{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

202

{ إشترك مع الوردي بتأسيس أول قسم للإجتماع ثم أصبح أبرز منافسيه

{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

{ (الزمان) تلقي الأضواء على عالم عراقي لم تنصفه الأقلام

{  الرائد الثاني لعلم الإجتماع ..عمر قصير وإنتاج غزير

شاب قادم من عمق الأهوار يتقدم الصفوف ويبهر الغرب بأبحاثه

6

الطاهر يقدّم خلال الخمسينات تفسيراً للجريمة في بغداد

محمد السهر

ذي قار

في هذه الدراسة تفتح (الزمان) ملف عالم عراقي لم ينصفه الاعلام ولم ينل ما يستحقه من اهتمام الاعلام برغم خدماته الجليلة للبلد بل ان اسهاماته العملية تخطت الحدود فأشترك في وضع لبنات علم الاجتماع في عدد من الدول العربية انه عالم الاجتماع الراحل عبد الجليل الطاهر الذي كان قد تعرض للإعتقال في مرحلة من حياته . قصة الطاهر هي قصة شاب عراقي قادم من الاهوار عرف بعصاميته فسجّل اسمه بحروف من نور فعسانا هنا نرد إليه جزءاً من الدين.

 ولهذا نشأت فكرة جديدة تهدف إلى إصلاح هذه المشكلات بتقديم مشروع الملكية الصغيرة. ثم يستعرض الطاهر موضوع نظام الملكية هذا، والذي جاء نتيجة لانحطاط مستوى المعيشة وعدم إسهام أفراد القبائل بالمؤسسات الاجتماعية من جهة، وكثرة الأراضي الأميرية من جهة ثانية، إضافة إلى جهل الفلاحين بالأمور الزراعية الفنية. ويهدف هذا النظام إلى إعطاء أراض زراعية إلى الفلاحين الذين يعملون على إعمارها واستثمارها على وفق الطرق الحديثة، وتأمين الإسكان الثابت لهم ولم تحدث هذه إلا في العراق ومصر. وإذا كان هدف مصر من نظام الملكية الصغيرة تقليص الفوارق الطبقية وتقليم أظافر الإقطاع فإن هدفها في العراق كان ربط الفرد بالأرض وتوطينه .وفي الفصل العاشر يبين الأستاذ الطاهر مشروعات الري الكبرى التي أُنجزت في العراق حتى منتصف العقد السادس في عملية التوطين والاستقرار. إذ يستعرض ثلاثة عشر مشروعاً للري في مختلف أنحاء العراق وهي مشاريع الحويجة، والدجيله، والرفيعة، واللطيفية، والمسيب الكبير، وشط الدغاره، وشط الشامية، والثرثار، وخزان دوكان، وخزان نجمة، وخزان دربندخان، والحبانية وسدة الكوت . ولقد كانت النتائج مذهلة إذ إن تنفيذ هذه المشاريع على الفرات ودجلة وروافده أسهم في زيادة الأراضي الممكن إرواؤها، مما حدَّت من الهجرة وزادت في ارتباط الفلاح بأرضه. وفي الفصلين الحادي عشر والثاني عشر تناول الأستاذ الطاهر التسليف الزراعي والخدمات التعاونية وأثرهما في توطين البدو والعشائر. وقد اعتمد في دراسته هذه على 66 مصدراً عربياً، و42 مصدراً أجنبياً. ويقول في مقدمة الكتاب إنهُ إضافةً إلى الإحاطة بما كتبه الآخرون من قبله من مستشرقين وعرب، فقد ضم إليها مشاهداته وملاحظاته الناجمة عن معيشته مع القبائل والعشائر المتوطنة أو شبه المتوطنة على ضفاف دجلة والفرات. لكنه يعود ويقول (لو أتيحت لي الفرصة للتجول بين المجتمعات البدوية والقبلية والعشائرية والمكوث بين ظهرانيها في مختلف البلاد العربية مدة طويلة لكان بوسعي أن أتوصل إلى معلومات قيمة عن أدب البادية وتقاليدها وعاداتها والتحولات الاجتماعية التي تحدث فيها). ثم يبرز مجموعة من الصعوبات التي تقف حجر عثرة في طريق الباحث في شؤون البدو والقبائل والعشائر، منها تعقد الموضوع وسعته وتشابك أطرافه، وقلة البحوث العلمية التي تتناوله، وعدم وجود إحصاءات دقيقة عن البدو واقتصار الدراسات السابقة على ذكر أسماء القبائل وأمور الأنساب وغيرها. وقد واصل الطاهر دراساته حول هذا الموضوع في وقت لاحق، فبعنوان “العشائر العراقية ” كانت دراسته الثانية التي حاول من خلالها سبر غور العلاقة التي تربط البادية بالريف وكيف تنتقل هذه المجتمعات من بيئة إلى أخرى. وعلى الرغم من أن هذه الدراسة قد اعتمدت في مادتها الأساسية على تقرير للاستخبارات البريطانية حول العشائر العراقية وما تضمنه من ملاحظات المس بيل، إلا أن الأستاذ الطاهر قد بذل جهداً كبيراً في صياغة مادته بطريقة جديدة علمية ودقيقة.في بداية هذه الدراسة استعرض الطاهر تاريخياً دور العشائر العراقية في السياسة والحياة العامة في العراق. ففي مدة غياب الحكم الوطني الطويلة والتي استمرت من عام 1258 وحتى 1921، كان هم الحكومات الغازية هو المحافظة على ديمومة واستمرار وجودها وكيفية نهب ثروات البلد وتسخير أبنائه لتحقيق أهدافها، ولم تهتم قيد أنملة بمصلحة الوطن والمواطن العراقي، إذ عاش هذا الإنسان تحت نير الآخر وظلمه واستغلاله، سواء كان هذا الآخر من أبناء وطنه الذين امتلكوا قنوات التحكم في إرادته بمعونة الأجنبي أو بصورة مباشرة من حكومات الاحتلال تلك . لقد صارت تتشكل في المجتمع القبلي في العراق منذ القرن السادس عشر مجموعة من الأحلاف العشائرية، التي تكونت على إثرها إمارات شبه مستقلة عدة لها نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والجغرافي الخاص بها. وقد سهل الاحتلال العثماني ذلك بعد أن عجز عن صد تطلعات هذه الإمارات بالقوة، شريطة أن تخضع هي بدورها بالولاء للباب العالي في اسطنبول بدفع الضريبة المالية، وتقديم أبنائها لأعمال السخرة، والجندية. وقد دعمت سلطات العثمانيين الأشخاص الذين يديرون عشائرهم كالشيوخ والسراكيل من أجل تنفيذ هذه المهمة. وهكذا فقد قامت إمارات المنتفك والخزاعل وطي وشمر وزبيد. ويُلفت الطاهر النظر إلى أن سلطات الاحتلال ورغم جبروتها وإمكاناتها لم تستطع أن تمسخ شخصية الإنسان في هذه العشائر، التي قسمتها على أنساق من أجل إحكام السيطرة عليها. لقد كانت الثورات والانتفاضات مستمرة على الدوام خاصة تلك التي قامت بها عشائر المنتفك في أسفل الفرات جنوب العراق والخزاعل في الفرات الأوسط. ولقد ظلت العصبية القبلية تحرك إحساس وشعور بل وسلوك العراقي في البادية والريف.وهكذا يبين الطاهر كيف أن الاحتلال العثماني قد فشل في سياسته الهادفة إلى تهديم النظام العشائري، لأن هذا النظام سرعان ما يستعيد حيويته ونشاطه بمجرد تعرضه للخطر الخارجي فيسود التضامن بين أبنائه، ولا تردعهم القوة التي يمتلكها المحتلون . وعلى هذا المنوال استمرت الأحوال في العراق حتى العام 1918 عندما أتم الانكليز احتلال العراق، فعمد المستعمرون الجدد إلى انتهاج سياسة مغايرة وفلسفة جديدة، تتلخص في دعم شيوخ العشائر والعمل على استمالتهم، من خلال جذبهم إليها فأعطتهم الأرض والمال والنفوذ والسلطة على أفراد قبائلهم. وهكذا فقد استطاعت شراء ضمائرهم التي باعوها للمستعمر، فأصبحوا ألعوبة في يده ينفذون خططه الاستعمارية في السيطرة على أبناء جلدتهم، شركائهم في الوطن والمصير. وعلى هذا الأساس فقد امتلك الشيوخ المقاطعات الزراعية والمكائن والآلات وازدادت ثرواتهم وتفشى نفوذهم على حساب الفلاحين الذين ساموهم أشد أنواع العذاب وسلبوا منهم قوة عملهم وإرادتهم.

الثورة الزراعية في الريف:

وفي دراسته الميدانية الموسومة ” الثورة الزراعية في الريف ” التي اشترك فيها مع باحثين آخرين، مختصين بالاقتصاد والزراعة، درس الطاهر وزميلاه أحد المشاريع التي أُنشئت بعد العام 1968 وهو مشروع ” المغيشي “. لقد كان الطاهر يشير دائماً قبل هذه الدراسة إلى أن قانون الإصلاح الزراعي في العراق الذي صدر بعد ثورة عام 1958 كان يحمل بين طياته مثالب كثيرة ولازالت عملية تطبيقه غير عملية. إذ إنها لم تُحقق النتائج المتوخاة من ورائه وفي هذه الدراسة تطرق أولاً إلى مسيرة الفلاح في الريف العراقي وكيف عانى طوال مدد تاريخية طويلة من الجوع والمرض والإهمال والاستغلال البشع لطاقاته الإنتاجية، من خلال علاقته السلبية بالإقطاع الذين باعوا أنفسهم للحكومات المحتلة مقابل تمكنهم من استغلال إخوانهم في الوطن والمصير.

المجتمع المدني في العراق:

من دون شك أن التغير الاجتماعي السريع الذي أصاب معظم مجتمعات العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية قد أصاب المجتمع العراقي أيضا، إذ توسعت المدن والبلدات على حساب القرى والأرياف. وقد كان لهذا الأمر جوانبه الايجابية والسلبية. ولقد عاش الأستاذ الطاهرجزءاً كبيراً من حياته في بيئة ريفية أو قريباً منها، ثم انتقل إلى مدينة بغداد في الأربعينات ليعيش فيها ما يقرب من ست سنوات غادر بعدها إلى فرنسا، ومن ثم إلى الولايات المتحدة ليعايش المجتمعات الغربية مدة ست سنوات أخرى. ثم ليعود إلى الوطن في بداية عقد الخمسينات وليستقر في مدينة بغداد مرةً ثانية، وليستخدم أدواته الأكاديمية في الملاحظة والبحث في هذا المجتمع عن قرب، بل في صميم التجربة. لقد كان لهذه التجارب الحياتية دورها في تمكين الطاهر من تقييم دراساته فقد عاش حياة القرية والريف والبلدة الصغيرة والمدينة ثم المدينة الكبيرة. فشاهد بعينه كيف تعيش هذه المجتمعات في هذه البيئات المختلفة .ولقد جاءت إشارات الطاهر عن مجتمع المدينة في العراق عام 1954 من خلال مقدمة كتابه الموسوم (التفسير الاجتماعي للجريمة)،التي خصصها للمجتمع البغدادي، وليقيم من خلاله مجتمع المدينة في العراق . لقد كانت هذه المقدمة عبارة عن عرض لمشكلات مدينة بغداد النفسية والاجتماعية وتحليلها. فبعد أن يستعرض مساوئ المدينة من صخب وعنف وعلاقات رسمية ونزعة فردية، فإنه ينتقد دور مدينة بغداد في التأثير على المجتمع، إذ يقول (أصبحت مدينة بغداد مركزاً لبيع الأدب الرخيص المبتذل وخاصةً الكتب الجنسية والمجلات الخليعة التي كانت تصادف رواجاً منقطع النظير بين الشباب من الجنسين فلقد ماتت المجلات الأدبية الرفيعة المستوى، وراجت مجلات الفن والاستعراضات، فأصبح القارئ ضحيةً لهذا الأدب الذي لا يثقفه ولا يغذي فكره ولا يوسع آفاقه. وقد اتخذت بعض الاوتيلات ملاجئ للرذيلة.أما العائلة فإنها كانت تمر في مرحلة ارتباك وقلق، فقدت فيها أغلب وظائفها. ولم يستطع الوالدان بسبب انشغالهما المتواصل أن يضمـا تحت سيطرتهما الأطفـال. ولقد انتشر الزواج من أول نظره ولأول راغب، فصغر حجم العائلة بسبب استعمال وسائل تحديد النسل، وتحول مركز الثقل في كيانها إلى ضمير الفرد من خلال وضع قيمه الأنانية فوق القيم الاجتماعية. وقد عملت المدينة على تعقد الحياة العائلية بسبب المشكلات الخاصة، كالسكن والمهنة والسينما والمرقص والبغاء وغيرها. فكثرت المنازعات العائلية التي أدت إلى الطلاق والنشوز والهجر وأحيانا تعدد الزوجات). لقد تبارى الناس في المدينة على اقتناء الموضوعات المادية كالبيوت الفخمة والسيارات والمجوهرات، رغبةً منهم في الحصول على مكانة اجتماعيه عالية من دون أن يؤدوا خدمات للمجتمع.ولقد تفشت في المدينة المجاملات والشكليات. إن حل مشكلة مدينة بغداد كما تصوره الطاهر يتطلب جهوداً متضافرة من المختصين ليس بشؤون التبليط والرصف وإنما من المختصين بطبيعة الإنسان ومشكلاته النفسية والاجتماعية.

بعد استعراض الدراسات الأربع التي أجمل فيها الأستاذ الطاهر رؤاه البحثية بشأن المجتمع العراقي ببيئاته الثلاث، نحاول الآن تفحص دقائق هذه الدراسات، وتلمس نقاط الضعف والقوة فيها من خلال تحليل ونقد هذه الدراسات. الملاحظة الأولى التي يمكن تسجيلها بشأن الدراسة الأولى (البدو والعشائر في البلاد العربية)، هي أن نحو 95 بالمئة من مادتها تختص بالبدو في العراق، والخمسة بالمئة الباقية تشير إلى البدو والعشائر في سوريا والأردن مع إشارات قليلة إلى السعودية والكويت وليبيا. ولقد أجاد الطاهر عندما أسهب في الحديث عن حياة سكان الصحراء المتنقلين وراء الماء والكلأ عندما تابع نشاطاتهم من خلال وصفه الكامل لحيثيات ومفردات هذه الحياة .كما أنه بينَ ولو بشكل غير واضح الفروقات التي تطرأ على حياة القبائل البدوية عندمـا تستقر وتتحول من الرعـي إلى الزراعـة، لكنه أشار بوضوح إلى الكيفية التي يتم بها توطين البدو وتحويلهم إلى قوى بشرية في المجتمع العراقي. كما أنه أشار إلى اهتمامات القبائل السياسية وعلاقاتها بالحكومات الأجنبية المتعاقبة على احتلال العراق .الملاحظة المهمة الأخرى هي أننا لم نشهد تحليلاً علمياً لمفردات بحثه التي أسهب في عرضها بصورةٍ وصفية من دون تحليل . والظاهر أن الطاهر كان يُدرك هذا القصور في عملية بحثه لذا فإنه قام بعرض مجموعة من الصعوبات كما أشرنا إليها آنفاً، والتي كانت تقف حجر عثرة في طريق الباحث في هذا المضمار، وعليه فإنه كان يشكو من تعقد الموضوع وسعته وتشابك أطرافه .وعند بحثنا عن دراسات مشابهة ظهرت في المدة نفسها وجدنا دراستين من باحثين عراقيين، أحدهما أكاديمي متخصص هو الدكتور علي الوردي، والآخر هو الأستاذ عبد الجبار عريم . ولنبدأ أولاً مع الثاني، إذ بعد مرور عشرة أعوام على إصدار الطاهر لدراسته، أصدر الأستاذ عريم كتابه الموسوم (القبائل الرحل في العراق).(1) ولقد حاكى زميله الطاهر من حيث وصفه للمجتمع البدوي في العراق وعرض المشكلات التي تواجه البدوإذ قال إن هذه المشكلات قديمة ومتجذرة وتعود إلى ماض سحيق .

مشاركة