العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية -2

1722

العنف وفريضة اللاعنف.. شذرات من تجربة شخصية   -2

قوات الإتحاد الكردستاني هاجمتنا بطريقة غادرة ومخادعة بدعم وتواطؤ حكومي

عبد الحسين شعبان

بيروت

” لقد درست نظرية اللاعنف، ولست بعيداً عن الخلوص

إلى أنها تمثّل حقيقة، حَرِيّة  أن يبشّر بها بالمثال،

لكنها تستلزم عظمة لا أتّصف بها”

ألبير كامو

{ أكاديمي ومفكر عراقي.

دعوات لا عنفية

وبسبب موجة العنف وما أنتجته لم يكن الميل شديداً لدى القوى السياسية، لاسيّما في الممانعة إلى استخدامه،خصوصاً بتبدّل الأوضاع، وبعد فشل الحلول العسكرية للمسألة الكردية، طُرحت بعض المقترحات والأطروحات التي تدعو إلى المفاوضات والحوار وقد أدى الشخصية الوطنية الكبيرة عزيز شريف دوراً في تليين قناعات الحكومة والحركة الكردية المسلحة، باتجاه حل سلمي يرضي الطرفين ويضع البلاد على طريق التنمية وكان رسولاً أميناً بين الرئيس أحمد حسن البكر والزعيم الكردي مصطفى البارزاني، حتّى تم التوصّل إلى توقيع بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 لحلّ المشكلة الكردية باتجاه الحكم الذاتي، الذي مثّل خطوة إيجابية، بل هامة ومتقدّمة آنذاك.

لكن تدهور الأوضاع وضعف الثقة بين الطرفين وضع حيثيات هذا الحل على المحك واندلع القتال مجدّداً في العام 1974، واضطرّت قيادة الحركة إلى اللجوء إلى إيران وذلك بعد توقيع اتفاقية 6 آذار (مارس) 1975. وكانت نتائج تلك المعارك وخيمة، حيث سقط فيها  نحو 60 ألف ضحيّة وتم تدمير منشآت ومرافق حيوية وخسارة ملايين الدولارات ، ناهيك عن التدخلات الخارجية التي أدت دوراً مؤثراً في التشدّد من جانب الحركة وهو ما انتقده لاحقاً الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني.

ومن جهة أخرى كانت السلطة تزداد تشدّداً وتضييقاً على الحركة الكردية، على الرغم من طرحها مشروع ” الحكم الذاتي”، لكن ذلك لم يمنع من اتخاذها إجراءات تعسفية مشدّدة، وهكذا انقطع حبل الود والثقة في مسيرة الحل السلمي وازدادت اللوحة قتامة باندلاع القتال وما بعده، ولم أجد مبرّراً مقنعاً حينها لانخراط الشيوعيين في القتال مع الحكومة ضد الأكراد، خصوصاً ما أعقب ذلك من أعمال عنف وتهجير وقسوة لم يكن لها مبرر على الإطلاق.

العنف ضعف وليس قوة

كنتُ أنظر إلى العنف باستمرار باعتباره نقطة ضعف وليس مصدر قوة، والقوة غير العنف، بل هي ما أخذت أعبّر عنه بالتدريج بواسطة اللّاعنف، سواء أسميته أو لم أسمّيه، خصوصاً في الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني كقوة اقتراح واحتجاج في آن، للتأثير على أصحاب القرار، لأنها تتمثّل في إرادة بالمواجهة والمقاومة والمجابهة بوسائل لا عنفية، وقد مثّل العنف بالنسبة لي باستمرار ظاهرة غير شرعية أو أن شرعيتها ناقصة أو لم تكتمل بغض النظر عن مسوّغاته.

وكانت تلك الإشكالية محطّ تساؤل مستمر بيني وبين نفسي، لاسيّما بين ما هو أخلاقي وبين ما هو سياسي أو فكري إضافة إلى ما هو قانوني، على الرغم من الشعارات ذات الرنين العالي والمبرّرات الكثيرة، وكنتُ أجد حرجاً أخلاقياً مع نفسي حين يتم تبرير القتل وما سواه من وسائل إرغام.

وحتى حين يتم اللجوء إلى العنف اضطراراً، كما سترد الإشارة إليه، فإن فريضة اللّاعنف ستبقى هي الأساس، ولذلك فإن ضرورات استخدام العنف لا تلغي تلك الفريضة، التي ينبغي أن تظل بوصلتها هادية، ففيها التعبير الحقيقي عن إنسانية الإنسان وميله، بل وسعيه باتجاه أنسنة سلوكه وتحضّره ومدنيته وبالتالي تحقيق إنسانيته.

العنف والآيديولوجيا

حاولت الآيديولوجيات التي عملنا تحت لوائها أن “تعقلن” العنف و”تُشرْعنْ” القضاء على الخصم، باسم “الشرعية”، التي تكتسب عنوان مصالح الطبقة العاملة في الفكر الشيوعي، وذلك بتأكيد استمرار الصراع الطبقي الذي هو في الغالب يتحوّل إلى صراع عنفي لأنه صراع تناحري إلغائي، وفي الفكر القومي – البعثي إلى مصالح الحزب والثورة وتحرير فلسطين، حتى لو تطلب الأمر إلغاء الآخر بالعنف، طالما يكمن الهدف في “المصلحة القومية “، أما بالنسبة للإسلاميين فمصالح “الأمة الإسلامية” في الفكر الإسلامي، هي الأساس.

وحسب الفقه الشيعي فالمعركة والقتال يمكن أن يستمرّا حتى ظهور “المهدي المنتظر”، أي أنه سيكون دائمياً وسرمدياً، وحسب الفقه السني بسط إرادة الإسلام ونشر دعوته في مواجهة الكفر والضلال إلى يوم الدين، وقد بلورت داعش وأخواتها ذلك بالجهاد متعكّزة على حجج ماضوية لا يجمعها جامع مع تعاليم الإسلام السمحاء، وأقصد به روحه ومقاصده ، ناهيك عن لغة العصر.

إن الآيديولوجيات الشمولية جميعها  وقعت في نهاية المطاف ضحية نفسها، فـ”العنفية العقلانية” التي حاولت التعكّز عليها كان هدفها إيجاد مبرّرات مشروعة لها لممارسة العنف ونزع سلاح الخصم وإرغامه على الانصياع، لكن تلك العنفية العقلانية ذاتها، استخدمت ذريعة للتصفيات الداخلية بزعم التآمر أو مخالفة المبادئ أو ما سوى ذلك من مبررات وراح ضحيتها أقرب الناس إليها.

وكم من مرّة في التاريخ القريب وليس البعيد “الثوري وغير الثوري” يحصل هذا. ونستحضر هنا ما قام به هتلر في الحادثة المشهورة بـ “ليلة السكاكين الطويلة” أو “عملية الطائر الطنان” وهي عملية التطهير التي وقعت في ألمانيا النازية بين 30 حزيران(يونيو) و 2 تموز(يوليو) 1934، عندما نفذ النظام النازي سلسلة من عمليات الإعدام السياسية. ومجزرة الثلاثينات وما بعدها التي ارتكبها ستالين بحق رفاقه، ثم أصبح العدد بمئات الآلاف، بل بالملايين، وسار على هداه منغستو هيلا ميرام (أثيوبيا)  الذي دعا قيادته إلى وليمة للدم فقام بتصفيتهم، وحصل الأمر على نحو مشابه في أحداث اليمن والصراع الدموي الذي راح ضحيته قيادات بارزة من الحزب الاشتراكي وفي مقدمتهم عبد الفتاح اسماعيل، إضافة إلى نحو 13 ألف إنسان، وشهدت بغداد مجزرة قاعة الخلد العام  1979 التي أودت بنحو ثلث القيادة القطرية لحزب البعث وعشرات من الكوادر المتقدمة وغيرها.

وقد برّرت الآيديولوجيات الشمولية، اليسارية والفاشية والقومية والدينية، وخصوصاً في التطبيقات الملموسة والعملية، التضحية بالبشر لأجل الهدف، وكل حسب منطوقه، وبهذا المعنى حتى لو كانت الغايات نبيلة ، فإن التباس  الوسائل، لاسيّما اقترانها بالعنف يهدّد الغايات ذاتها، حيث يصبح العنف ماكنة عمياء للدمار والهدم والمحق والموت.

كل ذلك يتم إدراجه حسب الآيديولوجيات الشمولية تحت عنوان “الوعد” بسعادة مؤجلة للبشر والأهداف الكبرى والطموحات العظيمة، وهذا ليس سوى جعل كرامة الإنسان وحقوقه، ورقة للمقايضة بزعم المستقبل، أي مقايضة التنمية وحقوق الإنسان وخياراته الحرّة، بأهداف آيديولوجية شمولية ووعد مستقبلي.

وحسب ألبير كامو إن الدفاع عن الحقيقة بواسطة العنف، هو البدء بإنكارها إذْ يفترض  الدفاع عن القيم النبيلة احترامها أولاً وقبل كل شيء لا انتهاكها بزعم توفير فرصة مستقبلية لاحترامها،أي إن وسيلة النضال ينبغي أن تكون عادلة ونبيلة بالانسجام مع الهدف العادل والنبيل، حينذاك سيكون مثل هذا التماهي بين الوسيلة والغاية أساساً في الانتصار الحقيقي، أي انتصار إنسانية الإنسان.

كنت أتجرّع بمرارة أفكار العنف التي تحوم حولي وأجد في نقيضها راحة وطمأنينة ورحابة، وقد يكون بحكم تكويني العائلي وبيئتي الأولى المتسامحة والمسالمة، لست بعيداً عنها، وأقدّر هنا فضل والدي وأعمامي وأخوالي الذين لم يكن أحد منهم يميل إلى العنف، وإن تربيتهم لأولادهم وبناتهم كانت سلمية، بل إن العنف العائلي، لم يكن معروفاً في بيتنا، مثلما أعرف ذلك في بيوت الأعمام والأخوال جميعهم.

ولذلك حين بدأ وعيي الأول بالتكوّن كنت نافراً من العنف بصورة عفوية من دون فلسفة أو وعي. وحين التحقت بفصائل الأنصار الشيوعية لم يكن في بالي إطلاقاً أن يكون لديّ سلاح شخصي أو أنه يجب عليّ حمله، فذلك لم يكن بالنسبة لي سوى مناسبة لالتقاط صورة تذكارية ليس أكثر من ذلك، لأن مهمتي كانت إعلامية وثقافية، حيث كنت مسؤولاً عن فصيل الإعلام المركزي والمنظمة الحزبية فيه، وكان لنا جريدة وإذاعة، مثلما كنت منشغلاً في قضايا التثقيف وإلقاء المحاضرات والعمل الفكري عموماً، ولاسيّما من خلال لجنة العمل الآيديولوجي، كما كان اسمها.

وحين هوجمنا من جانب قوات الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)  بطريقة غادرة ومخادعة، بدعم أو تواطؤ حكومي (أيار/مايو/1983)، كنتُ قد أعطيت ما خصّص لي من سلاح وهو مسدس لم أفتحه ولم أعرف كيف يطلق النار ولا فكّرت حتى من باب الفضول الاطلاع عليه، أعطيته إلى أحد رفاقي، وحين سألني كيف ستدافع عن نفسك حين يقترب  المهاجمون منّا، فرفعت له القلم الذي كان في جيبي وقلتُ له بهذا ، قال لي الأمر غير معقول، فقلت له لم أتعلّم مهنة القتل، ولست راغباً في تعلّمها حتى لو يكلفني الأمر حياتي، لأنها مهنة مقرفة وأنا غير مستعد لاستبدال القلم بالبندقية، واختتمت حديثي بـ” البركة بالموجودين الذين سيقومون بذلك” وقد كان من بين صفوفنا شباب شجعان بلا حدود وهو ما سبق لي أن قلتُ أكثر من مرّة “إنني أنحني لهم ” مثلما كان هناك بعض المتخاذلين.

ثم مازحته على الرغم من أننا كنّا في وضع مزري جداً وإن وضعي الصحي لم يكن حينذاك على ما يرام، بقولي ونحن ننسحب بعد قرار بإفراغ موقعنا في بشتاشان، إن المسدس ثقيل عليّ حمله، لاسيّما حين توجهنا لعبور جبل  قنديل الشهير والذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدماً وتكسوه الثلوج شتاء وصيفاً، باستثناء شهري تموز وآب (يوليو واغسطس)، حيث سرنا على الأقدام أكثر من 32 ساعة، حتى وصلنا أول موقع للحزب الديمقراطي الكردستاني، واتضح أنه بالقرب من قضاء “خانة” داخل الأراضي الإيرانية.

وكان نوع السلاح الذي يخصّص للقادة أو الكوادر المتقدمة هو دليل على المكانة التي تشير إلى الاحترام والهيبة التي تفرضها العلاقة بالفلاحين وأبناء القرى التي نمرّ عليها أو يمرّون علينا، وقد بقيت رافضاً حمل السلاح، طيلة فترة وجودي في قوات الأنصار، بما فيها خلال احتدام المعارك التي راح ضحيتها نحو 60 نصيراً شيوعياً، غالبيتهم الساحقة من أصدقائي أو معارفي، لأنني كنت أشعر أنني لم ” أخلق” لهذه المهمّة. وقد كانت تلك إحدى نقاط التحوّل في حياتي نحو العمل اللّاعنفي والحقوقي والإيمان بقيم التسامح وفريضة اللّاعنف.

يوم اللاعنف العالمي

حين قررت الأمم المتحدة في العام 2008 اعتبار 2 تشرين الأول (أكتوبر) من كلّ عام يوماً عالمياً للاعنف، التَفتَ  العالم إلى أن هذا اليوم يصادف عيد ميلاد غاندي، فيلسوف المقاومة السلمية – اللاعنفية، وكان ذلك الإعلان قد صادف مرور 60 عاماً على اغتياله 1948، و40 عاماً على اغتيال مارتن لوثر كينغ 1968 قائد الحركة المدنية الأمريكية المطالبة بالمساواة. وهكذا أصبح مبدأ اللاعنف الفلسفي بقرار الأمم المتحدة عالمياً.

والتقط الفكرة شخصيات لاعنفية عربية ريادية كان لها باع طويل في هذا المجال، فبادرت في العام ذاته لتأسيس جامعة اللّاعنف في لبنان والتي أُطلقت في العام الذي تلاه، الأمر الذي وضع فلسفة اللّاعنف ونشر ثقافته موضوعاً راهناً، ليس في جانبها الأكاديمي فحسب، بل في جانبها الاجتماعي والمدني، بحيث دخلت الساحة الفكرية، كإحدى الفلسفات المُعترف بها والتي تمثّل مرجعية ذات خلفية بحاجة إلى المزيد من التعمّق لتأصيلها، وهو ما وجدت نفسي منخرطاً فيه مع أصدقاء وأحبّة وفي مقدمتهم أوغاريت يونان ووليد صليبي وإلهام كلّاب ووفاء الضيقة حمزة وموسى فريجي وعصام منصور وانضّم إلى مجلس أمناء الجامعة ” العالمي” عدد من الشخصيات المهمة بينهم من يحمل جائزة نوبل وبمشاركة فاعلة من صديقنا جان ماري مولر وآخرين. وكنت قد هيّأتُ نفسي لمثل هذا التحوّل على مدى يزيدُ على ربع قرن من الزمان من خلال كتاباتي والعديد من الفعاليات والأنشطة التي نظمتها حول التسامح والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

غالباً ما نجد في الثقافة السائدة في مجتمعاتنا مبرّرات وذرائع وحجج لاستخدام العنف، والسؤال الذي يظلّ حائراً : من المسؤول عن العنف، هل الإنسان، بما يمثّله من إرادة ووعي وعقل أم إن للطبيعة البشرية دور في ذلك، إضافة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية ووراثية وغير ذلك؟

وثمة أسئلة من هذا القبيل، هل يبقى العنف أزلياً أم أنه يمكن أن يكون عابراً في التاريخ؟ ونعيد طرح السؤال بصورة أخرى: هل يمكن التغلب على العنف، أم إن الدعوة إلى اللّاعنف هي صيغة مثالية؟ وماذا عن الطبيعة الإنسانية؟ أليس هي عدوانية عنفية أم أنها تلوّثت بذلك؟ وثمة شحنات لا عنفية لدى كل إنسان يمكن تنميتها وتطويرها والانتقال بها لتصبح منهجاً غالباً وقاعدة راسخة، ثم كيف يمكن تحريكها وتحفيزها خصوصاً بضخّها بالثقافة اللّاعنفية والكشف عن الجوانب الكامنة لإظهارها؟ خصوصاً إذا توفّرت شروط موضوعية وأخرى ذاتية.

مشاركة