يعيشون بين جهلاء واغبياء، العلم والعلماء مظلومين في العراق …

ان علماءنا لهم الحق علينا أن ننصرهم ولو بكلمة فأرتأيت أن أتكلم عن أستاذي ومعلمي الكبير المرحوم العلامة حسين علي محفوظ

الذي كان واجهة العراق الأدبية والعلمية والثقافية …

ولد العلامة في بغداد … مدينة الكاظمية المقدسة … محلة الشيوخ … سنة (1926)وترعرع فيها واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة ودخل الاعدادية المركزية وتخرج فيها بتفوق ودخل دار المعلمين العالية (كلية التربية حاليا)

قسم اللغة العربية وحصل على شهادة الليسانس (بكالوريوس) دخلها سنة (1944)

وتخرج سنة (1948) واساتذته محمد مهدي البصير ومصطفى جواد رحمهما الله تعالى .

واكمل الدراسات العليا بالأدب المقارن في جامعة طهران .. إيران ..

وحصل على الدكتوراه سنة (1955) وكان من الأوائل

شهادة حقيقية

والذي أبهر به أساتذة الجامعة لعلمه وأخلاقه وتواضعه ؛

وله حكاية في هذه الجامعة فعندما أراد الذهاب إلى طهران لتكملة دراسته ذهب قبل رحيله إلى المرحوم السيد اسماعيل الصدر وسأله هل لديك معرفة بأساتذة جامعة طهران .. فأجابه : نعم لي معرفة برئيس الجامعة وسأبعث معك رسالة له وعندما وصل وأعطى الرسالة ابتسم رئيس الجامعة وقال له هل قرأتها اجابه كلا وبعد تخرج العلامة بدرجة دكتوراه كشف له عن محتوى الرسالة التي يوصي بها السيد اسماعيل الصدر

(بعد التحية والسلام : ها قد بعثت لكم من هو أبلغ منكم

ولا تساعدوه إلا من حيث السكن فقط لأنه سينال الشهادة العليا

ويتفوق على كل من في الجامعة)…

وكانت هذه الرسالة شهادة حقيقية حصل عليها الدكتور

ولها قيمة معنوية إضافة إلى شهادة الدكتوراه …

وكان له مقعد في  روسيا وكان رئيسا لقسم الدراسات الشرقية لمدة أربع سنين ونال عضوية المجمع اللغوي الهندي والتركي والفارسي … وله معجم للغة الفارسية وله أطروحة الموسومة (المتني وسعدي) التي نالت جائزة الدولة آنذاك لأحسن كتاب الف سنة (1957) وكان له (عمود صحفي) في جريدة القادسية العراقية آنذاك ويصدر مقاله كل يوم ثلاثاء ويتكلم فيه عن أدب أهل البيت عليهم السلام والملفت للنظر أن الجريدة في ذلك اليوم تنفذ وتكون أكثر مبيعاتها ولا يبقى أي نسخة مما أثار فضول الحكومة آنذاك مما جعل رئيس النظام السابق الذي كان يتابع الجريدة بشكل خاص وسأل عن سبب نفادها فعرف السبب وكرم العلامة وقتها….

لقد كان المرحوم واجهة العراق العلمية والفنية والادبية والثقافية فقد كان يرسل دائما للمؤتمرات الدولية والعربية وكان ممثلاً رائعاً وخير سفيراً للعراق في المحافل الدولية مما اثار الحاقدين والحاسدين عليه وقام نفر ضئيل من ضعفاء الأنفس ان يكتبوا عليه انه من اصل إيراني (فارسي) لذا يتوجب إخراجه من العراق وترحيله الي ايران ولكن نظام الحكم آنذاك دقق بالأمر وكشف زيف الحاقدين وأكد عراقيته وعروبته ، وعند معرفة الدكتور باللجنة التي شكلت للتحقيق ومعرفة الأشخاص الذين كتبوا عليه وهم اصدقاء له بل وأساتذه معه لكنه مع الأسف لا يملكون من الإنسانية  شيئا ولم يتخذ تجاههم اي شئ وعفا عنهم .

ومن اسرار العلامة ان المرجع الديني السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) كان يتردد دائماً عليه ويأخذ درساً في علم الإنسان وكان متفوقاً فيه علماً ان الدرس كان سرياً لدوافع استخباراتية . وكان المرجع محمد الصدر يردد دائماً المقولة المشهورة الشيخ مرجعي وهذا اللقب للعلامة محفوظ ، وفي احد الأيام زار الدكتور السيد محمد صادق فطلب من طلبته الخروج من الغرفة ليختلي مع الدكتور وكان يردد لقد جاء الأستاذ فيبتسم الدكتور ويقول له لا تقل استاذ إنها كلمه فارسية بل قل مُدرسي وهذا التلاقي بين علماء الدين وعلماء الأدب دليل على إرتباط العلوم بعضها ببعض وتواضع العلماء فيما بينهم .

والسؤال المطروح ماذا عمل ساسة المصادفة لعلماء العراق بكافة المجالات .

ساحة خالية

لقد قتلوا منهم الكثير وشردوا اخرين وخطفوا اخرين وساوموا المتبقين وجعلوا ساحة العراق خالية من العلماء والحكماء والأطباء والكفاءات العلمية فبقى الجهلة والجهلاء والقتلة والمنتفعين يسرحون ويمرحون واما الشرفاء والحكماء اللذين لا يملكون اموالاً للخروج من بلدهم بقوا ملازمين بيوتهم متألمين ومظلومين تجرهم الحسرات لبلد ضاع بين جهلاء ..

رب سائل يسأل لماذا الدول الغربية وامريكا وحتى الدول العربية الخليجية تقدر العلماء والحكماء وتحترمهم وتحتضنهم وهذا شئ طبيعي ومتوقع من دول تحترم العلم والعلماء …

و اود ان انوه على صورة انتشرت في اوربا وحتى الأن صورة لطفل وهو يتبول ولا احد يعرف ما معناها!!

وإليكم السبب والقصة لهذه الصورة : في إحدى قرى فرنسا نشب حريق في القرية وهرعوا الناس لإطفاء الحريق الذي اخذ يتسع كثيراً وأثناء انشغال الناس بجلب الماء لإطفاء النار انتبهوا لطفل يتبول على النار لإطفائها وبعد الانتهاء من إخماد الحريق ذهبوا للطفل وسألوه لماذا فعلت ذلك ؟ قال لهم إنني لا استطيع حمل الدلو وجلب الماء لإطفاء النار فعملت ما استطيع عمله لمساعدة الآخرين وإني اعتذر منكم لعملي هذا …

لقد فوجئ الناس بجوابه مما جعلهم يكرموه ويعملوا له تمثالاً بل اصبح معروفاً دولياً بالمطاعم والفنادق والأماكن العامة .. انظروا إلى هؤلاء الناس الذين يملكون الإنسانية كرموا طفلاً لتبوله ونحن نقتل علمائنا لعلمهم ومعرفتهم شتان بين اثنين ….!!!!!

إن العلامة كان عالماً جليلاً ومفكراً قديراً أطلق عليه العديد من الألقاب فقد قيل عنه (انه مكتبة متنقله) ، (انه ذخيرة معرفية متنقلة) ،

(اكثر علمه يختزنه بذاكرته) ، (ذاكرته صافية وكبيرة) ،

(استاذ المستشرقين) ، (الأستاذ الأقدم) ، (المصدر الكبير) ،

(الموسوعة المتحركة) ، (المرجع الكبير في العراق) ، (شيخ بغداد)

وهذا احب الألقاب لديه .

وقد تخصص بعلم الحديث وعلم الرجال وكان موضع اعتماد الكثير من علماء الحديث والمحدثين وله مؤلفات عديده منها

(كتاب الأخلاق ، الطب ، الكيمياء ، المصطلحات والمفردات والجواهر والزراعة) وله اطروحات عديده لطلبه الماچيستير والدكتوراه .

لقد أسس في عام (1969) قسم الدراسات الشرقية بجامعه بغداد وكان رئيساً له لعام (1973).

وكان استاذاً يدرس الأدب المقارن للمرحلة الرابعة – قسم اللغة الفارسية – كليه اللغات جامعة بغداد وكانت محاضراته ممتعة ومفيدة للطلاب علماً ان محاضراته لا يتغيب عنها اي طالب وكان يبقي باب القاعة مفتوحاً ويقول للطلبة من يريد البقاء للاستفادة والعلم فليبقى ومن يريد المغادرة فليغادر لا اغيب ولا افصل اي طالب لأنه كان يتعامل مع الطالب اباً واخاً وصديقاً…

كلمات عالقة

كان يحث الطلبة على العلم والثقافة والأدب ونقده بناء فأذكر له كلمتين قالها في عام 1989 لطلاب المرحلة الرابعة وهي عالقة غي ذهني الكلمة الأولى (ان الشعب العراقي اكثر شعوب العالم كفراً بالله) واستغفر الله تعالى من هؤلاء الأشخاص واتبرأ منهم فإنهم في اي مشادة كلامية او خلاف بين شخصين او معركة بالأيدي والألسن فإنهم سرعان ما يتلفظوا بأسوا القول ويكفروا بخالقهم والعياذ منهم والكلمة الثانية (ان العراقيين ايضاً اكثر شعوب العالم تستهين بلفظ الجلالة (الله) عز وجل) عندما اسأل احدكم لماذا تأخرت عن المحاضرة فيرد ويقول (والله استاذ ازدحام) او (والله استاذ استيقظت متأخراً) او (والله استاذ مريض) ووووووو………

ويعقب الدكتور ويقول ان لفظ الجلاله عظيم فلا يجوز لفظه بأعمالكم وافعالكم التافهة وكلمه الخالق تطلق للعبادة والتوكل على الله في اعمالنا الخيرية ..

لقد رحل العلامة وبقي فكره وعلمه وظُلم بسبب جهل الساسة فلم يكلفوا انفسهم بتسميه شارع باسمه او تسمية قاعة دراسية بجامعة بغداد باسمه إكراماً له بل حتى كتبه ومكتبته بيعت بأبخس الأثمان والمفروض على الدولة الإحتفاظ بها وجعل الناس يستفيدون منها ..

وعلى العكس نلاحظ انهم لا يذكروا حتى اسمه يخافون منه لأنه صاحب فكر وعلم والفكر اخطر عليهم من السلاح ..

لكن لا يهم إذا كان العالم قد ظُلم في حياته ومماته .. لكن علمه وفكره ينير اصحاب العقول والألباب وهم الذين نعول عليهم بالنهوض بواقع بلدنا المرير وجهل شعبه المركب …

وما كتبنا عن العلامة الدكتور حسين علي محفوظ استاذي ومعلمي

إلا القليل جداً وهذا اقل مما يستحق إن عملنا إقرار بالجميل والعرفان ولأنه يستحق منا الكثير رحمك الله تعالى وادخلك فسيح جناته

استاذي ومعلمي الجليل …..

(من علمني حرفاً ملكني عبداً)

(اطلب العلم ولو كان في الصين)

(كاد المعلم ان يكون رسولا)

محمد عبد الرضا الحسني –  بغداد

مشاركة