{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

193

{ إشترك مع الوردي بتأسيس أول قسم للإجتماع ثم أصبح أبرز منافسيه

{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

{ (الزمان) تلقي الأضواء على عالم عراقي لم تنصفه الأقلام

{ الطاهر الرائد الثاني لعلم الإجتماع ..عمر قصير وإنتاج غزير

شاب قادم من عمق الأهوار يتقدم الصفوف ويبهر الغرب بأبحاثه

5

القيم البدوية أكثر قوة وشدة بالحياة ولاسيما في الجانب السياسي

محمد السهر

ذي قار

في هذه الدراسة تفتح (الزمان) ملف عالم عراقي لم ينصفه الاعلام ولم ينل ما يستحقه من اهتمام الاعلام برغم خدماته الجليلة للبلد بل ان اسهاماته العملية تخطت الحدود فأشترك في وضع لبنات علم الاجتماع في عدد من الدول العربية انه عالم الاجتماع الراحل عبد الجليل الطاهر الذي كان قد تعرض للإعتقال في مرحلة من حياته . قصة الطاهر هي قصة شاب عراقي قادم من الاهوار عرف بعصاميته فسجّل اسمه بحروف من نور فعسانا هنا نرد إليه جزءاً من الدين.

لقد كان الطاهر في ذروة إدراكه ووعيه إنساناً ومثقفاً، محصَّ الحوادث، وحلل آلياتها، وربط أسبابها ونتائجها. وأثناء دراسته في السوربون عام 1947 شاهد وتفحص ما تركته الحرب العالمية الثانية من مآسٍ في فرنسا ومدى تأثيرها على أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية واطلع كذلك على دور علم الاجتماع في فرنسا في مرحلة ما بعد الحرب. وبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة شاهد الجانب الآخر للعملة فعلى الرغم من دخول الأخيرة هذه الحرب لم تعان ويلاتها كما عانت أوربا لأن الحرب جرت بعيدة عنها. لقد تلمس الطاهر وتفحص بإسهاب وتدقيق مجريات الحياة المادية وكيف يكون الاقتصاد العصب الرئيس للحياة في المجتمع، ولقد اطلع على الوظيفية مدرسةً في علم الاجتماع، وعلى الاتجاه التفاعلي الرمزي الذي كان السمة المميزة لمدرسة شيكاغو في علم الاجتماع، واطلع كذلك على انصباب اهتمام علماء الاجتماع الأمريكان على دراسة مجتمعهم ودراسة المجتمعات التي كانت تشكل للحكومة والمجتمع في الولايات المتحدة هاجساً مقلقاً في ذلك الوقت كالمجتمع الروسي والياباني وغيرهما .لقد أسهمت الظروف والعوامل والأحداث التي ظهرت في الأربعينات والخمسينات محلياً وفي الوطن العربي في بلورة رؤية سوسيولوجية محلية لما كان يجرى وجعلته في قلب الحدث، فأحداث مايس في العراق عام 1941، وقيام دولة إسرائيل عام 1948، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم الوحدة بين مصر وسورية، وأحداث الثورة في الجزائر وغيرها، كانت تجعل الطاهر وأبناء جيله متفاعلين مع ما كان يجري في محيطهم الإقليمي والعربي. فعلى الرغم من أن الطابع السياسي لهذه الأحداث، إلا أن آثارها على المجتمع كانت كبيرة. ولقد ظهر علم الاجتماع حقلاً معرفياً مستقلاً في منتصف عقد الخمسينات في وسط هذه الأحداث وفي قلبها، ولقد كان الأستاذ الطاهر ثاني متخصص أكاديمي يحصل على شهادة علمية عالية في علم الاجتماع بعد زميله الوردي ليسهما في تدشين أول قسم لعلم الاجتماع في العراق. ومن المؤكد فإن عصارة هذه الأحداث كان لها دورها المؤثر والبارز في توجه الطاهر النظري والمنهجي لبحوثه الاجتماعية، وفي ماهية البحوث ونوعيتها. كذلك فقد أشر الاتفاق الذي حصل بين الحكومة العراقية وشركات النفط الأجنبية عام 1951 القاضي بزيادة الإنتاج وحصول العراق على نصف الأرباح، أشر تطوراً جديداً في الاقتصاد العراقي وفي بناء القاعدة التحتية لهذا الاقتصاد من خلال إنشاء وزارة الإعمار ومجلس الإعمار، وقد اطلع الطاهر على المشاريع العمرانية عن قرب من خلال عمله اختصاصياً في هذا المجلس حيث قدم مجموعة مهمة من البحوث التي اعتمدت بنجاح كبير. كذلك فقد عايش الطاهر ما بعد ثورة 1958 وشاهد التغيرات الاجتماعية التي رافقتها فأشر بدقة علمية عالية الثغرات التي ظهرت في قانون الإصلاح الزراعي واقترح مجموعة من الحلول لتلافيها.

أهم دراسات الطاهر وبحوثه الميدانية والنظرية

تناول الأستاذ عبد الجليل الطاهر موضوعات متنوعة بالبحث والدراسة والتحليل، فقد كان همه الأول بعد عودته من الدراسة عام 1952 أن يُغني جانبين في بحوثه وكتاباته، الأول كان يتعلق بالمعرفة السوسيولوجية وأدبيات علم الاجتماع والفكر الاجتماعي، والذي كان مُلزماً بتعليمه تلاميذه في الجامعة ولعموم المثقفين والمهتمين والقراء الذين كانوا يتوقون للتعرف على مبادئ علم الاجتماع وأبرز نظرياته ومناهجه وأهم وظائفه. ولقد قدم الطاهر وزملاؤه الذين زامنوه في المدة نفسها البحوث والدراسات التي كان يُؤمل من خلالها أغناء هذا الجانب .أما الجانب الثاني الذي ركز عليه الطاهر فهو ما تعلق بالمجتمع العراقي في بيئاته الثلاث التي كانت تتألف منها التركيبة السكانية، وهي بيئات البداوة والريف والمدينة. ومنها ما تعلق بالشخصية العراقية، التي شكلت موضوعاً مهماً للمناقشة والدراسة والتحلي في حينها وعلى وجه الخصوص مع زميله الوردي.ولقد وضعت هذه الدراسات والبحوث في حقول خاصة تلائم موضوعاتها. فوضعت أربع دراسات من دراساته تحت موضوع رئيس هو (المجتمع العراقي)،وكان الموضوع الثاني يقتصر على (الشخصية العراقية) ومحاولة الإلمام بجوانبها كافة. بينما ضم الحقل الثالث موضوع (مسيرة المجتمع) الذي تضمنه بحثه الضخم الذي يحمل العنوان نفسه. وفي الحقل الرابع تناولت موضوع (الصراع الإيديولوجي)،أما خامساً فقد كان موضوع النقد الاجتماعي الذي وضعته تحت عنوان دراسته نفسها (أصنام المجتمع)،وفي الحقل السادس تناولت الموضوعات ذات الطابع الفلسفي في البحث الذي تضمن مجموعة من الدراسات التي تراوحت بين التعقيد الشديد وبين التبسيط المخل. وأخيرا كان الحقل السابع والذي اقتصر على تحليل دراسة الطاهر للمجتمع الليبي .

المجتمع العراقي:

مما يُفخر به أن انطلاقة علم الاجتماع في العراق كانت حرة وغير مُقيدة، على العكس مما كانت عليه في مصر أو في أقطار المغرب العربي كما أشرنا لذلك آنفاً. وخلاصة القول إن مجموعة صغيرة من الأكاديميين المتخصصين في علم الاجتماع لا يتجاوزن أصابع اليد قد شكلوا نواة علم الاجتماع في العراق برغم الصعوبات الجمة التي واجهتهم، جمعتهم عراقيتهم وإخلاصهم لوطنهم وتفانيهم في عملهم فآلوا على أنفسهم إلاّ أن يدرسوا مجتمعهم قبل كل شيء .ولقد درس الأستاذ الطاهر المجتمع العراقي في بحوث عدة، وإن جاءت في مدد مختلفة إذ لم يدرسه جملة واحدة أو أن يُخصص له دراسة موحدة وإنما درس البيئات الثلاث التي يتكون منها المجتمع العراقي وهي (البادية والريف والمدينة) . هذه الدراسات نُشرت على شكل أربعة مؤلفات مطبوعة، أولها كانت دراسته الموسومة (البدو والعشائر في البلاد العربية)،وثانيها مقدمة كتابه (التفسير الاجتماعي للجريمة) التي خصصها لدراسة المجتمع المدني في بغداد ومن خلاله دراسة المجتمع المدني في العراق . والدراستان المهمتان (العشائر العراقية) ودراسته الميدانية المتعلقة بالريف العراقي (مشروع المغيشي) .

أ- البدو والعشائر:لقد درس الأستاذ الطاهر المجتمع العراقي الذي يكون في البادية . وتعد دراسته الموسومة (البدو والعشائر في البلاد العربية) من الدراسات المهمة كونها تعالج موضوعاً كان يشغل حيزاً كبيراً من حياة الأفراد والجماعات في المجتمع العراقي. إضافةً إلى أن القيم البدوية قد كانت أكثر قوة وأشد تأثيراً في أكثر مجالات الحياة وبالأخص الجانب السياسي الذي ادت العشائر فيه دوراً كبيراً .هذه الدراسة ألقاها الأستاذ الطاهر في البداية على شكل محاضرات لطلبة قسم الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في القاهرة عام 1954 ثم طبعها معهد الدراسات العربية العالية على شكل كتاب  في عام 1955. وتتكون هذه الدراسة من اثني عشر فصلاً، حيث تناول في الفصل الأول تكوين المجتمع البدوي والعشائري والأسس الاجتماعية والنفسية التي يقوم عليها. ثم ناقش العصبية القبلية محوراً أساسياً يقوم عليه نسيج العلاقات القرابية وتنتظم حوله الحياة الاجتماعية إذ تتميز العصبية بأنها موحدة، شاملة وذات قوة إلزامية قهرية وزجرية تمارس شيئاً من السيطرة على ضمائر أفراد القبيلة الواحدة. وفي الفصل الثاني تناول الطاهر موضوع التنظيم الاجتماعي وموضوع النسب ومنابع الأصول، ثم عالج الهرم القبلي الذي يكون الشيخ (زعيم القبيلة) على رأسه، ثم يتبعه في المنـزلة القاضي البدوي (العرافه)،ثم (السركال) ثم المؤمن (رجل الدين)،ثم الحاشية (الحرس والخدم) وأخيراً الفلاحون. وفي الفصل الثالث يعرج الطاهر على مفهوم الحقوق والواجبات في المجتمع البدوي والعشائري فيتناول مجموعة من المفاهيم الرئيسة كحق الدم (الدية) ويسمى في عشائر العراق (الودي) ومفهوم (الحشم) الذي يفرض في أمور عديدة تتصل بالكرامة وهو عبارة عن تعويضات يُحكم بها في حوادث الجروح التي ينشأ عنها عطل وفي القضايا التي تمس الشرف والكرامة، والسرقات وحق الدخالة والوجه والتسيار، وحق الزاد والملح والرابطة الاجتماعية وحق القصير (الجار). ويخصص الأستاذ الطاهر الفصل الرابع من دراسته لبيان أثر البدو والعشائر في السياسة. فيستعرض تاريخ العراق منذ سقوط بغداد عام 1258، والحكومات الأجنبية التي قامت في العراق بعد ذلك، فقد كانت العلاقة بين هذه الحكومات والقبائل عبارة عن علاقة مد وجزر. ثم يشرح الكيفية التي تأتي بها كل حكومة للتعامل مع النظام القبلي والعشائري الذي كان يسيطر على النسبة العظمى من خريطة البلد الجغرافية والسكانية. يتناول بعد ذلك موضوع العائلة عند البدو والعشائر فيخصص له الفصل الخامس، حيث تتميز العائلة في البادية وفي القبائل المتوطنة وشبه الرحالة ببعض الخصائص الحضارية الشاملة كتمتعها بالروابط الصميمية المتينة والتعاطف والتجاذب فيما بين أفرادها، وسيادة قيمها على القيم الفردية، والزواج المبكر وكبر حجم الأسرة، وسيطرة الرجل واحترام الشيوخ والطاعنين في السن، وعدم استعمال وسائل ضبط النسل، وقلة الطلاق. أما الزواج فيكون على أنواع عدة منها الزواج وفقاً للأعراف والتقاليد والزواج بدلاً من الدية والزواج بالخطف والزواج بالاتفاق (كصة بكصة).(5) وفي الفصل السادس يأتي موضوع خصائص المجتمع البدوي، حيث يتناول الأستاذ الطاهر رحلة الشتاء والصيف، ثم يأخذ موضوع الغزو وكيفية إعلانه، ثم موضوع النخوة عند البدو، ودواعي الاستسلام في المعركة، وأخيرا الوسم القبلي (رمز وعلامة القبيلة). بينما يستعرض في الفصل السابع توزيع البدو والقبائل في البلاد العربية، فسكان العراق مثلاً يقسمهم حسب أحوالهم الاجتماعية وطرائق معيشتهم إلى أربعة أصناف. ويظهر أن ما يقرب من 35 بالمئة من القبائل الرحل كانت تسكن الألوية الشمالية (الموصل، أربيل، السليمانية، كركوك)،أما البقية 65 بالمئة فكانت تسكن في سبعة ألوية (الوسطى والجنوبية). ويلفت الأستاذ الطاهر النظر إلى أن إحصاء عام 1947 كان قد قسم سكان العراق الى حضر وأرياف فقط ولم يتطرق إلى القبائل الرحالة. في الفصل الثامن يتعرض الطاهر إلى التبدلات الحضارية في المجتمع البدوي والعشائري، فيشير من خلاله إلى حقيقة فحواها عدم وجود حضارة راكدة وساكنة سكوناً تاماً، وإنما تتبدل الحضارة في العادة نتيجة لعاملين أولهما أن الحضارة تنبثق من نفسها بصورة تلقائية، أما الثانية فتلك التي تتم عن طريق تلقيح الحضارة المحلية الراكدة بحضارة أخرى نتيجة الاتصال والتلاقح. ومن المعلوم أن عوامل عديدة وجديدة قد طرأت على النُظم البدوية والقبلية نتيجةً لاستبدال الحضارة الزراعية أو الرعوية بالحضارة الأوربية الصناعية.الموضوع المهم الآخر الذي يتناوله الأستاذ الطاهر هو موضوع الهجرة من الريف إلى المدينة، حيث خصص له الفصل التاسع وهو يقول إن الهجرة تصبح فراراً من وضعية اجتماعية راكدة وساكنة فَرضت على الفرد مكانة اجتماعية واطئة، لذا فهو يتوق إلى مكانة أخرى، وهى ليست مجرد تبديل في المكان وإنما تبديل في فلسفة الحياة ومحاولة للصعود في السلم الاجتماعي. وتتصل الهجرة اتصالاً وثيقاً بالوضع الاقتصادي في وضعيتين مختلفين، هما الريف العراقي والمدن العراقية الكبرى (بغداد، البصرة، كركوك) . ويؤكد الأستاذ الطاهر أنه ومن خلال الدراسات التطبيقية التي قام بها خلال السنتين السابقتين (من سنة طبع الكتاب 1954) بأن الهجرة تتصل بمشكلة الأرض والتوطين. لقد دفعت مساوئ الملكية الجديدة الفلاحين في المنطقة الجنوبية من العراق وفي الأخص من لواء المنتفق وبعض الألوية الواقعة على نهر الفرات إلى الهجرة. ويوجه الأستاذ الطاهر نقدا لاذعاً للحكومة العراقية آنذاك بالقول إن التوطين والاستقرار اللذين كانا هدفاً للتشريعات التي سنتها الحكومة العراقية لم يأتيا ثمارهما المطلوبة. بل إنهما ساعدا على تفتيت العصبية القبلية ولم تحل محلها رابطة المواطنة العراقية وعدم تشجيع ربط الفرد القبلي بالأرض، مما أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة وعدم إسهام أفراد القبائل بالمؤسسات الاجتماعية، فقد بلغ دخل الفرد في العراق بين (25 – 30) ديناراً فقط.

مشاركة