تكرير النفط بدائياً في إدلب بعد رحلة طويلة من الشرق السوري

128

معارة النعسان (سوريا)-(أ ف ب) – في بلدة معارة النعسان في شمال غرب سوريا، ينهمك عامل في إفراغ شحنة من النفط الخام الأسود في خزان ضخم قبل تكريره بدائياً بعد رحلة طالت أسابيع عدة من شرق البلاد إلى غربها. خلال عامين ونتيجة صعوبة تهريب الوقود من مناطق سيطرة النظام، تحولت بلدة معارة النعسان إلى مركز لنحو مئة من الحراقات التي يتم فيها تكرير النفط الخام ليتحول إلى وقود للاستخدام اليومي يجري توزيعه على محافظة ادلب (شمال غرب) ومناطق اخرىقريبة تسيطر عليها أيضاً الفصائل المعارضة والإسلامية. وبالقرب من أرض مزروعة بالزيتون، يقول مالك إحدى الحراقات جميل النمر (34 عاماً) «لا نستطيع أن نأتي بالوقود من مناطق النظام أو من دولة أخرى، لذلك نحن ملزمون بتكريره هنا». وينتج عن عملية التكرير البدائية، وفق الرجل ذي اللحية الكثيفة، «البنزين والكاز والمازوت قبل أن يوزع الانتاج على السوق المحلية». وليس الحصول على الوقود من مناطق سيطرة قوات النظام بالأمر السهل، إذ انه يتم عادة عن طريق التهريب أو من خلال اتفاقات بين مسؤولين محليين من الجهتين، وفق سكان. فيما الحصول على الوقود من تركيا، الداعمة للفصائل المعارضة والحدودية مع إدلب،مكلف جداً. ولم يجد أهل المنطقة حلاً سوى الحصول على النفط الخام من شرق سوريا الغني بحقول النفط والغاز. وتقطع شاحنات نقل النفط الخام رحلة طويلة تمر خلالها عبر حواجز عدة من مناطق سيطرة الأكراد في محافظة الحسكة (شمال شرق) إلى مناطق سيطرة الفصائل المعارضة (شمال وشمال غرب). – شهر على الطريق – ويقول أبو العمرين (41 عاماً)، أحد سائقي شاحنات النقل، «تستغرق رحلتنا لنقل النفط بين 20 يوماً وشهر». ويضيف «في السابق، كنا نذهب إلى دير الزور لنأتي بالنفط حين كانت تسيطر عليها داعش». وفقد تنظيم الدولة الإسلامية خلال الفترة الاخيرة الجزء الأكبر من محافظة دير الزور الغنية بالنفط والغاز في مواجهة قوات النظام من جهة والمقاتلين  الأكراد من جهةثانية. وبات أبو العمرين يأتي بالنفط الخام من الحقول التي يسيطر عليها الأكراد قرب مدينة القامشلي في شمال شرق محافظة الحسكة.ويشتري أصحاب الشاحنات برميل النفط الخام الواحد بـ47 دولاراً، ومن ثم يضطرون إلى دفع مبالغ مالية معينة للحواجز المنتشرة على طول الطريق إن كان تحت سيطرة الأكراد أو الفصائل المعارضة. ويصل إجمالي المبلغ المدفوع لدى الحواجز إلى 17 دولاراً للبرميل الواحد. عند مدخل بلدة معارة النعسان، يجلس أبو العمرين مع زملاء له على الأرض يشربون الشاي ويتبادلون أطراف الحديث بانتظار إفراغ شاحناتهم من النفط الخام الآتي من شرق سوريا في حراقات معارة النعسان. بعد تفريغ النفط الخام من الشاحنات داخل خزان ضخم هو «الحراق»، يجري تسخين المادة لتتحول إلى بنزين أو كاز أو مازوت بحسب درجة الحرارة. وبعد الانتهاء من التسخين، يجري إخراج المادة في أنابيب حديدية تمر في حفرة مليئة بالمياه لتبريدها. – الحراقات والأمراض – ويستخدم النفط المكرر بدائياً بشكل أساسي في الأفران وللتدفئة

في المنازل وللسيارات. ويشير مدير فرن بلدة بنش (جنوب ادلب) مالك حاج حمدان إلى فرق كبير في السعر بين الوقود المكرر بدائياً وبين الذي يأتي بشكل متقطع من مناطق سيطرة النظام.  ويقول حاج حمدان إن الفرق في السعر «يصل إلى 30 في المئة»، إلا أن المازوت المكرر في معارة النعسان فيه الكثير من «الشوائب» التي تؤدي إلى أعطال في آلات الفرن.

وإن كان السكان يستفيدون من انخفاض سعر هذا الوقود، لكنهم يعانون من تأثيره السلبي على الصحة.ويقول أخصائي الأمراض الداخلية والقلبية في المركز الطبي في معارة النعسان فهد العبد إن «ألفي مريض في السنة» يعانون من أمراض ناتجة عن «المواد العضوية المنتشرة في الهواء نتيجة الحراقات والتكرير غير العلمي للمواد البترولية الخام».ويشير إلى أن الأكثر تأثراً هم الأطفال حتى سن الخامسة عشرة.وعمد أصحاب الحراقات إلى إجراء تعديلات عليها من شأنها أن تخفف من الأضرار البيئية، كما فرضت الفصائل المعارضة عليهم العمل بشكل دوري. ويشرح رياض حيدر (37 عاماً)، صاحب أحد الحراقات، «في السابق، كانت الحراقات المئة تعمل يومياً في الوقت ذاته، اما اليوم فباتت تعمل بالدور (…) أي ما يقارب 20 إلى 25 واحدة يومياً».منذ نحو عام، أصيب عبد الناصر (ست سنوات) بمرض جلدي ناتج عن الغازات المنبعثة من الحراقات.أمام منزله المتواضع في

معارة النعسان، يقول ابو يحيى (43 عاماً)، والد عبد الناصر، «كان هناك الكثير من الحراقات حول البلدة، وينبعث منها الكثير من الدخان والغازات بأضرارها التي ليس لها حدود، وأكبر دليل على ذلك هو إبني».

وينظر أبو يحيى مبتسماً إلى ابنه الذي ظهرت على خده بقع بنية اللون، ثم يضعه في حضنه ويقول «أخذته إلى نقطة طبية حيث قال لي الطبيب أنها ناتجة عن الغازات والهواء غير النقي».

ويضيف «الحمدالله، اننا نعالجه حالياً، لكن الطبيب قال لي أن الآثار قد تبقى على وجهه مدى الحياة».

مشاركة