تمظهرات الحرب النفسية من الغزو الأمريكي إلى التمدد الداعشي – طالب سعدون

145

نبض القلم

 تمظهرات الحرب النفسية من الغزو الأمريكي إلى التمدد الداعشي – طالب سعدون

 أهداني الدكتور أحمد عبد المجيد شاكرا كتابه الذي صدر مؤخرا عن دار أمجد للنشر والتوزيع في العاصمة الاردنية عمان بعنوان ( تمظهرات الحرب النفسية من الغزو الامريكي الى التمدد الداعشي في العراق وسوريا )..

 والعنوان كما يعرف الصحفيون ، وبالذات الاكاديميون منهم – وعبد المجيد واحد ممن جمع بين المهنية والاكاديمية  في عمله – هو ( أول اتصال بالقارىء ) كما يقال ، فكان موفقا فيه غاية التوفيق ، فذهب الى مضمونه  مباشرة ، فأوقعني هو ، والتصميم الذي يعبر عن فكرة البحث من حيث اللون والخطوط والصورة في ( شباكه ) لأرى ما جديده في هذا الموضوع الخطير، لاننا الى اليوم لانزال نعيش تداعيات هذا الاحتلال الغاشم بكل صفحاته ، ونتطلع الى معرفة المزيد من تفاصيلها ، والوقوف على أسبابها ، ومنها صفحة داعش وتمددها على مساحة كبيرة في العراق ، وقد أجهزت هذه الصفحة على ما لم تنله الآلة العسكرية العدوانية ، ولجان التفتيش  وممارساتها ، التي مهدت  الطريق للادارة الامريكية  وساعدتها في  تحقيق هدفها  باستمرار الحصار ومن ثم الاحتلال الغاشم…

 وإذا كانت هذه الصفحة السوداء ( داعش ) توشك أن تتنهي ، بعد تضحيات كبيرة من الناحية العسكرية والانسانية والمادية ، وانحسرت على الارض ، ولكن  المعركة لا زالت مستمرة معها في العالم ، ولا تزال بحاجة الى جهود أكبر محليا وعربيا ودوليا للتخلص من هذا الفكر الظلامي بكل صوره واشكاله ،  من خلال ( مواجهة فكرية ) دولية منظمة ، وجهد إعلامي  متميز لمكافحة التطرف ، لأنه أصبح اليوم ( ظاهرة عابرة للحدود ) ، تهدد جميع الشعوب ، وهي بالتأكيد مهمة ليست سهلة ، لكنها ليست بالعسيرة أيضا ..

والكتاب رصد في كل فصل من فصوله الاربعة  ( تمظهراً من تمظهرات الحرب النفسية منذ غزو العراق مرورا بما آلت اليه أوضاعه ، وإنتهاء بالتمدد غير المسبوق لتنظيم مسلح في الاراضي العراقية والسورية ) .. ليكون بذلك من المصادر ، والوثائق المهمة  للباحثين والسياسيين ، ويغني المكتبة العالمية  في  هذا الميدان المهم  ، وتطور اساليبه في الصراعات المختلفة منذ  أن وجد الصراع  البشري  على الارض ، وسيبقى ما دامت الصراعات قائمة على هذه المعمورة لاسباب مشروعة ، أو غير مشروعة ..

وقد إستبدل الباحث مفردة ( فصل ) ( بتمظهر ) لاعتبارات أكاديمية تناولها مفصلا في مقدمة كتابه ، وكيف فرضت تطورات الحياة وضرورات مواكبة العلم  والتطور إشتقاق الكلمات والالفاظ ، ومنها كلمة ( تمظهر ) ، من غيرالقواعد العربية المعروفة التي حددها اللغويون ، ولهذا أجازها مجمع اللغة بالقاهرة لضرورتها …

والباحث أحمد عبد المجيد  شرح  بشيء من التفصيل الضروري  مفهوم الحرب النفسية عبر التاريخ وغايتها ( بتحطيم  القوى المعنوية  للخصم والقضاء على ثقته بنفسه ) ، ووسائلها والعناصر التي تعتمد عليها ، ومن ثم تطبيقاتها على العراق في موضوعي لجان التفتيش وداعش والربط بينها للخروج برؤية كلية تكشف تطور إستخدام  إسلوب إثارة الازمات في الحرب النفسية ، وقد إعتمد في بحثه على المنهج التاريخي الذي يتيح تقديم الحقائق وإستعراض الوقائع للوصول الى النتائج  ، معززا هذا الجهد العلمي الأصيل بالمصادر،  بما فيها الوكالات والصحف المحلية والعربية والعالمية ، والقنوات الفضائية والمقابلات الشخصية والرسائل الجامعية  والكتب والمؤتمرات والندوات …

ويعرض الباحث إسلوب إفتعال الازمات ، وجوانب مهمة من دور فرق التفتيش في الحرب النفسية على العراق و( ممارساتها التعسفية ) ، التي تؤكدها إعترافات سكوت ريتر ، وريتشارد بتلر وايكيوس ، وتواطؤ بعض العاملين في فرق التفتيش مع أجهزة المخابرات الامريكية والبريطانية والاسرائيلية ..

ويشير  الدكتور  عبد المجيد  في بحثه  الى ان  الدعاية الامريكية  لعبت خلال تجارب الحرب والغزوات في كوريا وفيتنام وبنما وليبيا وافغانستان ، ومن ثم العراق على مسالك ميدانية هي اللعب على وتر الخلافات العرقية ( الاثنية ) ،  و( استغلال المشاعر الدينية  ، والشحن الطائفي ، والقصص الزائفة ، وتسريب المعلومات بهدف الايقاع بين الفرقاء ) ، الى جانب ( أساليب إستخدام الحجج والافكار المنطقية والعاطفية )  و( التسميم السياسي ،  وخلط الاوراق ) و( التضليل والخداع والكذب وتزوير الحقائق وشحن اللحظات بالتوتر واللهفة والرموز ) على حد تعبير الكاتب ، وهي نقاط  جوهرية  في  الحرب النفسية التي اعتمدتها الادارة الامريكية وتتبعها الكاتب بمنهج علمي سليم ، يستند الى الوقائع ومجريات الاحداث بشيء من التفصيل والتحليل ..

وهناك حقيقة عززها الباحث  في هذا الكتاب من خلال عرضه  لممارسات لجان التفتيش في  الحرب النفسية وتدمير قدرات العراق العلمية  وابقاء الحصار عليه ،  ومن ثم اجتياحه فيما بعد ، وهي استخدام الاعلام بوسائله المختلفة ، كأحد ابرز أدواتها في تسويق الافتراءات والتهويل  وتسهيل تحقيق اغراضها والتشكيك بالاعلانات ، والبيانات العراقية ، وجدية العراق في تنفيذ قرارات الامم المتحدة ، ووضعه في دائرة الاتهام ، وتعبئة الرأي العام لقبول العدوان عليه واستمرار الحصار ..

 وبذلك حققت اللجان بهذا الاسلوب سبقا في ما أسماه (  بسياسة الاخفاء ) وإلصاقها بالعراق  في عملية إستهداف مكشوفة تمارسها بدفع من الادارة الامريكية والحكومة البريطانية على حد ما يرى الباحث ..

ويؤيد ما ذهب اليه في هذا الرأي إعترافات بليكس التي قال فيها ( اننا لم نعثر على أي أسلحة في المواقع التي زودتنا أجهزة الاستخبارات الامريكية والبريطانية بمعلومات عنها ) ، وبالتالي  يجعل تناول تورط لجان التفتيش في الحرب النفسية على العراق مهمة علمية مشروعة تصمد امام محاولات الاعتراض والانتظار والتجاهل على حد تعبيره …

وفي التمظهر( الفصل ) الثالث الذي تناول ( الاساليب الاقناعية لتنظيم داعش في تجنيد الافراد )  كان الاعلام عاملا مهما أيضا في موضوع ( ظهور داعش وتمددها ) فقد  تبين في مجريات البحث ونتائجه أن ( داعش أدرك أهمية وقوة  الاعلام في كسب الرأي العام وإستمالة الانصار والمتعاطفين ) ، وقد ( إستخدم شتى أساليب الاستمالة والعمليات النفسية للايقاع بالشباب والنساء والاطفال لتوسيع رقعة التأييد له ، وتنفيذ عمليات مسلحة )  وإستخدام مختلف الوسائل للتضليل  ، ومنها التواصل الاجتماعي  والانترنيت  في توريط المجندين  في الانتماء اليه ، والقيام بصناعة المتفجرات ، وغيرها من الوسائل التقليدية والجديدة التي استعرضها  الباحث  في كتابه ، كما أكسبه ( إحتلال عدد من المدن العراقية والسورية  قوة مضافة  نتيجة نموموارده المالية ) ..

ويختتم الباحث كتابه بالتظمهر الرابع ويتناول ( الاستمالات العاطفية في الدعاية الامريكية الموجهة ضد سوريا ) وممارسة إسلوب ( الوعد والوعيد ) بكثافة بالتوافق مع اساليب دعائية ممزوجة ، أو متدرجة وإستخدام الصور والارقام  وغيرها من الوسائل الدعائية للتضليل واثارة الهلع والخوف …

ويتوصل الباحث من خلال مجريات الحملة  الدعائية الامريكية الموجهة الى سوريا الى ( أن الكثير من أجواء ومقدمات الوضع السوري كانت تشبه الى حد كبير تلك التي برزت عناوين رئيسية في إتجاهات ومسالك الدعاية الامريكية ضد العراق عشية إجتياحه ) ، وهو ما اعلن عنه مندوب سوريا لدى الامم المتحدة  وأيده بالقول ( أن الولايات المتحدة تسعى الى تكرار كذبة أسلحة الدمار الشامل العراقية )..

ويشير الكاتب الى ان  الوقائع ومجريات الاحداث على مدى السنوات الماضية تؤكد أن الولايات المتحدة  كانت ( تملك قدرة على توجيه دعاية أكثر فاعلية الى الرأي العام ، بحيث لا تحتاج الى عمل عسكري في الغالب لتحقيق أهداف سياستها الخارجية .. وقد ساعدها التطور التقني وثورة الاتصالات والمعلومات على إكساب جهاز دعايتها قوة لا تجارى ، بحكم توفر عناصر التوافق والتنسيق بين وسائل الدعاية ومراكز الابحاث العلمية وإستطلاعات الرأي وتعدد قنوات الاتصال والدبلوماسية النشطة .. وقد مكنها ذلك من الاحتفاظ بالتقدم والنجاح والتميز في تمرير رسائل تنطوي على قوالب نفسية ، سواء في ميدان التنظير الدعائي ، أو عبر توظيف مرجعيات ( ثقافية ) مكملة تخدم حملاتها الكبرى ضد الدول والشــعوب) ..

سأكتفي بهذه الاسطر .. ولا أريد الاسترسال أكثر في العرض ، لأترك للقارىء  فرصة  المتابعة والوقوف على التفاصيل  من الكتاب الذي  تناول مرحلة خطيرة أضاف به مؤلفه الدكتور أحمد عبد المجيد الى المكتبة العالمية ما يغنيها في ميدان الحرب النفسية والدعاية  وأساليب ادارة الازمات ، كما يعد وثيقة مهمة تفيد  الباحثين كثيرا عندما يتنالون هذه الحقبة من التاريخ   ..

كتاب جدير بالقراءة ، والاستفادة منه في الاكاديميات ومراكز البحوث والدراسات التي تتعلق بهذا الجانب الحيوي ، الذي يعد في نظر الباحثين ( من أشد وظائف أجهزة الاعلام  ضراوة وعنفا ) …

( فمثلما تقتل أنسانا برصاصة يمكن ان تقتله بكلمة ) ..

بهذه الكلمات البسيطة لخص  أحد المتخصصين دور الحرب النفسية  الفاعل في الصراعات ، ولذلك أطلقوا على الحرب النفسية ( حرب الكلمة ) التي تفعل فعلها المؤثر ،  ويمكن أن تدمر الانسان  المقابل (من الداخل ) ، وتدفعه الى اليأس والاحباط  دون أن تصوب نحوه من الخارج إطلاقة واحدة ، وبذلك تكسب المعركة قبل إعلانها ..

ولذلك تسير ( حرب  الكلمة ) جنبا الى جنب في الصراع  مع ( حرب الرصاصة ) أو تسبقها ، وربما تغني عن العمل العسكري  نهائيا ، الذي يكلف ماديا واعتباريا الكثير،  وقد لا ينتهي بالانتصار ، وتحقيق الهدف المطلوب ، وتجعل العدو يستسلم  صاغرا (  وتتحطم  مقاومته دون قتال …وتلك أعلى درجات المهارة  ) على حد تعبير المخطط العسكري الصيني ( صن تزو ) …

كلام مفيد :

الحرب همجية منظمة مهما حاولت التنكر .. ( نابليون بونابرت ) ..

مشاركة