المراهق ودماغه

182

المراهق ودماغه

مرحلة يمكن أن تلقي الشخص في اللا يقين

 طه النعمة

– بالله عليك. لم اطلب منك سوى ان ترتب فراشك.

– وهل يتوجب علي عمل ذلك الآن؟ لدي امور اخرى تشغلني في الوقت الحاضر.

– انا فقط لا افهم كيف بمقدورك اللعب وسط هذه الفوضى، لا عجب ان بدوت “مبهذل” هكذا دائماً. وعلى فكره، هل انجزت فروضك البيتية؟

– توقفي عن معاملتي كما لو كنت طفلاً.

– فقط عندما تتوقف عن التصرف مثل طفل.

هل تبدو هذه المحاورة مألوفة؟ نعم، على الارجح! إذ يمكن ان تكون أنموذجاً لعجز الوالدين والمراهقين من ابنائهم عن التواصل البنّاء ورؤية الامور من منظورين متقاربين. وهذا في رأي البعض الآن مقبول بحسبانه جزءا من واقع محتوم في التعامل مع المراهقين من الابناء. ويرى أغلب منتسبي المؤسسة النفسية ان المراهقين معرضون للسلوكيات المتهورة والمجازفة واحياناً الخطيرة والضارة بالصحة الجسمية والنفسية. والى وقت قريب ساد الرأي التقليدي الذي يعزو تلك السلوكيات الى تدفق الهرمونات وهياجها. فقد ظن المختصون في العلوم العصبية في وقت من الاوقات بان البنية الدماغية الداخلية تكتمل وتثبت في نهاية مرحلة الطفولة، وان مسؤولية سلوك المراهقين تقع على عاتق الهرمونات والافتقار الى التجربة. ولكن الامور في الآونة الاخيرة اخذت تبدو كما لو ان المشكلة يمكن ان تكون من الاتساع بحيث يتعذر تعليقها على شماعة الهرمونات والتجربة. إذ بحسب الآراء المتأخرة لبعض علماء الاعصاب فان الدماغ، وهو العضو الوحيد الذي لا يكون، عند الولادة، مكتملاً لا من ناحية  النمو العضوي البنيوي ولا من ناحية النضج النمائي الوظيفي، يشهد عمليات اعادة ترتيب جذرية في بنيته اثناء المراهقة، كما تتوفر الآن أدلة على ان سلوكيات المراهقين تلك ذات أساس بنيوي نمائي بما في ذلك الدور الموكل للهرمونات، وهذا يرجع الى ان على الدماغ انجاز مهمتين اثناء المراهقة، الاولى؛ استكمال نمو ونماء بعض اجزائه، والثانية؛ تشذيب شبكه اتصالاته الداخلية.

إذ فيما يخص المهمة الاولى، اوضحت دراسة، نشرت في مجلة محاضر أكاديمية العلوم الامريكية ومولها المعهد الوطني للصحة النفسية، أن دماغ المراهق يعتمد على بنى دماغية تعود الى طور نمائي مبكر في معالجة الانفعالات الاساس ومنها الخوف وباسلوب مختلف عما يفعله دماغ الراشد. وذلك الاعتماد يمكن ان يسبب صعوبات للمراهقين اكثر من الراشدين في التمييز بين الخطر والامان مما يؤدي الى زيادة في انتشار تأثيرات الضغوط والقلق بينهم. اذ بحسب الدراسة تبين ان بعض الامور التي تثير الخوف لدى الاطفال والمراهقين لا تخيفهم، في الغالب الأعم، عندما يصبحون راشدين. كيف، إذن, يميز دماغ الراشد بين الخطر والأمان؟ وما هي اوجه اختلاف عمل دماغ الراشد، في هذا الاطار، عن عمل دماغ المراهق؟ للعثور على اجابات عن بعض هذه التساؤلات قامت الباحثة جنيفر لو وزملاؤها بإجراء مقارنة بين عمل أدمغة تعود الى مراهقين وراشدين اصحاء اثناء قيامها بمهمة تعرّف حالة التهديد من حالة الأمان. وبدون الدخول في التفاصيل الإجرائية للتجربة، وجد ان افراد كلتا المجموعتين شعروا بخوفٍ اكثر، عند عرض مثير للتهديد عليهم، مما شعروا به مع مثير للأمان. ولكن بالمقارنة مع الراشدين كان المراهقون اقل قدرة على التمييز بين مثير التهديد ومثير الامان. وفي نفس الوقت وجد الباحثون بواسطة استخدام المرنان المغناطيسي الوظيفي في تفرّس ادمغة المجموعتين أن أدمغة المراهقين اظهرت تناشطاَ اكثر في لب الدماغ وخصوصاً اللوزة، التي تختص بتوليد الإنفعالات ومنها الخوف، والهيبوكامبوس، الذي يقوم بفتح الملفات الذاكرية الجديدة التي تطلبها اللوزة لحفظ الذكريات المفعمة بالإنفعالات والمهمة للبقاء، مما عليه الحال لدى الراشدين اثناء رؤية الصور الممثلة لمثير الامان. كما لوحظ اختلاف آخر بين المراهقين والراشدين في مستوى تناشط المنطقة الدماغية امام – جبهية الواقعة فوق محجر العينين، والتي يطلق عليها البعض لقب المدير التنفيذي للدماغ والمسؤول عن التخطيط والتنظيم والسيطرة الذاتية واتخاذ القرارات واصدار الاحكام، فضلاً عن ادارة التعاطي مع الآخرين على وفق القواعد الاجتماعية السائدة ، إذ أظهرت هذه المنطقة  تناشطاً اكثر لدى الراشدين، مما يعني ان الراشدين وظفوا هذا الجزء من الدماغ اكثر مما فعل المراهقون عندما كانت المجموعتان تقارنان بين مثير التهديد ومثير الامان. أو بعبارة اخرى، كما يشير الباحثون، فان استجابات دماغ المراهق تعتمد بصورة رئيسة على المنظومة الإنفعالية؛ وخصوصاً اللوزة والهيبوكامبوس الذين يكتسبان في العادة نضجاً نمائياً مبكراً، بينما في المقابل ظهر لدى الراشدين، عند معالجة هذه المواقف، نشاطاً اكثر تركزاً في المنطقة امام – جبهية، وهي ذلك الجزء من الدماغ الذي لم ينجز بناؤه وتأثيثة في مرحلة المراهقة بعد، والذي لا ينضج تماماً الا عند نهاية المراهقة وبداية الرشد، أي في حوالي سن العشرين. وهذا لا يعني ان المراهقين أغبياء أو عاجزين عن الانجاز، ولكن الانصاف يقتضي ان لا نطالبهم باظهار نفس مهارة الراشدين في التنظيم والادارة الذاتية واتخاذ القرار قبل اكتمال بناء ادمغتهم.        وفيما يخص المهمة الثانية، وجد ان حجم دماغ الطفل في سن السادسة يعادل نحو 95 بالمئة من حجم دماغ الراشد، لأن المادة البيضاء من القشرة الدماغية، المحتوية على شبكة ’الاسلاك‘ التي توصل العصبونات (الخلايا الدماغية) ببعضها، تستمر بالنمو والتفرع على نحو مطرد طوال فترة الطفولة، لأنها مرحلة النشاط الفائق للتشبيك الدماغي، وتبلغ ذروة هذا النشاط في نحو سن 11 سنة للاولاد وفي نحو سن 12 سنة للبنات، وهي السن التي تعدّ بوابة الدخول الى المراهقة، والتي تبدأ مع بدايتها عملية تشذيب شبكة التوصيلات الدماغية تلك، وذلك بالغاء التوصيلات الزائدة والتي لم تثبت الحاجة لها أو التي لم تستخدم، ولا تنتهي عملية التشذيب هذه الا مع نهاية المراهقة. والنشاط التشبيكي الفائق في سنوات ما قبل المراهقة يعطي الدماغ مرونة وامكانيات كامنة كبيرة تؤهله لامتلاك الكثير من المهارات في مجالات مختلفة. ولكن مع بداية توجه الشخص نحو اهتمامات ومهارات بعينها تحت تأثير البيئة الاسرية والاجتماعية والمدرسة والاقران، فان التوصيلات التي سيتواصل استخدامها سوف تبقى وتزدهر، اما تلك التي تهمل فسوف تذوي وتزول. ولو القى كل منا نظرة متفحصة على ذكريات طفولته المتأخرة فسوف يعثر على رسامين وناظمي قصائد ورياضيين وربما موسيقيين من الاقران، ولكنهم كانوا مجرد مشاريع لم تنجز، إذ ان اهتماماتهم وبالتالي تشبيك ادمغتهم، بفعل العوامل المشار اليها آنفاً، اتخذت مسارات اخرى فواجهوا نتيجة ذلك مصائر مختلفة. وإذا ما اتجه المراهق نحو الموسيقى او الرياضة او الدراسة الاكاديمية، فان التوصيلات الخاصة بتلك المهارات سوف تبقى وتترصن، ونفس الامر أيضاً يمكن ان يحدث اذا ما اختار قضاء الوقت ممدداً على ’الصوفا‘ او ممارسة العاب ’الفيديو‘ او مشاهدة  ’كلبات‘ الاغاني. ولا تقتصر النتائج على ما تقدم إذ إن مرحلة تشذيب الموصلات الدماغية التي تستمر طوال مرحلة المراهقة يمكن ان تلقي بالمراهق في دوامة اللايقين وتؤثر في قراراته ونظرته لنفسه وللعالم من حوله.

لذا بغرض الاقتراب من فهم ما يجول في ذهن المراهق ووجدانه عمدت منظمة اليونيسيف الى تقسيم سنوات المراهقة الى مراحل ثلاث، مع ملاحظة كونها مراحل متداخلة وان الفتيات في العادة يسبقون الفتيان في المرور خلالها. واول تلك المراحل هي مرحلة المراهقة المبكرة (12 – 14 سنة)، والتي يسعى فيها المراهق نحو مزيد من الاستقلالية وتتكون لديه مواقف ناقدة تبدأ باعادة النظر في موقفه من الوالدين والراشدين الآخرين وآرائهم مع امكان الانفتاح على احتمالات وقناعات واحكام مغايرة. ويكون المراهق اثناءها عادة منشغل بنفسه وبالقوى التي لها تاثير عليه. والثانية هي المرحلة الوسيطة (14 – 17 سنة) التي يميل فيها المراهق الى الانتقاد اللفظي مع بروز بعض مظاهر التمرد في السلوك (المظهر غير المألوف أو الرأي المتطرف ، في سبيل المثال)، فضلاً على الانشغال بالنفس والانتباه الى تفاصيل جديدة عنها مع حساسية خاصة تجاه نظرة الآخرين له، لذا قد يصبح على شيء من الشك في احتمال ان يكون مراقباً (خصوصاً مع بدايات ممارسة الاستمناء)، لذا يلجأ الى انتقاد الآخرين والسخرية منهم دفاعاً ضد مشاعر القلق والافتقار الى الهوية الواضحة. ويصبح حدّياً؛ الامور اما خطأ او صواب، ولديه حاجة الى استعجال الامور ويتسم بنفاذ الصبر مع شعور بان الوقت يمضي متثاقلا. اما الثالثة فهي المرحلة المتأخرة حتى (20 أو 21 سنة)، وفيها يتوصل المراهق الى الاستنتاج، تدريجيا، بان الانتقاد اللفظي لن يغير العالم وان التمرد لن يحل المشكلات، لذا من الأفضل تقبل الحلول الوسط، ويصبح اكثر إنفتاحاً وتسامحاً وواقعية ويتكون لديه الاستعداد للتعاون والعمل بصورة بناءة مع الجماعة.

 ولما كانت المراهقة عملية نمائية تنموية شاملة فإن قيادة المراهقين على درب نمائهم نحو الرشد ليست شأناً يخص الوالدين فقط. إذ في المجتمعات الريفية والزراعية التقليدية، في سبيل المثال، تساهم في ذلك الشأن الاسرة المديدة ومنظومة التراتب الاجتماعي المعترف بها والالتزام بالاعراف والتقاليد واحترامها بنصيب هام. ولكن، في كل الدول النامية تقريباً، نجد ان الثوابت التقليدية للمجتمعات الريفية الزراعية تتراجع لصالح الحياة الحضرية، بما تزخر به من فرص ومخاطر وحريات فردية ومتطلبات اجتماعية اكثر تعقيداً، فضلاً على اختلاف بنية شبكات الدعم ومصادره ومصاعب الحصول عليه. والبيئة الحضرية سريعة التغير ويستقي فيها المراهقون الكثير من معلوماتهم، عن العالم وما بامكانهم توقعه وعن اساليب السلوك المناسب، من اقرانهم، وايضاً، بشكل متزايد، من وسائل الاعلام وشبكات المعلوماتية. والتوترات الناشئة عن توزعهم بين والدين يميلون الى عدّهم اطفالاً بحاجة الى حماية وعالم خارجي يفرض عليهم متطلبات وكانهم راشدين، تعكس الحيرة المكثفة لمراهقي العصر. ولا يخفف من وطئة كل ما تقدم اعتراف المختصين بان معارفهم المنهجية عن هذه الشريحة العمرية اقل من معارفهم عن سائر الشرائح العمرية. وقد لا يكون من قبيل المفارقة ان نحن ماثلنا عملية ’تشذيب‘ الموروث الاجتماعي الجاري في البلدان النامية بعملية التشذيب الدماغي لدى المراهقين، خصوصاً وان تأثيراتهما هي الاخرى، في الغالب، متماثلة. وهذا يمكن ان يقود الى سؤآل افتراضي نترك الاجابة عنه للسوسيولوجيين هل تمر المجتمعات كذلك في طفولةٍ ومراهقةٍ قبل ان تبلغ رشداً؟

والمراهقة، اذن، هو الوقت الذي يبدأ فيه الطفل في فرد جناحيه والنظر الى العالم من زاوية مختلفة لكي يرى فيما اذا كانت الامور التي اخبر بها من قبل الراشدين، وخصوصاً الوالدين، طوال سني حياته المنصرمة صحيحة حقاً. وربما يفسر هذا وجود الكثير من المثالية الشبابية وميل الشباب الى القول ” اي عالم سخيف هذا! نحن قادرون، ان حاولنا، على تغييره نحو الافضل.” واحياناً يتمكنون، في الواقع، من احداث بعض التغييرات الاجتماعية، ولكنهم غالباً ياخذون بالانزلاق التدريجي والبطيء في غياهب الانانية الانسانية وتصبح المعركة ضد العالم اصعب بمرور الوقت، خصوصاً بعد ان يشغلوا وظائفاً وينشئوا اسراً. وقبل ان يتاح لهم ما يكفي من وقت لكي يفطنوا الى تلك التطورات يجدون انفسهم في مواجهة تساؤلات ابنائهم.

وعملية المرور خلال المراهقة يمكن ان تكون يسيرة وسلسة نسبياً اذا ما عرف الوالدان كيف يتواصلان تواصلاً ناجعاً مع اطفالهم منذ البداية. اذ لو كان الوالدان ملتزمين كفاية بقراراتهما معتقداتهما الاخلاقية ومطمئنين لها ويتصرفان على وفق مقتضياتها فسيكون بمقدورهما تشجيع ابنائهما على تعلم كيفية مناقشة تلك القرارات والمعتقدات اثناء عملية نمائهم، وبذا لن يكون لدى الابناء الكثير ليتحدونه عندما يصبحون مراهقين. ولكن عندما يكون الوالدان متحكّمين ويفرضان قراراتهما معتقداتهما على اطفالهم فرضاً فان ذلك سيكون موضوعاً لكثير من التحدي لاحقاً. ولكن من هو الشخص ( والد / والدة ) الاكثر تعرضاً للتحدي والمساءلة؟ انه، غالباً، الشخص الذي اذا استفسر منه طفله قائلاً: “ولكن، لماذا؟” ، يجيب: “لاني اقول كذلك!” بدون ان يضيف اي ايضاح. وان كان الطفل يسكت على مضض، فان المراهق عندما يستعيد هذه المواقف لاحقاً، سيجد ان موقف احد الوالدين او كليهما كان واهناً في اقل تقدير، وان الاوان قد حان لتحديه. ولكن، من الضروري الانتباه، من الناحية الاخرى، الى ان اغلب الابناء يتمتعون بما يكفي من الفطنة لتشخيص ان والديهم عندما يعطيانهم حرية بلا حدود فان ذلك ، في الواقع، يعني انهما لا يكترثان لهم كثيراً، او انهما يجهلان واجباتهما الوالدية. لذا فان الابناء ينتهي بهم المطاف، في هذه الحالة، الى شعور عميق بالخواء والذنب نتيجة السعي المفتقر لاي معنى نحو اشباع رغباتهم الشخصية دون رقيب، وبما يجعلهم يتحدون كل شيء استجابة لاحباطهم الشخصي الخالص.

وفي المقابل إذا تحول حفظ النظام والانضباط في الاسرة الى عنف وتعنيف فمن المرجح ان يؤدي الى نتيجتين؛ الاولى، مراهق لا حول له ولا قوة؛ يتحول الى روبوت يردد آلياً ما لقن ويصبح لاحقاً مجرد رقم غير قادر على تقديم أية إضافة لنفسه ولمجتمعه. والثانية، ذاتاً مفعمة بالمرارة والارتباك والغضب يمكن أن تنتج واحداً من اكثر الانماط السلوكية اثارة للقلق ألا وهو التنمر؛ اذ يشير كلٌ من البحوث والخبرة السريرية الى ان معظم المتنمرين هم اطفال كانوا قد تعرضوا الى العنف والتعنيف في البيت، وانهم الآن قد تحولوا نحو اقرانهم – وخصوصاً اقرانهم الاكثر ضعفاً بالطبع – لتعنيفهم بذات الاسلوب الذي اتبع معهم. والتنمر لا ينشأ من العدوانية الغريمية التقليدية، التي لا تخلوا من ايجابياتها الخاصة، بل يكمن اولاً في الحاجة الى اهانة واذلال الآخرين بسبب المعانات من المذلّة الناجمة عن الشعور الذاتي بالضعف وفقدان القدرة على التحكم اللذان يخبرهما المتنمر، وثانياً، الرغبة في الانتقام من ” العالم ” عموماً لما سببه له من اذى. لذا فان التنمر لا يوجه نحو البشر فقط وانما يمكن ان يوجه نحو الحيوان ونحو الجماد ( تخريب الممتلكات ) ايضاً، اذ يمنح ذلك الشخص المتنمر شعوراً بانه اكثر قوة من الاشياء المحيطة به وانه قادر على التحكم بها والسيطرة عليها. وغالباً ما ينجذب هؤلاء الى التنظيمات المتطرفة التي توفر لهم فرصة إيذاء الآخرين بإسم العقيدة، أو التحول، عندما تتاح الفرصة، الى طغاة.

والهدف من الدور الوالدي، هنا اذن، هو مساعدة المراهقين في الوصول الى النقطة التي لا يعودون فيها بحاجة الى والديهم. او بالتعبير الدارج ارخاء القبضة التدريجي عن مؤخرة الدراجة الهوائية وتركها تنساب عندما يكون الابناء قادرين على قيادتها بمفردهم. ولكن كيف تترك وما هو الوقت المناسب لذلك؟ هذا هو السؤال المحير. اذ، بالنسبة لبعض المراهقين، فان الكيفية والتوقيت على جانب خاص من التعقيد. ولنأخذ مثالاً، تأتي احدى الامهات طالبة مشورة حول ابنتها المراهقة، إذ اكتشفت ان البنت تكذب، فاصبحت الام تكثر من توجيه الاسئلة الى البنت عن كل صغيرة وكبيرة، فما كان من البنت سوى المزيد من الكذب لتجنب المزيد من الاسئلة، فاخذت الام من جانبها تفتش ممتلكات البنت التي عندما علمت بامر التفتيش لاذت بالصمت ولم تعد ترد على الام. واذا ما اخذنا المعلومات التي عرضنا لها حول حال الدماغ اثناء المراهقة بعين الاعتبار في تقربنا من امثال هذه المسألة، فان افضل تقرب ممكن تجاه المراهقين من الابناء هو ما يمكن تسميته ” فكّ الاشتباك الرحيم ” الذي يعني، أولاً، التراجع عنهم خطوة الى الوراء مع الاستمرار في رعايتهم والاهتمام بمصالحهم، محافظين، في نفس الوقت، على تلك الفسحة وبدون ان نشعرهم بانهم متواجدون على شاشات راداراتنا. وفك الاشتباك الرحيم، ثانياً، هو النظر الى ما يزعجنا ويكدرنا من جوانب المراهقة على انها امور طبيعية وان لم تكن محتومة، لانها تمثل نماءً تقليدياً، وبمقدور الوالدين النظر اليها والتعاطي معها بتدبر وتؤدة بدلاً من ردود الافعال الاندفاعية والمتعجلة، لذا فان العلامات الامتحانية الهابطة والتفجرات الانفعالية والاندفاعية والفظاظة في السلوك وكسر بعض القواعد هي علامات على ان المراهق متواجد على المساق المتوقع وليس في الطريق نحو الهاوية. وفك الاشتباك الرحيم، ثالثاً، هو اتباع الحكمة القائلة ’عظموا انفسكم بالتغاضي‘ اي الامتناع عن التدخل في صغائر امور حياة المراهق. لان قيام الوالدين بحشر انوفهم في كل شئ يزيد من لجوء المراهق الى الكذب والمراوغة ويضعف موقف الوالدين ويقلل من احترامهما ويفوّت على الوالدين فرصة ملاحظة الامور الكبيرة والقدرة على التدخل المؤثر فيها. وفك الاشتباك الرحيم، رابعاً، يمكن ان يكون سياقاً مناسباً عندما تكون الامور على قدر من الوضوح وعندما تعرف ما الذي تتعامل معه، ولكن ماذا بشأن الثقة المثلومة او المنهارة بين الطرفين؟ كيف بالامكان القيام بدور الوالد عندما لا تعرف ما الذي يجري حقاً لان ابنك المراهق يكذب ولا يثق بك؟ وكيف يمكن اعادة فتح قنوات التواصل المقطوعة بين الوالدين والابناء واستعادة الثقة الغائبة عنهما؟

ابتداءً، علينا تقبل الواقع القائل ان جميع المراهقين يكذبون في بعض الاحيان والمواقف. إذ من اللطيف ان يكون بمقدور الوالدين الوثوق المطلق بابنائهم المراهقين، ولكن هذه، في كثير من الاحيان، هي فردوس المغفلين. إذ ان الثقة بالنسبة للمراهق معادلة للانصاف بالنسبة للطفل. وبينما يتمكن بعض المراهقين من منح ثقتهم بسهولة نسبية لوالديهم او من يقوم مقامهم، فان الكثير ممن يستفسر منه عن احواله سيواجه السائل بموقف ضمني أو بجواب صريح مقتضب “انا بخير، لا تنشغل بي”، أي “اتركني بحالي!”. في هذه الحالة على الراشدين الراعين للمراهق أن يكرروا إيصال رسالة ثابته المحتوى مفادها انهم متواجدون من اجله دائماً ومستعدين لسماعه وراغبون في مساعدته ان اقتضت الحاجة دون ان يفرضوا انفسهم عليه، وان يظهروا له قولاً وفعلاً بأنهم لا يبغون التطفل على خصوصياته. ومتى ما شعر المراهق بان عرض المساعدة المطروح جاد حقاً عندها قد يقتنع بالتحدث عن متاعبه او مشاغله او مشاعره.

واذا ما نجحت الخطوة الاولى فمن المرجح ان يفتح ذلك الطريق امام امكانية تكرارها. وفي هذا الاطار يرى بعض التربويين بان ردود الفعل المبالغ بها تجاه المراهقة والمراهقين هي مصدر الخطورة الحقيقي الذي يهدد الابناء من المراهقين وليس ما يفعلونه حقاً، لان براءة ما يفعلونه وحماقته تصلان، احياناً، حدود السخف، ولأنه في الغالب، لحسن الطالع، مؤقتٌ والى زوال.

مشاركة