داخل حسن وحضيري وناصر حكيم ..أبرز الأصوات المبدعة

218

داخل حسن وحضيري وناصر حكيم ..أبرز الأصوات المبدعة

الغناء الريفي بين شجن الهور والسويحلي وعتابة البادية

صباح الخالدي

تعد المفردة الشعرية في الأغنية الجنوبية غير متشابهة كمثيلتها في المناطق الأخرى من مناطق العراق ومدنه ووفق تأثير هذا التكوين الطبيعي والبيئي تكيفت أصوات المغنين بالفطرة لتأتي منسجمة مع إيقاع الحياة العام، ومنسجمة نغميا مع أصوات الطبيعة المائية الخضراء.. ولكن  الإرث الموسيقي للمنطقة تجلى باكتشاف أولى الآلات الموسيقية مثل القيثارة في الحضارة السومرية منذ أكثر من 7 آلاف سنة ، هذه الآلة التي تعد أقدم آلة موسيقية وترية عرفها الإنسان، وآلة العود في الحضارة الأكدية، وهي أول آلة موسيقية ذات ذراع عرفها الإنسان منذ 4500   سنة .

.ومع هذه الاستهلالية لابد من الدخول في استعراض الأطوار الريفية ومفردها طور  وعددها  كثير، منها ما اندثر عبر القرون بسبب عدم التوثيق، ومنها ما لا يزال يستخدم إلى يومنا هذا مثل طور الصبّي، نسبة إلى المكون الصابئي المندائي والملائي نسبة للطقوس الحسينية الملائية، والحياوي نسبة إلى أهل الحي في محافظة واسط.كما ان من الاطوار الريفية المشاعة الطويرجاوي نسبة إلى المطرب الراحل عبد ألأمير الطويرجاوي الذي ينتمي إلى مدينة طويريج  وطور جبير الكون، وهو اسم شخص عاش في مدينة النجف خلال النصف الأول من القرن العشرين، و الشطري نسبة إلى حي الشطرة في محافظة ذي قار.وتستخدم في العزف على الآلات الموسيقية مع المطرب الريفي في الاداء  المطبج والناي اللتان اعتمد عليهما الغناء الريفي من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر كما اعتمد الغناء الريفي إيقاعيا على آلة (الدنبك،) وهي آلة أكثر شيوعا في الغناء الريفي تشبه الطبلة في الموسيقى العربية حاليا ،غير أنها تصنع من الفخار، فوهتها الكبيرة مفتوحة من الجهتين وتغطى بالجلد المدبوغ. كما يستعملون آلة الخشبة الإيقاعية، وهي عبارة عن أسطوانة من الخشب مفتوحة من الجانبين وضيقة من الوسط تغطى إحدى فتحاتها بجلد السمك الرقيق …خلال مسيرة مئات السنين فان الغناء الريفي ظل مغيبا لأسباب عدة  رغم وجود الكثير من المطربين الكبار والموهوبين الذين ابتكروا..

 أنماط غنائية من صلب البيئة

 أنماط غنائية حديثة من صلب البيئة الريفية، وأدخلوا في غناء الريف ألوانا كثيرة من الشعر الشعبي والفصيح والموشح.ووضع بعض المطربين ألحانهم بأنفسهم رغم أنها كانت بسيطة التكوين لا تتجاوز الديوان (أوكتاف) الواحد أو بضع علامات موسيقية، وذات مقام واحد أو مقامين في أفضل الأحوال.وكانت  تلك الألحان معبرة ومليئة بالعاطفة  وبساطة تركيبها تتلاءم مع بساطة الأغنية العربية خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين. ويرجع عدم انتشار الغناء الريفي الى انعدام وسائل الإعلام وعدم توفر المدارس الموسيقية في كل أنحاء العراق، وعدم اكتشاف تقنيات التسجيل.ومع ان فتحت الاذاعة العراقية ابوابها بالبث حتى كانت لاصوات بغدادية مقامية وريفية وجودها في ساعات البث القليلة وكانت تلك الكرحلة تؤشر بداية انتعاش هذا الفن من اشهر من غنى في الاذاعة الفنانون من بينهم ناصر حكيم الذي اشتهر بصوته العالي والجهوري، وكان شاعرا وملحنا وله أغان مهمة في الغناء الريفي .. و حضيري ابو عزيز ومسعود العمارتلي والمطرب الكبير  داخل حسن  وقد عاش هؤلاء في الفترة الزمنية نفسها، وكان داخل حسن الأكثر قبولا من قبل شركة (بيضا فون)لانه كان يمتلك خامة صوته النادرة، وترددات صوتية توحي بأنها أكثر من صوت في آن واحد، مما يصطلح عليه (البحة) أو (التطويح)، حيث حصل على حيز جيد في مجال التسجيل. ثم تسارعت إليه الشركات لأنه يمتاز بحنجرة غريبة، إضافة إلى إحساسه العالي بالجملة الموسيقية والشعر الذي يغنيه فقد كان مطربا ذكيا بالفطرة.ولعدم الانتشار الاعلامي كانت هذه الطاقات  محصورة في مناطقها الجنوبية ولم تسمع الا من خلال الاعراس او المناسبات في تلك المدن فقط رغم ذلك ظل الغناء الريفي يعاني من التغييب منذ منتصف الخمسينيات لأسباب مختلفة  مقارنة بفن  المقام العراقي والموسيقى الغربية التي دخلت العراق مع الاحتلال البريطاني في العشرينات، وأخذت حيزا كبيرا في الإعلام والتعليم والمهرجانات والمحافل الموسيقية الدولية, وفي منتصف الستينات والسبعينات ظهر مطربون وملحنون وشعراء يستندون إلى إرث الغناء الجنوبي مثل سعدون جابر، وحسين نعمة، وفاضل عواد، و ياس خضر، وفؤاد سالم، و قحطان العطار، ورياض أحمد، وحميد منصور وسعد الحلي الذين استطاعوا أن يثبتوا إمكاناتهم وأن يأخذوا مكانهم الصحيح.وفي هذه الفترة ظهر العصر الذهبي للأغنية العراقية، حيث اعتمدت على قصيدة عميقة تحمل هموم الجنوب وحكمته، قصيدة بعيدة عن ترف المدينة… وقد أصبحت لها مقدمة موسيقية طويلة ولوازم تتخلل الأغنية، وأصبحت مساحات الصوت الريفي أوسع من غيره بسبب التكوين الجغرافي وتعدد المقامات والإيقاعات.ويؤكد نقاد الفن العراقي ان (الاغنية الريفية هي بالالحان الطبيعية ذات التأليف التلقائي والأداء الحر بموضوعات مستمدة من واقع الريف العراقي وبين مطربي الرعيل الأول ومؤدي الأغنية الشعبية أكثر من وشيجة لعل أبرزها التأثر والتأثر الواضحان بطبيعة الألحان-الموروثة- وأسلوب الاداء حين وضع فنانو هذا الجيل نصب أعينهم الارتقاء الى ما وصل اليه الرواد حيث وظفوا قدراتهم كملحنين ومؤدين لتجسيد نكهة الاغنية الريفية من خلال الحان جديدة مؤلفة على غرار ووزن أغاني الريف )ومن مطربي المدن وجدوا هذا اللون أكثر استجابة لقدراتهم الصوتية فنجحوا في تكريس هذا الاتجاه ومنهم الفنان  الرائد عبدالجبار الدراجي الذي غنت .

الابوذية و المروث الشعبي

له المطربة العربية الراحلة فائزة أحمد من الحانه وكلماته أغنية (خي لا تسد الباب) في منتصف الستينيات من القرن الماضي وكذلك وضع الحان اوبريت (غيده وحمد) وهذا العمل تضمن الغناء الموروث من ابوذية ، نايل، سويحلي، وأيضاً ما قام به الملحنون ناظم نعيم وسمير بغدادي ورضا علي ومحمد نوشي الذين أفادوا المطرب الدراجي بنماذج زاهية من الأغاني الحديثة ذات النكهة الريفية مثل أغاني (تانيني صحت عمي يا جمال) و(دكتور) و(علمتني) و(ما اريد الما يردوني) التي تعد من أفضل الأغاني خلال حقبة من الستينات من القرن الماضي وذلك أن الطرب الريفي يتألف انفرادياً وليس ضمن مجموعة مؤدية خاصة عندما تكون هذه الفرقة مؤلفة من أصوات محترفة لكل منها خصوصية في الأداء والأغنية الناجحة هي الأغنية التي تجسد شخصية المؤدي وطريقته في الاداء وهذا ما نجح به أيضا المطرب ياس خضر وحسين نعمة ورياض أحمد وحميد منصور وكريم منصور ورضا الخياط ومطربون وملحنون كبار آخرون استفادوا من تراث الأغنية الريفية وقدموا أجمل الألحان والأغاني التي تركت بصمة في تاريخ الغناء العراقي والفضل يعود إلى الرعيل الأول من أمثال حضيري أبوعزيز وناصر حكيم وداخل حسن ومسعود العمارتلي وآخرين من تلك الاصوات التي صدحت في افياء الريف وتحت ظـــــلال النخيل الوارفة.. وان الاساطير التي ورثاها العراقيون عن الحضارات القديمة كثيرة ومتشعبة وجميلة تستهوي وتدفع الى ان نتدبر آثارها ومن تلك الاساطير (حكاية جنوب) فقد قال اهل اور القدامى ومعروف ان اور حضارة قديمة عرفت في جنوب العراق وبالتحديد في منطقة الناصرية يقول أهل اور ان جنوب هذه هي اله الخير لذا فإنك ترى معظم المناطق الجنوبية في العالم تتكون من ارض خصبة تحيط بها الانهار وتملأها الاشجار ويحفها الخير وجنوب العراق يحظى بحظ كبير من الزراعة, والزراعة هي مصدر رزقهم ويطلق عليهم اهل الريف ولهم نمط خاص في حياتهم كما لهم عاداتهم وتقاليدهم.ومعروف ان أهل الريف في كل مكان من العالم يختلفون بهذه الاساليب والتقاليد عن أهل المدينة وأهل البادية لذا فإن غناءهم قد تأثر بالبيئة التي احتضنتهم وبالانهار التي احيطت بهم فتكيفت حناجرهم من تلقاء نفسها لتأتي منسجمة مع خرير المياه وزقزقة العصافير وحفيف الاشجار فكانت رطبة لينة يسهل على الاذن تقبلها وفي بداية الخمسينيات بدأت مرحلة جديدة من حياة الفنانين داخل حسن وحضيري ابو عزيز بصورة خاصة حينما وجهت اليهما دعوات من خارج العراق من سوريا ولبنان ومصر ومنها انطلقا الى آسيا واوروبا وهما يحملان التراث الريفي العراقي غناء.واخذا يسجلان الاغاني والاطوار الريفية في أحدث استوديوهات التسجيل في ذلك الوقت وبدأت الاذاعات العربية بالاضافة الى الاذاعة العراقية ببث تلك الاغاني والابوذيات بصورة منتظمة وكان لانتشارهما اثر ايجابي على الغناء الريفي حيث بدأت الاصوات الشابة تتوافد على بغداد ولمعت اسماء اصبحت فيما بعد امتداداً لهؤلاء الرواد ومنهم جواد وادي وعبدالواحد جمعة وعبد محمد وجبار ونيسه وفرج وهاب وكان الاخير من المميزين في الاداء واسلوبه الجديد ذلك لأنه يمتلك صوتاً يختلف  عن باقي الاصوات.

 خصوبة التربة وأحلام المطربين

يتجلى الإرث الحضاري للريف الذي شيدت على أرضه أهم الحضارات البشرية مثل السومرية والبابلية والاكدية  فقد ظل الغناء الريفي في جنوب العراق متأثرًا بالبيئة التي احتضنته بسهلها وخصوبة أرضها والأنهار التي ارتوت منها خاصة تلك الطبيعة الخلابة من اهم  عناصرها الاهوار والمساحات المائية التي تشكلت عبر آلاف السنين خاصة ان  اجواء الاهوار تتميز  بنمط اقتصادي واجتماعي وحضاري معين ، فنباتاته وحيواناته متميزة وليست في العالـم العربي أقاليم كثيرة مماثلة له حيث يوجد في الجنوب وعلى حافات الأنهار والاهوار أفضل أنواع النخيل في العالم في محافظتي ذي قار وميسان . والبصرة مع اهوار  الحمار والحويزة والقرنة  وفي  البصرة ملتقى نهري دجلة والفرات اللذين يشكلان شط العرب فتعد من المناطق الأكثر خصوبة في العالم، لذا تجد الصورة والمفردة الشعرية في الأغنية الجنوبية ليست كمثيلتها في المناطق الأخرى. تحت تأثير هذا التكوين الطبيعي والبيئي تكيفت أصوات المغنين بالفطرة لتأتي منسجمة مع إيقاع الحياة العام ومنسجمة نغميًا مع أصوات الطبيعة المائية الخضراء. وهكذا تنساب الالحان مع انسياب القارب البطيء والمنزلق بسلاسة على مياه الاهوار باعتباره الوسيلة الأهم للتنقل هناك ، هذه الحركة الإيقاعية الحياتية اليومية لا بد لها أن تخلق إيقاعًا بطيئًا انسيابيًا في الموسيقى يختلف عن إيقاع المدينة الصاخب ويختلف عن أي إيقاع آخر في أي ريف آخر سواء كان جبليا أو صحراويًا. لا بد لهذه الطبيعة الجغرافية ان تخلق نغمة موسيقية ممدودة و طويلة بسبب الأفق المفتوح الذي لا ينتج الكثير من الترددات الصوتية ولكنه يصدر امتدادًا صوتيًا مستمرًا وطويلاً في حالة الغناء او التصويت على العكس منه في المناطق الصحراوية ذات الأفق الواسع وألا رضية الرملية التي تمتص الصوت فلا ترددات ولا امتداد صوتي، أما في المناطق الريفية او الجبلية فالترددات الصوتية كثيرة بسبب الصدى الذي تعكسه الجبال. بهذا المثال الذي يُرينا كيف يكون للبيئة الدور المتميز في تكون الموسيقى نستطيع أن ندرك سر اختلاف الموسيقى الريفية الجنوبية العراقية وتفردها عن الألوان الموسيقية الأخرى في العراق والوطن العربي .ومع مرور الزمن أدخلت آلة الكمان والعود وصارت مستخدمة في الغناء الريفي الجنوبي في العشرينات و الثلاثينات أما في الخمسينات من القرن العشرين فقد نبغ موسيقيون كان لهم الأثر الكبير على كل المطربين وعلى مدرسة الغناء الريفي ككل  من هؤلاء الفنان فالح حسن عازف كمان مبدع عرف عنه إلمامه بكافة أطوار غناء الابوذية وخاصة التي ترتكز منها على مقامي البيات والصبا مثل طور المحمداوي والغافلي والمستطيل وغيرها .. ومع تطور الالكترونيات في مجال الغناء والموسيقى التي غزت التخت الشرقي الا ان الغناء الريفي بصوت الشباب من بينهم سعدون جابر وقحطان العطار وستار جبار وحسام الرسام ظلت بنفس الروح للريف العراقي الجميل تتكلم  من خلجاته وحبه للعراق بين الغربة والحنين للوطن صوت عذوبته  تنساب بين شفتيهم  حتى تتحس صدق ادائهم تسمع احدهم و تحسس بحركة القصب والبردي على الصدوري وتتلمس خرير الماء ينساب كساقية تشق طريقها تهوي من جبال الشمال الى اهوار الجنوب ..كما برزت اصوات نسائية كان لها الاثر في توسيع مساحة الغناء الريقي ومن ابرز تلك الاصوات الفنانات زهور حسين لميعة توفيق وحيدة خليل وغيرهن اخريات ومع ان وجدت الكاسيت والراديو طريقهما الى حياة العراقيين حتى ظهرت انماط جديدة من الشكل المديني للأداء، وضاعت الملامح بين موجات الهجرة إلى المدينة من الريف، وضاعت الأغنية البغدادية في الستينيات، وأصبح ابن المدينة يسمع أغنيات لا تخفي لهجتها الريفية أو البدوية في الوقت ذاته الذي بدأت الأصول الفلاحية والبدوية تتحكم في نمط حياة المجتمع والبلد ككل.  إلا أن مجالات الموسيقى الرصينة ظلت عصية بعض الشيء على (فوضى التحولات) الاجتماعية والذوقية  أولاً لقوة مراس فنانيها، وثانياً لرسوخ الأصالة اللحنية لأشكال موسيقية كالمقام العراقي مثلاً، وثالثا للتركيبة الاجتماعية التي لم تتمكن موجات العنف والإجبار القسري من زعزعة انتظامها كليّاً، وإن بدت أنّها تمكنت من ذلك بعض الشي. فظلت في العراق أشكال أساسية تنتج الموسيقى والألوان الغنائية من الريف الى المديـنة الى اغاني الجبال وكل حسب الطبيعة الجغرافية .

مشاركة