{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

205

{ إشترك مع الوردي بتأسيس أول قسم للإجتماع ثم أصبح أبرز منافسيه

{ الخيال السوسيولوجي العراقي … عبد الجليل الطاهر أنموذجاً

{ (الزمان) تلقي الأضواء على عالم عراقي لم تنصفه الأقلام

{ الطاهر الرائد الثاني لعلم الإجتماع ..عمر قصير وإنتاج غزير

شاب قادم من عمق الأهوار يتقدم الصفوف ويبهر الغرب بأبحاثه

4

روكفلر تعقد حلقات ثقافية تستقطب المعنيين بالعلوم الإجتماعية في العراق

محمد السهر

ذي قار

في هذه الدراسة تفتح (الزمان) ملف عالم عراقي لم ينصفه الاعلام ولم ينل ما يستحقه من اهتمام الاعلام برغم خدماته الجليلة للبلد بل ان اسهاماته العملية تخطت الحدود فأشترك في وضع لبنات علم الاجتماع في عدد من الدول العربية انه عالم الاجتماع الراحل عبد الجليل الطاهر الذي كان قد تعرض للإعتقال في مرحلة من حياته . قصة الطاهر هي قصة شاب عراقي قادم من الاهوار عرف بعصاميته فسجّل اسمه بحروف من نور فعسانا هنا نرد إليه جزءاً من الدين.

النشاط الجامعي

مارس الطاهر عمله التدريسي في جامعة بغداد كلية الآداب والعلوم حال عودته من شيكاغو عام 1952 بدرجة مدرس، وفي ثلاث سنوات قدم ثلاثة بحوث استحق عليها الترقية إلى مرتبة أستاذ مساعد في عام 1955، وهذه البحوث هي (المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدلة) الذي قدم له عميد الكلية حينذاك، و(التفسير الاجتماعي للجريمة)، و(البدو والعشائر في البلاد العربية)،وجميع هذه البحوث طُبعت على شكل كتب تداولها الطلبة والمهتمون بشؤون المجتمع إذ تُعَد من المؤلفات القيمة التي تدل على أن صاحبها كان ذا نشاط متميز منذ بداية ممارسته لعملة. أما الكتاب الرابع الذي كان حينها تحت الطبع فهو بعنوان (تطور الفكر الاجتماعي) . كما أسهم في أربعة مؤتمرات علمية، اثنان منها في العراق، أحدهما كان يخص التكافل الاجتماعي وقدم فيه بحثاً عن الأسس الاجتماعية والآخر عن رعاية البدو والعشائر في العراق. أما المؤتمران الآخران فقد كان الأول بشأن تبادل العلاقات الحضارية وقدم فيه بحثاً عن الجاليات العربية في الولايات المتحدة، والثاني بشأن تنازع الولاء في العراق بين الولاء للقبيلة أو للوطن. إن جميع هذه البحوث قدمها الطاهر ليستحق عليها الترقية إلى مرتبة أستاذ مساعد .ظل الطاهر يواصل تدرجه الوظيفي من خلال مواصلته التدريس والبحث وقد كان يحاضر في مواد السيطرة الاجتماعية، والقلق الاجتماعي، ومنطق العلوم الاجتماعية، ومادة التبدل الاجتماعي. ثم حصل من خلال مواصلته العمل البحثي والتدريسي في الجامعة على مرتبة الأستاذية، وفي تشرين الثاني عام 1958 تم انتخابه رئيساً لقسم الاجتماع وكالةً ثم استمر في عمله مثابراً مجتهداً، إذ كانت هذه المدة حتى العام 1963 من أخصب فترات عمره الأكاديمي والبحثي وأغزرها إنتاجاً على الرغم من إيقافه عن العمل ثلاث مرات، واحدة في العام 1956، والثانية عام 1959، والأخيرة كانت بعد شباط 1963، فانتقل على أثرها للعمل في الجامعات السعودية لكنه لم يلبث طويلاً، إذ سرعان ما غادرها إلى ليبيا عام 1964 ليمارس عمله في الجامعات الليبية حتى عام 1968، وكان قد قدم في خلال هذه السنوات الأربع جهوداً قيمة لغرس مبادئ علم الاجتماع في ليبيا وليقدم مجموعة من البحوث والترجمات القيمة. وفي العام 1968 عاد إلى الوطن مرةً أخرى ومارس نشاطه بلهفة من دون كلل حتى وافته المنية قبل ظهيرة الثاني عشر من حزيران عام 1971 وهو منكب يصحح دفاتر الامتحانات النهائية للعام الدراسي 1970-1971، فأصابته نوبة قلبية مفاجئة لم تمهله طويلا، كما شرحت لي ذلك أرملته السيدة فاطمة جمال الدين عندما كنت أزورها في بيت الطاهر الكائن في شارع فلسطين في العام 2001 و2002 أثناء إعدادي رسالة الماجستير في قسم الاجتماع جامعة بغداد.

النشاطات المؤسسية

شغل الأستاذ الطاهر مناصب استشارية ووظيفية وإدارية عدة، فقد عمل اختصاصياً في المديرية العامة للبحوث في الهيئة الفنية الخامسة في وزارة الإعمار، وقد أجرى مجموعة من البحوث المهمة، مثل إحصائية عن القرى والقبائل، وبحثه الاجتماعي والاقتصادي عن قرية الوشاش، وبحث آخر عن الإدارة المحلية في العراق، وآخر عن أهل الصرائف في بغداد. وفي العام 1958 طلب مجلس الإعمار، ووزارة الإعمار الاستعانة بخدماته من جديد بعد أن لمسا مدى النجاح الذي يرافق بحوثه ومدى الدقة في ملاحظاته والفوائد التي تُستحصل من نصائحه الاستشارية، إضافةً إلى مدى إخلاصه وتفانيه في العمل، وقد رافق هذا الطلب إلحاح مؤسسة دوكسيادس على الإفادة من خدماته وتجديد العقد معه خاصة ما تعلق منها بفعاليات الإسكان التي كانت تقوم بها في العراق، ولم يمنعه عمله هذا عن الاستمرار في التدريس والبحث الجامعيين فقد كان يومه مليئاً بالعمل حتى ساعات متأخرة من الليل .في العام 1961 رُشح لإشغال وظيفة في المركز العام في منظمة اليونسكو وكان قد رُشح من قبل لإشغال وظيفة مساعد مدير قسم العلوم الاجتماعية في هذه المنظمة. وفي العام 1961 أنفك الطاهر عن العمل في كلية الآداب ليمارس نشاطاً اجتماعيا آخر فقد شغل وظيفة مدير عام الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية وقد قام بعمله هذا خير قيام .في عام 1962 رُشح أيضا لإشغال عضوية المجلس الاستشاري لمكتب العمل الدولي في جنيف التابع لمنظمة العمل الدولي، وفي العام 1970 شغل عضوية رعاية الشباب، إضافةً إلى عضويته في اللجنة المقترحة من وزير الدولة المكلف بشؤون العشائر والأرياف، وفي العام 1956 طُلب منه كتابة تقرير عن إحصاء النفوس العام في العراق الذي كان مُقرراً لهُ أن يتم في العام 1957 وقد كانت ملاحظاته ومقترحاته غاية في الأهمية وقد اعتمدت الحكومة العراقية معظمها وخاصة تلك المتعلقة بترتيب الجداول الخاصة بتوزيع السكان إلى فئات السن وضرورة وضع قواعد أساسية للتفريق بين الحضر والريف وبين النواحي والقرى.

التأليف والترجمة

قدم الأستاذ الطاهر مجموعة كبيرة من المؤلفات التي جاءت إما عن طريق دراسات ميدانية قام بها للمجتمع العراقي والعربي، أو عن طريق نقل المعرفة السوسيولوجية من البلدان الأوربية والأمريكية التي ظهرت فيها ورفد المكتبة العربية، خاصةً أن أقسام علم الاجتماع التي ظهرت في العراق ومصر وسورية ولبنان كان طلبتها بحاجة إلى تلقي المعارف والعلوم من مصادرها التي ظهرت فيها.

ولقد أجرى الطاهر ما يقارب ثلاثين بحثاً، وترجمَ ستة مؤلفات أجنبية، وقد نشر من بحوثه على شكل مؤلفات مطبوعة ستة عشر بحثاً إضافةً إلى الترجمات. وإذا قارنا هذه البحوث بعدد سنوات عمره التسع عشرة التي تلت تخصصه الأكاديمي في العام 1952 حتى وفاته العام 1971 فإننا نجد قيامه بإنجاز بحثين كل عام تقريباً إضافةً إلى البحوث الصغيرة والجزئية أو الخاصة التي كان يُكلف بها من الجهات التي كانت تستعين بخبراته أو يعمل لديها اختصاصياً مثل عمله في وزارة الإعمار.لقد كان البحث الاجتماعي يشغل حيزاً كبيراً من اهتماماته، فلم يكن يحبذ الركون للعمل المكتبي أو داخل أسوار الجامعة بل كان يرغب في النزول إلى الميدان ومراقبة سلوك الناس وهم يمارسون حياتهم اليومية، ولقد كانت ملاحظاته في هذا المجال علميه، موضوعية ودقيقة، فكثيراً ما كان يحول ملاحظاته إلى افتراضات يُسقط بعضها ويرجح الأخرى ليخرج بنتيجة أقرب ما تكون للواقع .لقد كان الطاهر ذا طموح كبير في إجراء بحوث اجتماعية رصينة وعلى درجة عالية من الدقة والموضوعية والشمول وخير مثال على ذلك تقدمه إلى جامعة السوربون لإجراء بحثين اجتماعيين وكان ذلك في بداية العام 1963، كان أحد هذين البحثين عن(النتائج الاجتماعية للإصلاح الزراعي في العراق) تحت إشراف الأستاذين (جورفتش) أستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون، و(جان بيرك) أستاذ علم الاجتماع في كوليج دي فرانس.

وبالفعل فقد صدر أمر جامعي بذلك، لكن ظروفاً سياسية قاهرة حالت دون ذلك، جعلت العراق يغلي، وبدلاً من تحقيق حلمه بإنجاز دراسته تحت إشراف هذين العالمين الكبيرين، وجد الطاهر نفسه في المعتقل في 9 شباط 1963. أما بحوثه في المؤتمرات العالمية فقد كانت على درجة عالية من النجاح منها بحثه الموسوم (دراسة مقارنة للبنية الإدارية وأثر القوى الاجتماعية فيها) وقد ألقاه في المؤتمر الدولي الذي عُقد في مدينة باليرمو في صقلية بايطاليا، وبحوثه التي كان يُلقيها في حلقات الدراسات الاجتماعية ومعهد الدراسات العربية ومؤتمرات خبراء الشؤون الاجتماعية ومنها بحثه المهم عن المشكلات الاجتماعية الذي ألقاه في المؤتمر الذي عُقد في الكويت عام 1958.

المؤتمرات والندوات

لقد حضر الأستاذ الطاهر مؤتمرات محلية وعربية وعالمية عديدة وكان على تواصل دائم مع علماء الاجتماع والمهتمين بالشؤون الاجتماعية، فقد حضر حلقة الدراسات الاجتماعية في دمشق عام 1952، وفي السنة التالية دُعي لحضور حلقة ثقافية في بيروت كانت تعقدها مؤسسة روكفلر. وفي عام 1954 أُوفد إلى القاهرة لحضور اجتماعات حلقة الدراسات العربية، وفي العام 1955 أُوفد إلى القاهرة أيضاً لإلقاء سلسلة من المحاضرات في معهد الدراسات العربية، وفي عام 1956 حضر مؤتمر (زغرب) في يوغسلافيا الذي كان تقيمه الرابطة الدولية للدراسات الاجتماعية، وفي السنة نفسها وبعد عودته من يوغسلافيا كان في مجموعة من الموفدين إلى عمان لتمثيل العراق في حلقة الدراسات الاجتماعية، ومن هناك أُرسل لحضور اجتماع عُقد في القاهرة. وفي العام 1958 شارك في المؤتمر الرابع لخبراء الشؤون الاجتماعية الذي عُقد في الكويت كما كان دائم الحضور في المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر (باليرمو) الذي كان يقيمه المعهد الدولي للمدنيات وكان مقره في بروكسل، وكان قد تلقى دعوة سابقه من هذا المعهد في عام 1960 لحضور حلقة دراسية علمية عُقدت في ميونيخ بألمانيا الاتحادية لبحث مشاكل الإدارة في العالم.لقد كان الطاهر كثير الأسفار، فلم يترك عطلة صيفية من دون أن يُسافر فيها إلى خارج الوطن، ولم يكن سفره لمجرد السياحة والنزهة رغم أهمية هذا الأمر للباحث إذ يجدد نشاطه ويوسع أفقه ويزيد ثقافته، إلا أنه لم يترك سفراته هذه من دون اللقاء بعلماء الاجتماع والمهتمين بشؤون المجتمع في شرق الأرض وغربها وحضور الندوات والمؤتمرات التي كانت تقام في المحافل الدولية وكانت موضوعاتها تتعلق بالمجتمع وكل ما يحيط به وكل هذا كان يتم بمحض إرادته ومن ماله الخاص حرصاً منه على علميته التي أدرك تماماً أنها تزداد دقتها وتتوسع قنواتها من خلال الاحتكاك بمدارس علم الاجتماع ومذاهبه المختلفة. لم يكن الطاهر بعيداً عن حوادث عصره، ولقد نظر بعين ثاقبة وسمع بأذن مُرهفة وتفكر وتأمل واستقرأ تلك الحوادث بعقل راجح وبطريقة منهجية أقرب للحيادية حتى قبل أن يتعلم أُسس المنهجية، وفي الواقع فإننا ربما لا نبتعد عن الحقيقة عندما نقول إنه كان سوسيولوجياً بالفطرة، فقد عاش وسط الجماهير الكادحة (فلاحون وعمال وصغار الموظفين)،وشاهد العلاقات الإقطاعية بين الإقطاعي أو الشيخ والفلاح، وبين من يمتلك ومن لا يمتلك، ومدى الظلم الاجتماعي الذي ينشأ من جراء هذه العلاقات التي تبنى على مستويات غير عادلة بين من يُقدم ويُعطي قوة العمل وبين من يزداد ثراء على حساب الطبقات الفقيرة. لقد تلمس بأحاسيسه جزئيات الحياة ومفرداتها الدقيقة لأن حياته كانت جزءاً من حياة العامة.

إن الأربعة والعشرين عاماً الأولى من عمره (1917 – 1941) التي قضاها في بيئة ريفية أتاحت له فرصاً كبيرة للتعرّف على العلاقات العشائرية والعصبية القبلية، وكيف أن القانون العرفي كان له دور كبير ومؤثر في حياة الناس، وبعد انتقاله إلى بغداد وقبل سفره إلى فرنسا (1942- 1946) اطلع على حياة المدينة ورأى مدى الفرق بينها وبين الريف، وكذلك أوجه التشابه فلقد شاهد كيف أن العلاقات الأولية في الريف تتحول إلى علاقات ثانوية في المدينة واطلع على حالات اجتماعية تتميز بها المدينة مثل التفكك الأسري والفقر والجريمة والسلوك المنحرف بينما تنعدم هذه الحالات تقريباً في البيئة الريفية التي عاش فيها نتيجة للعلاقات القرابية القوية والتكافل الاجتماعي.وفي خضم الأحداث التي كانت تجرى في العراق كان الطاهر يُدرك تماماً معنى الاستعمار ومعنى أن تكون الحكومة التي تدير شؤون البلاد ألعوبة بيد الدولة المستعمرة تديرها كيف تريد وتحركها كيفما تشاء.وقد شاهد كذلك نمو الوعي السياسي لدى المواطن العراقي، ولمس مدى تأثير الوضع الاقتصادي المتردي في الضغط على الناس وتعطيل ملكات الإبداع لديهم وجعلهم مجرد كائنات تبحث عن الحد الأدنى للعيش ليس أكثر. ولم يكن الأستاذ الطاهر بعيداً عن الأحداث في العالم أيضاً، فقد عايش مضاعفات وتأثيرات الحرب العالمية الأولى في العشرينات، ثم رأى التغيرات التي حدثت في البلاد المغلوبة والبلاد الغالبة، وزامن أزمة الكساد الاقتصادي العالمي، ثم ظهور النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والعسكرتارية في اليابان وكيف جرَّت هذه الحركات مجتمعاتها لنيران الحرب العالمية الثانية.

مشاركة