الذكرى المئوية لميلاد عبد الناصر 2-2 – مبدر الويس

933

الذكرى المئوية لميلاد عبد الناصر      2-2

المشروع النهضوي والأنهيار العربي والهيمنة والطائفية

مبدر الويس

 فإساءة الحاكم في تصرفاته يجب أن لا تحسب على الفكر القومي أو أي فكر آخر ، فالفكر هو مبادئ وأهداف ومشاريع لا علاقة لها بتصرفات الحاكم سواءاً حسناته أو أساءاته . فأعداء الفكر القومي في مختلف مشاريعهم  وأتجاهاتهم ربطوا وعن عمد بين ما أرتكب من جرائم في ظل النظام السابق ونسبوها إلى الفكر القومي ، وهو أمر غير مقبول علمياً  ومنطقياً ، وإلاّ لجاز لنا أن نربط بين ما يجري من جرائم لقتل الأبرياء وأغتصاب النساء وسرقة أموال الناس وخطفهم التي يقوم بها عصابات داعش الإرهابية ونربطها بالأسلام لأن داعش يقوم بكل هذه الجرائم بأسم الإسلام ، وهذا غير مقبول أطلاقاً لأن الإسلام كعقيدة سمحاء تنشد العدل  والسلام بين الناس ، وإنما هذا الإجرام مصدره هؤلاء المجرمين الذين ينسبون تصرفاتهم إلى الإسلام . وهذا ينطبق على الفكر القومي الذي كان يتبناه نظام البعث السابق الذي أرتكب كثيراً من الجرائم بأسم الفكر القومي ، في حين إن الفكر القومي لا علاقة له بالجرائم التي يرتكبها الحكام من أجل محاربة الخصوم بهدف البقاء في السلطة . لقد لعبت الناصرية دوراً فاعلاً في تعزيز الفكر القومي ، حيث كانت ثورة يوليو/تموز/1952 بعد قيامها تعد رائدة لهذا الفكر من أجل تحرير البلدان العربية  والعمل لتحقيق الوحدة العربية . كما واصلت ثورة يوليو إنطلاقاً من نهجها القومي التقدمي في ضرب مصالح الدول الأستعمارية في البلدان العربية ومقاومة الهيمنة  والتبعية للقوى الأجنبية بكافة أشكالها كما قاومت الأحلاف العسكرية في المنطقة العربية وفي مقدمتها حلف بغداد الأستعماري الذي سقط بقيام ثورة 14/تموز/1958 في العراق . وبذلك تكون ثورة يوليو قد رفعت من شأن الفكر القومي وعززت وجود القومية العربية كحقيقة واقعة لقيادة النضال العربي ورفعت من شأنها في عقد الخمسينات والستينات في القرن الماضي والتي سميت بفترة المد القومي وبذلك تحولت مصر في العهد الناصري إلى قاعدة للنضال القومي العربي والعالمي في مقاومة الهيمنة الأجنبية والصهيونية والأستعمار وأقامت ثورة يوليو وبعدها الجمهورية العربية المتحدة أوثق العلاقات الوطيدة مع الاتحاد السوفيتي آنذاك وأذكر جيداً عندما كنت في القاهرة في بداية سبعينات القرن الماضي تعرفت على المرحوم عبد الله الريماوي الذي كان وزيراً لخارجية الأردن والذي قاد حركة فاشلة مع قائد الجيش الأردني علي أبو نوار لإسقاط نظام الملك حسين وإنضمام الأردن إلى الجمهورية العربية المتحدة وقد ذكر لي إنه كان يزورعبد الناصر في بيته شأنه شأن بعض السياسيين العرب اللاجئين في القاهرة وإنه كان يستقبلهم كصديق في بيته ، وفي إحدى الزيارات قال له عبد الناصر (ماذا أفعل لكم أنتم أخواننا العرب أكثر من أنني حولت ثلاثين مليوناً في مصر كانوا ينادون بأنهم فراعنة ومعهم بعض المثقفين ، فقلت لهم لا نحن عرب وجزء من الأمة العربية وثبت ذلك في الدستور) . لقد كان عصر عبد الناصر عصر الأستقلال والسيادة والكرامة العربية ومقاومة التبعية والهيمنة الأجنبية وغطرسة الكيان الصهيوني ، فهو القائل (أرفع رأسك يا أخي لقد ولى الأستعمار) حيث لم تكن لعبد الناصر علاقة دبلوماسية عند وفاته مع بريطانيا وفرنسا وأمريكا ، ومع ذلك تم أختياره من قبل الناشرين الدوليين كأحد عمالقة القرن العشرين المائة الأوائل في العالم في نهاية القرن عام 2000 نشرتهم الصحافة الأجنبية ومنها جريدة الديلي تلغراف البريطانية الواسعة الأنتشار وكان عبد الناصر الوحيد من العرب في مائة عام ، وذلك وفق شرطين كما ذكرت الصحيفة ، الأول تأثيره محلياً وعالمياً في حياته والثاني في أستمرار هذا التأثير بعد وفاته . والمعلوم إن الناشرين الدوليين هم معظمهم من الدول الغربية الأستعمارية أعداء عبد الناصر  ومع ذلك كانوا موضوعيين في حكمهم . فالديمقراطية كأسلوب لنظام الحكم تعتبر هي الأفضل بين أنظمة الحكم التي أبتدعها العقل البشري لحكم البلاد حتى الأن ، فالديمقراطية تضمن التطور والرخاء للبلاد ، وتضمن في الوقت نفسه حقوق المواطنين وحرياتهم والمساواة بينهم دون تمييز كما تحافظ على سيادة البلاد  وأستقلالها وتضمن وجود قضاء عادل ومحايد ونزيه كما ترفض الديمقراطية كافة أشكال الهيمنة والتبعية للقوى الأجنبية ، وفي بلدنا العراق منذ إقامة نظام الحكم الملكي فيه عام 1921 ، لم يعرف الديمقراطية الحقيقية حتى الآن . ففي الحكم الملكي الذي أمتد حتى عام 1958،

هيمنة استعمارية

كان العراق ودون الخوض في التفاصيل تحت الهيمنة الأستعمارية لبريطانيا ومقيّد بمعاهدات كمعاهدة بورت سموث ومعاهدة حلف بغداد الأستعماري ، وكانت هناك معاهدة لا يجوز للعراق أستلام السلاح إلا من بريطانيا ، وكان الحاكم الفعلي للبلاد طوال العهد الملكي هو للمرحوم نوري السعيد الذي أصبح رئيساً للحكومة أربعة عشر مرة وفي العهد الجمهوري لم يكن المرحوم عبد الكريم قاسم سياسياً لذلك لم تكن في فترة حكمه أية أنتخابات برلمانية أو أحزاب سياسية و كذلك الحال في عهد عبد السلام عارف وشقيقه عبد الرحمن عارف . وفي عهد البعث الأول عام 1963 والثاني عام 1968 كان نظام الحكم دكتاتوريا قمعيا بأمتياز معادياً للديمقراطية حتى سقوط النظام بالأحتلال الأمريكي عام 2003 وقبل سقوط النظام السابق ، أقامت الإدارة الأمريكية مؤتمراً للمعارضة العراقية في لندن للفترة بين 15 – 17/كانون أول/2002 بإشراف خليل زاد الأمريكي الأفغاني الأصل ونتج عن هذا المؤتمر تشكيل هيئة سياسية من 65 شخصاً تم أختيارهم طائفياً وأثنياً شيعة وسنة وكرد  وتركمان وآشوريين وغيرهم ، وقد طبقت هذه الصيغة الطائفية في مجلس الحكم بعد سقوط النظام برئاسة الحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” وقد أنتقلت هذه الصيغة الطائفية إلى حكومة د. أياد علاوي و د. إبراهيم الجعفري ونوري المالكي ولازالت في حكومة د. حيدر العبادي ، حيث أدى هذا التقسيم الطائفي إلى التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المذهب وأدى هذا التمييز بين المواطنين إلى القتل الطائفي على أساس الدين أو المذهب ، وأنتقل هذا التمييز الطائفي إلى التعيين في وظائف الدولة. فالوزير الشيعي يوافق على تعيين الشيعة والوزير السني يوافق على تعيين السنة ، وترتب على هذا التمييز الطائفي أنتشار حالات الخطف و القتل لأسباب طائفية مذهبية أو دينية ، مما أدى هذا الوضع إلى هجرة مئات الآلاف من المواطنين إلى البلدان الأوربية بينهم ولا زال الآلاف من أصحاب الكفاءات العلمية والأختصاص وخصوصاً الأخوة المسيحيين الذين كان عددهم حوالي مليون ونصف والذين يتمتعون بالكفاءة العلمية والثقافية والذين خدموا هذا البلد مع أخوانهم العرب المسلمين هاجر معظمهم إلى الدول الأوربية بسبب التمييز الديني الطائفي الذي أدى إلى قتل وخطف العديد منهم ولم يبقى منهم سوى (350) ألف أو أكثر بقليل. كما أدى الوضع السياسي في ظل التمييز لأسباب دينية أو مذهبية إلى إهمال العلم والثقافة في البلاد حيث تتجاوز نسبة الأمية في بلادنا 20 بالمئة من الشعب ونسبة الفقر 50 بالمئة حيث لا نهضة ولا حضارة بلا علم أو ثقافة وقد أدى هذا الوضع إلى بروز المليشيات المسلحة ، التي ساهم بعض عناصرها في الخطف والقتل الطائفي ، وسرقة محلات الصيرفة والذهب كل ذلك سببه تدخل الدين في السياسة ، وبالعكس حيث لا علاقة للسياسة بالدين. فالدين عقيدة سماوية لها شعائرها الدينية المطلوبة من أجل الدخول الدخول في الجنة ، وهي ممارسة شخصية لا علاقة لها بمصالح الناس أو البلاد ، كما إن الدين ثابت  وراسخ لا يجوز تبديل قواعده أو إلغاؤها منذ أكثر من 1439 عام في حين السياسة نشاط إنساني يمثل أفكار وأهداف ومبادئ قابلة للتغيير والإلغاء في أي وقت وحسب المصلحة العامة البلاد وتحكمها قواعد وقوانين وضعية ليست دائمة . ثم إن المعارض في الدين يعتبر مرتد وعقوبته القتل في حين المخالف في الرأي أو المبدأ السياسي يسمى معارض وهو حق من حقوقه السياسية . ثم إن العمل السياسي الديمقراطي يسمح بالانتخاب الحر لأي مواطن مهما كان دينه مسلماً أو مسيحياً  وغيرهما ، يمكن أن يصبح رئيساً للدولة وحتى النساء في حين لا يجوز ذلك في الدولة الدينية التي يجب أن يكون الرئيس مسلماً حقيقياً ، كما لا تسمح الدولة الدينية للأحزاب السياسية للتنافس على رئاسة الدولة وتقتصر فقط للمسلم الحقيقي إضافة إلى فروق أخرى لا مجال لشرحها . لقد كانت أوربا تحكمها الكنيسة والبابا بين القرن الخامس الميلادي  وحتى القرن الخامس عشر ، حيث ساد القمع  والاستبداد الديني الذي تمارسه الكنيسة على شعوب أوربا لمدة تصل إلى ألف عام ، ترتب على ذلك ظهور بحركات التنوير يقودها المثقفون وأساتذة الجامعات وغيرهم مما أدى بحركات التنوير بعد صراع طويل إلى القضاء على سلطة الكنيسة ، وتم تشريع قوانين وضعية حددت سلطة الكنيسة للدين فقط وعدم تدخلها في السياسة وحددت سلطة الدولة في العمل السياسي وعدم تدخلها في الدين ، وهكذا سادت الحرية  والحقوق  شعوب أوربا ،  وفي نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي ظهر عصر النهضة الأوربية على يد مفكرين وفلاسفة أفذاذ أمثال جون جان روسو الذي شرّع حقوق وحريات المواطنين وجان بودان الذي شرّع لنظرية السيادة والتي أنتقلت هذه النظرية إلى بلدان أوربا وأمريكا وبقية دول العالم بهذا الأسم أي السيادة وجون لوك الذي شرع أيضاً للحقوق والحريات ، وهوبز الذي شرع لنظرية الدولة ، ومونتسيكو الذي شرع لنظرية الفصل بين السلطات ، وغيرهم من الفلاسفة.

عناصر اساسية

 وهكذا وضع هؤلاء العناصر الأساسية للدولة الديمقراطية الحديثة بما فيها أستقلال القضاء والتعددية السياسية وسيادة القانون . إن إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في بلدنا يتطلب القيام بإجراءات حقيقية تؤدي إلى الغاء الطائفية السياسية بما فيها تدخل الدين أو المذهب القيام في العمل السياسي ، ومن هذه الإجراءات تشريع قوانين يحظر فيها المحاصصة الطائفية في تشكيل الحكومة  ومؤسسات الدولة ومرافقها والتي قائمة حتى الآن ، ومن الإجراءات أيضاً حظر الأحزاب الدينية أو ذات المرجعية الدينية في العمل السياسي لأن هذه الأحزاب هدفها الوصول للسلطة لتحقيق منافع شخصية وهو الثراء من خلال إساءة أستعمال السلطة ، وهذا ما قرره الدستور المصري النافذ الآن . وإلغاء كافة تشكيلات المليشيات  وتسليم أسلحتها للدولة بعد أن تم القضاء على داعش في العراق ،  وأنتساب من يريد من أعضائها إلى القوات المسلحة . لأن وجود هذه المليشيات بشكل خطراً على الأمن و الأستقرار في البلاد . حيث لا يوجد بلد في العالم لدى أحزابه أو كتله السياسية مليشيات مسلحة سوى العراق ، فالمطلوب حصر السلاح بيد الدولة فقط . كما يجب تحويل الأموال التي تدرها السياحة الدينية إلى خزينة الدولة أي البنك المركزي ووزارة المالية ، شأنها شأن الأموال الناتجة عن الضرائب  أو زيارة الآثار أو الموارد المالية التي تحققها الموارد النفطية في البصرة وكركوك وغيرها . فهذه الموارد كلها بما فيها موارد السياحة الدينية لزيارة مراقد الأئمة هي ملك للشعب العراقي ويجب أن توضع تحت تصرف الحكومة المركزية  وفي البنك المركزي ، ومن واجب الحكومة المركزية الصرف على صيانة المراقد الدينية عند الحاجة ، حيث نشرت بعض الصحف أن موارد السياحة الدينية تبلغ 12 مليار دولار سنوياً ، وهذا يعني أن هناك أكثر من 160 مليار دولار منذ عام 2003 وحتى اليوم ذهبت إلى جهات وأحزاب معينة خلافاً للقانون . خصوصاً وأن العراق يمر في ضائقة مالية نتيجة لأنخفاض أسعار البترول والحرب ضد داعش ونتيجة للفساد المالي والإداري الساند في مؤسسات الدولة حتى الآن بسبب المحاصصة الطائفية في سلطة الدولة ومؤسساتها . كما يجب أن يكون تعيين الموظفين في مؤسسات الدولة من قبل مجلس أو هيئة مركزية للإشراف على تعيين خريجي الجامعات  وغيرهم حسب مؤهلاتهم العلمية وأن يكون هذا المجلس له أستقلالية كاملة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية ، وإن يلغى أسلوب التعيين من قبل الوزارات ، حيث اوزير المنتمي إلى كتلة يباشر أولاً بتعيين النتمين أو المؤيدين إلى كتلته السياسية أو يباشر بتعيين أقربائه دون الآخرين ، وهذا ما يؤيده الواقع الآن . والمعلوم منذ العهد الملكي حتى 2003 كان التعيين يتم من قبل مجلس خدمة و ليس الوزراء كما إن هناك المئات من الأبنية والشقق المملوكة للدولة تستخدم كمقرات لأحزاب الكتل السياسية الحاكمة دون إيجار أو بعضها بإيجار زهيد فيجب دفع إيجاراتها بأثر رجعي لأنها من المال العام خصوصاً وإن الدولة في ضائقة مالية ، وينطبق ذلك أيضاً على بيوت المسؤولين من وزراء ووكلائهم ومستشارين  أعضاء البرلمان ، حيث أن هذه البيوت تعود للمال العام لأنها ملك للدولة و يجب وأن يدفع إيجارها خصوصاً وإن شاغليها يتقاضون رواتب بالملايين ، وعند خروجهم من الوظيفة يبقون في بيوتهم دون تسليمها للدولة ، في حين أن الموظف البسيط وذوي الدخل المحدود لا يتمتع بهذه المزايا وهذا يتعارض مع المساواة بين المواطنين دون تمييز في الديمقراطية التي شارت إليها المادة الأولى من الدستور النافذ في العراق . وفي ظل الحكومات السابقة قام بعض رؤساء الحكومة  توزيع قطع من الأراضي كسكن إلى بعض المسؤولين من مدنيين وعسكريين وهذا لا يجوز قانوناً حيث لا يحق لرئيس الحكومة أو الدولة أن يمنح متراً واحداً لأي مسؤول أو مواطن لأن المال العام ملك للشعب كله دون تمييز وأن السلطة المخولة بمنح المال العام من أراضي أو بيوت هو البرلمان ممثل الشعب وأن يكون ذلك بقانون يصدره البرلمان بهذا الشأن والمشكلة إن بعض المسؤولين في الدولة جهلة لا يعرفون صلاحياته المحدودة في القانون وإن مستشاريهم يتم تعيينهم على أساس المحاصصة وليس لديهم الكفاءة أو الخبرة في القانون ، وأذكر في لندن أخبرني أحد الأصدقاء  وهو أستاذ صيدلة في جامعة (كوين جري) بأن رئيسة وزراء بريطانيا الليدي تاتشر طلبت من مجلس وزرائها الموافقة على أرسال طائرة أستطلاع للكشف عن أبنها الذي فقد في صحراء الجزائر  كسائح مع بعض زملائه فرفض المجلس الموافقة على أساس إن أبنها ليس مسؤولاً في الدولة و لا مكلف بواجب رسمي ، فأضطرت أن تطلب من الرئيس الجزائري هواري بومدين بصفة شخصية أن يرسل طائرة أستطلاع للكشف عن أبنها وزملائه في صحراء الجزائر و هذا ما تحقق ، وتم العثور على أبنها وزملائه . أذكر هذا المثل حيث لا يمكن المقارنة مع بريطانيا ذات النظام الديمقراطي العريق ، ولكن لأؤكد بأن رئيس الوزراء أو رئيس الدولة لا يملك سلطات مطلقة ، للتصرف بالمال العام ، وإنما له سلطات حددها القانون . حيث إن هذا التصرف خرقاً للقانون وإهدار للمال العام . ومن التصرفات الخاطئة التي سببتها المحاصصة الطائفية هو أدخال آلاف المدنين إلى الجيش بصفة ضباط وحسب العمر حتى 50 عاماً حيث يمنح رتبة عميد في الجيش ورتبة عميد في الجيوش الغربية فما فوق تعني رتبة جنرال دون أن تكون لهم أي مؤهلات علمية أو ثقافية حيث ساهم هذا السلوك في أفساد القوات المسلحة وضعف مؤهلاتها و فقدان قدرتها القتالية ونظام الضبط والطاعة فيها وهو إجراء تم لدوافع سياسية وأختيار هؤلاء من أعضاء وأنصار الكتل السياسية الحاكمة وليس غيرهم من عامة الشعب ، مما أدى لهؤلاء من عامة الشعب و خصوصاً الميسور منهم إلى دفع الرشاوي بهدف تعيينه في إحدى الوزارات ، حيث ساهم هذا السلوك في الفساد الإداري ، إضافة إلى قيام العديد من المسؤولين في الكتل السياسية الحاكمة إلى سرقة المال العام دون حساب لذلك ساهم الفساد المالي والإداري و التزوير للوثائق الرسمية والشهادات إلى فساد إدارات الدولة  والمجتمع  وشمل ذلك المجالين المدني والعسكري وهذا يتعارض مع بناء نظام تسوده الحقوق والمساواة بين المواطنين دون تمييز كما جاء في المادة الأولى من الدستور النافذ  والصادر عام 2005 ، التي تنص على أن نظام الحكم ديمقراطي . والحقيقة لو كان لدينا قضاء مستقل ومحايد ومهني يمارس دوره في الرقابة القضائية لأصدر أحكامه بألغاء كل ماذكرته أعلاه من سلوك خاطئ تمارسه المحاصصه الطائفية المعادية للديمقراطية بما فيها قرارات الحكومة كمجلس وزراء أورئيسها ، وعلى سبيل المثال في 28/12/2017 أذاعت المحطة العربية التلفزيونية (الحدث) خبراً إذا كان صحيحاً (بأن رئيس الوزراء العبادي أوقف محافظ نينوى عن العمل لمدة شهرين بتهمة الفساد) وهذا القرار غير شرعي لأن هذا واجب القضاء في التحقيق مع المتهم بالفساد المالي والإداري بتبرئته أو إيقافه عن العمل ومن ثم إحالته للمحاكمة ، حيث أن تدخل رئيس الوزراء في واجبات القضاء هو انتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات إضافة إلى التغول على أختصاصات القضاء المحددة في النظام الديمقراطي فرئيس أي وزراء كرئيس للسلطة التنفيذية في النظام البرلماني يستطيع أن يعاقب محافظ نينوى بعقوبات تأديبية إدارية مثل النقل أو إحالته على التقاعد أو غيره إذا كان هناك تقصير في واجبه ، ولكن لا يستطيع أن يوجه له تهمة الفساد المالي والإداري لأن هذا من أختصاص القضاء وحده بعد إحالته للتحقيق لإثبات تهمة الفساد ثم إحالته إلى المحاكمة لإدانته أو إطلاق سراحه من قبل قاضي التحقيق لعدم أثبات التهمة ،

رقابة قضائية

فالرقابة القضائية تكون بألغاء القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية (البرلمان) إذا كانت هذه القوانين غير شرعية ومخالفة للدستور وتكون الرقابة القضائية أيضاً بإلغاء القرارات التي تصدرها الحكومة كسلطة تنفيذية أو مؤسسات الدولة الأخرى إذا كانت هذه القرارات غير شرعية  وتنتهك حريات المواطنين وحقوقهم . فالرقابة القضائية هي أحد عناصر الدولة القانونية ، حيث لا دولة قانونية بلا رقابة قضائية و الرقابة القضائية تكون من خلال النائب العام أو ما يقدم له من جهات حكومية أو مواطنون فالنائب العام ممثل الشعب في الكشف عن الانتهاكات التي تهدد حقوق الشعب وحرياته الأساسية .  وهو صاحب الأختصاص في إحالة المتهمين إلى القضاء للتحقيق معهم عن التهم الموجهة ضدهم ، حيث تتم إحالتهم من قبل قاضي التحقيق للمحاكمة في حال وجود تهمة أو يطلق سراحهم عند عدم وجود تهمة في حين نجد هناك المخبر السري الذي يقدم تقارير سرية عن الأشخاص الذي يرى هذا المخبر أنهم عناصر إرهابية وفق المادة 4 إرهاب فيتم أعتقالهم والتحقيق معهم بالتعذيب في مركز الشرطة وسلب الأعتراف الباطل الذي يتم حيث تأخذ به المحكمة على إنه دليل شرعي فيكون حكمه الإعدام أو السجن المؤبد من قبل المحكمة الجنائية المركزية المختصة في جرائم الإرهاب والجريمة المنظمة. فهناك العشرات الذين أعدموا بناءاً على أعترافات باطلة أخذت بالتعذيب والأعتراف الذي يتم بالتعذيب البدني أو النفسي هو باطل في حكم القضاء في النظم الديمقراطية حتى إذا كان الأعتراف صحيحاً ، وهناك قاعدة في القانون الجنائي الإنكليزي تقول (أفلات مئة مجرم من العقاب خير من إدانة بريء) وهنـــــــاك أيضاً قاعدة في القانون الإنكليزي تقول (حق المتهم في عدم أتهام الذات) أي الأعتراف بل هناك العديد من المعتقلين يطلق سراحهم كأبرياء بعد عدة أشهر أو سنوات من الأعتقال دون أن يشملهم التعويض المالي عن مدة الأعتقال التي قضاها وقيدت حريته وهو بريء . إن الأوضاع في العراق تتطلب الإصلاح الجذري الشامل في جميع المجالات وإن ما ذكرناه أعلاه ما هو إلاّ جزء يسير من الإصلاح المطلوب في المجالات المختلفة من أجل تطبيق نظام ديمقراطي حقيقي في البلاد وبعكس هذا فإن الفساد سوف يستشري وسوف يقود العراق إلى طريق مجهول . حيث لو كانت هناك رقابة قضائية لألغيت العملية السياسية القائمة الآن كلها لأنها قائمة على المحاصصة الطائفية بخلاف المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن نظام الحكم ديمـــــــــقراطي .

مشاركة