حكمة الرحيل

600

حكمة الرحيل

ما بين حيّ بن يقظان وروبنسون كروزو  – عمر يقرر الرحيل ..

عمر يقررُ الرحيلَ .. من بلد مكتظ بالشرورِ والغدرِ الى بلدٍ زاخر بالخيرِ والحبِ

ذات يوم قررَ عمر ان يحزمَ حقائبهُ بعد تفكيرِ وتجارب ، وذلك لأنه لم يجنِ من بلدهُ سوى العذاب – هرَباً من زيد

زيد الذي كان محبا لكل ما هو سيءٌ ، وبدون حدود ونوازع ، وتسْيرُه وتتحكم فيه غرائزهُ – محركات سلوكهُ الوضَيع ،  ويتحكم بآناس يؤازرونه فيما هو يَسير ، ويحاور عمر نفسه بنفسهِ :

 هل يا ترى يمكن العيش بشكل مستقل ، دون مجتمع ودون عادات ولغة ؟

هل هو نوع من الخيال والمثاليةِ الحالمةِ أم هي نوع من السذاجة ؟

 وهل تنتهي المعاناة التي صنُعتها لنفسي ؟

وكيف لزيدٍ ومن بعد زيد – أن يسيَر في طريقهِ واسلوبهِ وعاداتهِ ؟

ومن ثم الى اين ؟ الى بلد آخر وما بعد الوصول ماذا وجدتُ ؟

عاداتُ ليست كعاداتي وحياة ليست كحياتي ولغةُ ليست كلغتي

نعم .. حياةٌ جميلةٌ وهادئةٌ ومتقدمةٌ وحتى رغيّدة …

لكن الانسانَ فيها مجردٌ من معنى الانسانية على الاغلبِ

وفلسفة منفعية ” شيء مقابل شيء “

عمر مخاطباً نفسه مرّةٌ اخرى – قررتْ الرحيَل الى اين ؟

الى غابرِ الزمانِ – لأبتعدَ عن سالفِ العصرِ والأوان ، لا أرى زيدٌ وقمقمهً ولا يراني

ويبقى زيد يحملقُ ويهزُ رأسهُ متوعداً …

قررتُ لبرهة من الزمن أن اجلسَ على قارعةِ الطريقِ

على رصيفِ الانتظار ، تعصفُ بيّ الذكريات ، من اين اتيتُ الى اين انتهيت – خطان مختلفان ، من المحسوسِ الى المعقولِ ومن الخيالِ الى الحقيقةِ ومن الرومانسيةِ الى الواقعيةِ

كل هذا الهمّس الخفيف من داخل نفسي .. انني افكُر بصمتٍ لكن بصوتٍ عالٍ

يمزقُ صداهُ افكاري البسيطة والمعقدة ؟

 يا إلهي هذا مالم أكن أتوقَعهُ ، هل تعيّ ما تفعلُ  يا عمر

أجّل انا في تمام الوعي .. أذن ما ذلك الفراغ الشاسع في داخلي

هل اصبحَ مثلَ زيد وامثاله ام يصبح زيدٌ وامثاله قريناً ليّ

وكيفَ تتقبلُ مداركي الحسية ، سمفونية زيدِ واقرانه ، وانتظر شيطانهُ يفترسني لكي يصرع ملاكي –  ملاكي هو محرك ثورتي ضد كل ما هو باطل  وانتظره ليحجبَ الشمسَ والنور .

وسقوطَ القمرِ على دَاريّ ، ويشيعُ الظلُام والليلُ الطويل انا على الاقل صادقٌ مع نفسي

لأ كن الرّبان  ، لأجل امثالي ، هو ليس غريبا ، ولكنهم سيعرفون من هو …  وهذا هو ليس الخوفَ ، لأمنعَ الاخرين من الخوفِ نفسه

لأضيفَ سطرا جديدا الى ذاكرتي ولن يخُطر على فكّري النسيان

واستيقظتُ اخيرا .. ما هذا يا عمر ومن هو زيد

ما هذا .. اني احلمُ .. اني احلمُ

بلد آخر !  لا يوجدُ شيء اسمه بلد آخر  .. الخلّل ليس في البلد أنما في بعض البشر

الخير والشر ، الأبيض والاسود ، الحب والكراهية  ومن هنا وهناك .. هذا هو الانسان ..

ولا قيمةٌ لحكمةِ الانسان اتجاه حِكمة الرحمنْ .

حيدر زكي  –  الناصرية

مشاركة