ثقافة الذكورة الكامنة في لاوعي الأدب النسوي

274

حين يتبنّى المقموع خطاب القامع

ثقافة الذكورة الكامنة في لاوعي الأدب النسوي

ليث الصندوق

مصطلح الأدب النسوي يقتضي سياقياً وجود مصطلح مقابل هو الأدب الرجالي أو الرجولي باعتبار أن النسوية والرجولية هما أسما نوع (gender) وليسا أسما جنس ( sex) والفرق بين ألنوع والجنس هو أن الأول تمييز ثقافي إجتماعي متغير من ثقافة إلى أخرى ولا يمثل خاصية بيولوجية طبيعية فهو بنية إجتماعية ثقافية راسخة في اللاوعي الجمعي تكشف عن موقف تجاه التمايز في الأدوار الإجتماعية بين الجنسين ودور الأعراف والتقاليد في ترسيخها وتحويلها إلى أيدلوجيتين ضديتين . أما الثاني فهو تصنيف قائم على الفروق الجسمانية بين الذكور والإناث ، فهو علّة تكوينية جبرية مفروضة خَلقياً . ولكن السلطة الثقافية أوجدت نوعاً آخر من التقابل غير المتكافيء بين المصطلحين بوضع مصطلح الأدب النسوي في مقابل الأدب الذكوري ، ليكون أسم النوع للأول في مقابل أسم الجنس للثاني ، أي الثقافي في مقابل البايولوجي . وبذلك يمكن ملاحظة أنه حتى في أفق المصطلحات هذا ، وهو كما يُفترض محاولة منطقية للتسوية ، لم يجد (الجنس الثاني) معادله البايولوجي الكُفء وارتصف في مواجهة تصنيف ثقافي مغاير مُعبّأ بدلالات الانحياز والهيمنة والتفوّق ، مع ملاحظة ان التراتبية التي يعكسها مفهوم (الجنس الثاني) هي تراتبية مغرضة ثقافياً ، لذلك بالغت سيمون دي بوفوار بسلسلة التراتب عندما أطلقتها من دون ترقيم ولا درجات فجعلت المصطلح (الجنس الآخر) وألقت تبعيته على الرجال .

ليس  هناك من نص افلح في التنصّل أو الهروب من طوق الجنوسة مهما حاول مبدعه الالتفاف والمواربة . وضمن هذا النظام تمكنت الذكورة من ترسيخ قيمها ومفاهيمها ليس في ثقافتها فحسب ، بل أيضاً في ثقافة الإناث التي تسللت إلى أعماقها الخفية واحتوتها من الداخل مستفيدة من سلطة الدين والأعراف التي بيدها ، وبذلك صارت النصوص متشابهة في محمولاتها الفكرية سواء كان مبدعوها ذكوراً أو أناثاً ، وصارت تنتسب إلى جنسانية واحدة هي جنسانية الذكورة حتى وأن كان كتابها نساءً . ولكن الأمر يبدو مختلفاً الآن ، أو أنه من المفترض أن يبدو مختلفاً في عصر حرية المرأة ووعي الاختلاف ، وبعد نضوج الأساليب البحثية والنقدية التي اضاءت النصوص من داخلها وكشفت طبيعة النص الذكوري المتواري ودوافعه وخطورة تبني مقولات وأحكام الهيمنة والإكراه بمسوغات جنسية مبطنة .

هذه المقدمة دفعتني إليها مجموعة من النصوص لشاعرات عراقيات طالعات قرأتها في بعض المواقع الالكترونية فيها الكثير من ملامح الأدب النسوي ، عنفوانه وتمرده وبحثه عن الإستقلالية والتحرّر من جهة ، ورقته وليونته اللتين يفكك بهما قساوة المجتمع الأبوي ويُعيد بناءه على أساس العدل والتسامح والمساواة من جهة أخرى . ولكن كل تلك السمات تذوب في خلطة غير متجانسة مع إيحاءات وأفكار هي خلاصة تراكمات أيدلوجية ذكورية فرضتها سلطة الثقافة الأبوية وتحولت مع مرور الزمن إلى متبنيات إجتماعية قارة من دون فحص ولا تمحيص .

ألمرأة / ألشيء :

ومن بين تلك النصوص سأختار ثلاثة نصوص للقراءة ، وسأبدأ ب ( شيء بين يديك ) للشاعرة الشابة ( آمنة البيرماني ) ، وأول ما يصدم القاريء في هذا النص هو التناقض الذي تضع الشاعرة ذاتها في مواجهته وهي تتأرجح ما بين رغبتين ، الأولى هي رغبتها للتحول إلى شمعة بيد حبيبها تنير طريقه ، وهي رغبة تستحق الإحترام والإكبار ، فهي تسمو بالذات إلى مرتبة التضحية وفاء لمن تُحب:

(أحملني شمعة وهاجة تنير طريقك )

لكن هذه الرغبة تتناقض مع استمراء الشاعرة لألغاء ذاتها في الآخر بمنتهى الطواعية واليسر من دون أن يُكرهها ذاك الآخر للجوء إلى هذا الخيار المهين :

( أحسبني كأيّ شيء تحتاجه )

ويبدو من السطر الأخير أنّ الرغبة في التضحية لم تُقنع الشاعرة  أن تكتفي بإلغاء  ذاتها فحسب ، أنما دفعتها إلى الحط من قدر الذات حين حولتها إلى مجرّد شيء لم يحظ حتى بالتحديد والتسمية ، ومع ذلك فأن هذا الشيء المحطوط القدر مذخور لإشباع حاجة الآخر . ومن البدهي أن الحطّ من قدر الذات هو أسوأ من إلغائها ، فهو سابق على الإلغاء لكنه بالنتيجة ينتهي إليه بعد أن يكون قد اودى بالكرامة .

صورتان للذات

وتشييء الذات الإنسانية التي كرمتها الأديان والفلسفات كافة هو ديدن النص من أوله حتى أخره ، وهذا النمط من التشييء عادة ما يوضع على مذبح التضحية من أجل تأمين متطلبات  الطرف الثاني الذي يتوارى في القصيدة وراء ضمائره المستترة.

والذات / الشيء تتمظهر بصورتين ، الأولى مُسماة :

 ( أمسكني قلماً … )

و

( أمسكني أوراقاً بيضاء … )

و

 ( أحملني شمعة … )

و

 ( تخيّل أني قارورة … )

و

( أمسكني كلمة حب خفاقة ، حرفاً فحرفا )

مع ملاحظة تفكيك الكل الصغير ( كلمة ) إلى مكوناته الأصغر ( حرفاً ) ف (حرفا ) في تقابل مبطن مع الآخر الأكبر والأقوى والعصيّ على التفكيك والذي يحتكر لنفسه آلية التفاعل مع ( الصغير / الأصغر ) بقوة فعل الإمساك ، ويمارس هذا الفعل عليهما بتخويل وقبول منهما . ومن دون أن يُعلن هو نفسه عن نيته في فرض هذا الفعل عليهما لأن الإعلان يأتي منهما .

ويستمرّ التشييء :

( دعني أنساب دموعا … ) ( هكذا من دون جزم جواب الطلب )

و

( تخيلني وروداً حمراء … )

و

( تخيلني سرايا … )

و

( تخيلني سحابا … )

و

( تخيلني سراجا … )

و

( تخيلني حلما … )

و

( أعزفني نغما … )

… ألخ )

ومع تباين وتعدد الحقول الدلالية للأشياء المُتمناة ، إلا أنّ ثمة عاملاً مشتركاً يجمع ما بينها بدون استثناء ذلك أن كل الأشياء محدّدة من قبل الصوت الوحيد المسموع في النص ، صوت المتكلم الذي ينطلق من ضمير المفعولية المتصل ( ألياء ) . وبرغم أنه الصوت الوحيد ، وأنه صوتٌ مسموعٌ ، إلا أنه صوت واهن ومستسلم تماماً في مواجهة الفاعل الصامت الذي يتموضع موضع الإستتارة كضمير مقدّر داخل جمل أفعال الأمر . وعلى الرغم من صموت الفاعل  واستتارته إلا أنه القوة الوحيدة الطاغية ، ويمكن بيسر إدراك طغيانها من خلال تنازلات واستسلام وضعف موقف الصوت المسموع .

وفي لحظة استسلام مفاجئة تجاوزت أمنيات التحوّل حدود التخيّل ( تخيلني ) كما هو الحال في أغلب المقبوسات السابقة لتقترن بدعوة إلى تدخل خارجي عنيف لإكمال تحوّل من نوع آخر مغاير عما في المقبوسات السابقة ، أنه ( الكسر بداعي الرفع ) ، وهذه المرة جاءت الدعوة بصيغة التحريض والاستعداء على الذات وهي صيغة مازوشية شاذة وغريبة ، والأغرب منها أن الطرف المدعو إلى الإقحام من الخارج بعنف هو آخر من يمكن تخيل ممارسته للعنف ، أنه الحبيب :

أرفعني .. لا تخشَ كسري .. لا تخشَ

ولأن التكرار استتُخدم في غير موضعه فقد أدى إلى انحراف المعنى وتشويهه . فمن البدهي أن أ الغاية من تكرار عبارة ( لا تخشَ ) كان بقصد التساوق صوتياً فحسب مع قافية السطر السابق عليه . إلا أن هذا الإستخدام النمطي والمتحجّر للتقفية إضافة إلى مجيء التكرار بعد سلسلة من الدلالات السلبية قد أديا إلى الإنحرف بوظيفة التكرار الإيقاعية محققين معاً دلالة الإلحاح السلبية التي تصب في سياق الدعوة إلى تجْريء الآخر على الذات هذا فيما يتعلق بالصورة الأولى ، أما الصورة الثانية التي تتمظهر فيها الذات / الشيء في النص فهي صورة مجردة من أيّ مقابل وصفي تقترن به ، أنها مجرّد شيء ملغى لم يرقَ حتى إلى مستوى التحديد كما في السطرين المشار إليهما في بداية هذه القراءة ، بل أن  النص بكامله حُشر تحت عنوان قاتل ينتمي إلى هذا النمط من صور التشييء والإلغاء ( شيء بين يديك ) وبذلك يكون موقع الأنثى التاريخي والعرفي قد استدرج الشاعرة من حيث لا تدري  إلى موقف تحطّ فيه من سموّها الإنساني في مقابل رفعة الطرف الثاني ، وتكون أيضاً قد ارتضت المكوث في موقع  التبعية الشيئية للرجل / الحبيب بشكل يخل بعلاقة الحب السامية التي يتأتى سموّها من اعتداد طرفيها بانتمائهما إلى المجموعة البشرية ، وبما يتمتعان به من تكافؤ وندية حتى في العطاء والتضحية ، وليس بالذوبان المهين لطرفها الضعيف في الآخر القوي والمهيمن.

ألوعي المستعار وألرمز المستلب

وهذه الشاعرة الشابة ( مريم العطار ) في نصها ( أدين الذكور ) توهمنا ستراتيجيتها في الهجوم منذ لحظة البداية بتحررها وتمردها تجاه سلطة الرجال ، فتعلن أدانتها لهم بدءاً من العنونة الإشكالية التي أعلنت فيها إدانتها المفتوحة على اتساعها لكل الجنس الذكري ، وهي إدانة غريبة وغير مفهومة تضع في قائمتها كل الذكور من الجنس البشري ومن الجنس الآخر من دون الإعلان عن دواعي هذا العداء الشامل لمخلوقات ذكرية غير بشرية بريئة من التهم التي ساقها النص .

أن الإدانة التي تُكثّفها بؤرة العنونة تتطلب تفصيلاً وتفكيكاً لشبكة إشعاعاتها ولذلك تتوجه الشاعرة بالإدانة أولاً إلى أقرب الأقربين إليها من الذكور وهو الأب  ، واستهداف الأب ( أو ربما الأخ كما عند نزار قباني في يوميات إمرأة لا مبالية ) سُنة استنّها من قبلها الثائرون على التقاليد الموروثة باعتبار أن الأب هو رمز سلطة القمع في المجتمعات الأبوية أو الذكورية   :

 ( أدين ابي بإطفاء البرق الذي كان يخرج من عيني وقت الغروب )

وبعد إدانة الرئيس الرمزي لسلطة القهر يجيء الدور في الإدانة على أعضاء وعناصر وقوى تلك السلطة . وتحت هذه اللافته حشرت ثلاث فئات :

الأولى : يمثلها ( المتعطّش ) :

أدين ذلك المتعطّش الذي ضلّ الطريق بخنقي

دون تحديد لملامح هذه الشخصية / الرمز ، ودون الإعلان عن الشيء الذي يتعطش إليه . بيد أن ذلك لا يحول دون تصوّر دوافع الإدانة من خلال مقابلة الجرم الذي اقترفه متمثلاً ب ( الخنق ) مع الجزاء الذي استحقه عنه متمثلاً ب ( ضلالته عن الطريق ) .

ثانيا: فئة المدانين الثانية تشمل الذكور ، والإشكالية التي تطرحها هذه الفئة هي إشكالية العنونة ذاتها ، ولعل ما يزيد الإشكالية إرباكاً أن الإدانة الشاملة لجنس الذكور تأتي على خلفية موت رمزهم الذكوري / الحصان ، وهذا ما سنفصل فيه لاحقاً :

( أدين الذكور إن مات الحصان )

ثالثاً : أما فئة المدانين الثالثة فقد وردت على صيغة الفئة الأولى مفردة بصيغة الجمع ، ذلك لأن الأسم الذي تُرصّ تحته هذه الفئة ( شهريار ) هو الرمز التاريخي بدون منازع  للسلطة الأبوية القامعة :

نعم ، أنه شهريار ، وفي أول ساعات مع أنفاس الصباح تربع في بيتنا

غير مكترث لأوجاعنا وتفسّخ أجساد النساء

وبالرغم من المقبوس لم يتصدره فعل الإدانة الصريح ، إلا ان نية الإدانة وردت ضمناً في نبرة الرفض ل ( تربعه في بيتنا + عدم اكثراثه لأوجاعنا + لتفسخ أجساد النساء ) .

وفي محكمة النص تقف كل تلك الفئات الخاطئة يتصدرها رئيس سلطة القمع التاريخية / الأب والذي ربما يكون هو ذاته قد استعار قناع شهريار ، أو أن شهريار هو الذي استعار قناعة ، لا فرق ما دام الجرم واحد والإدانة واحدة . ولعبة الاستعارة أو الإخفاء المتبادلة هذه يؤكدها تربع شهريار ( في بيتنا ) . وتتسع دوافع الإدانة تدريجياً مع مضي النص باتجاه النهاية حتى تبلغ أوجها حين تنزاح عن معياريتها الدلالية :

 ( أدين كل الذكور بموت الطحالب ، أسمها الحقيقي البنفسج

على جفاف رذاذ وأنفاس الصباح )

ويبدو الحصان ، وهو رمز ذكوري بامتياز لغة وتكويناً وإيحاءات قد ارتدّ – لدى الشاعرة – عن رمزيته وذكوريته تحت ضغط وعي مستعار فصار رمزاً لأنوثة مقموعة :

( أدين الذكور بموت حصان ما يزال يركل في احتضار مكرّر في سجن قلبي )

وعلى مشارف منتصف النص تتذكر الشاعرة أن رمزها الذكوري المستعار تجاوزاً لا يتناسب مع سياق الأنوثة ، فتصحح مسار الترميز :

( أغطي شعري كبصل مخمور بعباد الشمس

وأسجل ذاتي

كتذكّر جسدي فوق هذا السرير

لتعيش في عمق السجن مهرة أسمها ميم )

ولكن هذا التصحيح لا يقوى على مقاومة سطوة الإرث الذكوري ورموزه ومورثاته الضاربة عميقاً في اللاوعي ، فتعود إلى رمزها الذكوري الأول / الحصان لتستلهم منه قوة انطلاقها وتمردها على من سلبته منهم غير مكتفية بالاستحواذ عليه لذاتها وحدها ، بل ستورّث الرمز ودلالاته من بعدها للأجيال التي ستأتي من بعدها ضمن سلسلة التوريث التي ستبدأها بابنتها :

( سأورث إبنتي .. أنني سأجري وعصارة الحصان بظهري )

لتؤكد بذلك أن وعيها الرافض والمستقل لا يصمد في المواجهة أمام لاوعيها الراضخ والتابع للسلطة الذكورية .

وبالرغم من صوت الإدانة والتمرّد الذي يضفي على النص جواً صاخباً ومتشنجاً ، إلا أنه لم يقنعنا بقوة المصدر الذي ينطلق منه ، وبقى يمثل صوت الذات الكسيرة والرازحة تحت ثقل أوجاعها التاريخية الموروثة من دون أن تقوى على الخروج إلى أفق الحرية والسعادة والأمل ، مع إصرارها الضمني على وراثة سياط القمع :

 مدرجة في سجلاتكم ، تحت سياط سطوركم

إضافة لهذا الإصرار تأكيدها على قرار العيش في عمق سجنها التاريخي ، وقد رسّخ هذا التأكيد تكرارها ، وبشيء من الزهو والتباهي رقم سجنها ( 1089 ) مرتين . وعندما تبلغ الرؤية هذا الحد من الإنكسار لم يعد مهماً أن تحتفظ الذات بوسمها الرمزي المميز / الإسم ، وعندئذ تتنازل عنه طواعية ، ولن تُبقي منه سوى حرفه الأول أل ( ميم ) الذي لن يميزها بشيء عن الملايين من الأسماء التي تشترك معها به   :

لتعيش في عمق السجن مهرة أسمها مريم

مسجلة ب 1089

ثمّ :

أنني مسجلة برقمي 1089

والسؤال الذي يطرحه النص وهو على مشارف النهاية هو : كيف لسجينة تعتز بسجنها مفاخرة برقم عبوديتها أن تكون البدء والمنتصف والختام ؟ :

أنني البدء والمنتصف والخاتمة

أما الخاتمة التقريرية التي تنطوي على اعتزاز لفظي صاخب ليس هناك ما يؤكده :

… ولولاي

ستُحذف كلّ القائمة

فهي تحصيل حاصل كما يُقال لا يختلف فيه اثنان ، فإلغاء دور السجينة التاريخي كما قررته هي عبر مفردة ( لولاي ) سيلغي الدور التاريخي للسجان . ولكن ربط الشاعرة ما بين الطرفين ( ألسجين والسجان ) ألا يعني إصرارها على أن وجودهما جدلي وحتميّ لا فكاك منه لكليهما .

سقوط في الفخ

وهذه الشاعرة ( نور الأسدي ) في نصها ( الناي … وقهوتك ) تعزف على نفس اللحن الذكوري الذي سبق أن عزفه نزار قباني في قصيدته ( مع الجريدة ) وأوهمَ بدهائه الذكوري النساء بأنها مونولوج داخلي نسوي بثّت فيه إمرأة ما رغبتها بالخضوع لمن تحبه ، أو توهمت بأن اللحظات القليلة التي شاءت الصدفه لها فيها أن تراه قد اسقطتها في حبائله ، حتى صارت بفعل لحظات المصادفة العابرة تلك لا ترى غضاضة في أن تبخس قيمتها الإنسانية وتراها معادلة لقطعتي السكر اللتين ذوبهما في فنجان قهوته :

تناول السُكّرَ من أمامي

ذوّب في الفنجان قطعتين

ذوّبني … ذوّب قطعتين

وأنها من دونه وحيدة كوحدة الجريدة التي خلفها وراءه :

وغاب في الزحام

مخلفاً وراءَه الجريدة

وحيدة

مثلي أنا … وحيدة

وأن كانت الخطورة في قصيدة القباني تكمن في كون المرأة المناجية ليست سوى دمية أمرأة يتلبسها من الداخل رجل ، ويحركها من الخارج مستعيراً لها لغة المرأة بكل شفراتها العاطفية المكشوفة أو المبطنة ، مع إبقاء تلك اللغة أسيرة لرؤية الرجل ولرغباته . ولكن الأخطر من ذلك هو أن تتبنى إمرأة حقيقية دور المرأة / الدمية وتستعير لغتها ومنظارها ، بل وحتى خيوطها وأدوات تحريكها ، وهذا هو الفخ الذي استدرج إليه القباني الشاعرة نور الأسدي وأسقطها فيه .

في نصها ( الناي … وقهوتك ) ثمة رجل ( يجلس على ضفاف الذكرى ) وهذه إشارة على أن الرجل قد غادر عالم الحضور وصار على مشارف الغياب ، ومفهوما الحضور والغياب هنا مفهومان وجوديان وليسا بلاغيين ، فهو غائب عن أنظار المرأة ، وأن ما ترويه عنه منقول إليها عن ( نشرة أخبار الصباح ) :

نشرة أخبار الصباح

بتوقيت القلب

تحدثني عن رجل

يجلس على ضفاف الذكرى

فالمشهد الشعري يقتصر على رجل غائب وامرأة حاضرة ( ويتجلى حضورها في صوتها وهو الصوت الوحيد المسموع في القصيدة من خلال ضمير المتكلم في مستهل النص .

ويبدو أن وظيفة المرأة هي قلب الأدوار ، أي أن تتحوّل – وهي الحاضرة – إلى غائبة أو إلى متوارية خلف إمرأة / ظل أخرى لا تحضر إلا عبر ضمير الغائب المؤنث ، بينما يتحوّل الرجل الغائب إلى حاضر من خلال السطوة التي يفرضها أثره على النص ، وعلى المرأة / الظل . وتتبدّى هذه التغييرات في المواقع وما تؤول إليه من تركيز على كثافة تأثير الحضور الذكوري من خلال :

1 – الأفعال المؤثرة والأدوار المكثفة الموكلة للرجل في مقابل الدور الهامشي الموكل للمرأة والمتمثل بمحاكاة أفعال الرجل وتقليدها بشكل يكاد أن يكون منسوخاً من دون تمرّد على النمطية ومن دون إحداث أية انزياحات .

2 – من خلال الانتقال ما بين خمسة أنماط من الضمائر المستترة أو المتصلة التي تقوم مقام تلك الشخصيات ، وتبدو كثافة التركيز واضحة على الضمائر الذكورية سواء تلك العائدة للرجل مباشرة ، أو تلك العائدة إلى الأثار التي نُسبت إليه :

–        ضمير المخاطب – في العنونة : ألكاف في ( … وقهوتك )

–        ضمير المتكلم / المؤنث – في الاستهلال : وفي جملة الاستهلال الفعلية ( تُحدّثني ) نمطين من الضمائر ، الأول هو ياء النصب على المفعولية ويعود للمرأة الحاضرة / المتكلم ، قبل تواريها وراء ضمير المرأة / الظل . أما النمط الثاني من الضمائر في فعل الاستهلال فسنأتي عليه لاحقاً ضمن النمط الخامي .

–        ضمير الغائب / المذكر : والضمائر مخصوصة للرجل الغائب في الأفعال والأسماء ( يجلس / يشتاق / يتأمل / أغصانه / يعزف / سيجارته / لمساته / ألحانه / يشربها / ينثر / أهداها / أخباره / ألحانه )

–        ضمير الغائب / المؤنث : والضمائر مخصوصة للمرأة / الظل ( تدندنها / عند مجيئها / في مسائها / تستنشق / تتأمل / تتخيّل / تشمّ / تدندن / تنسج / تهديها / تنقش / تقرأ / تمشي )

–        ضمير الغائب المحايد : وهو محايد من حيث عدم قيامه مقام أيّ من الشخصيات الثلاث ، ولكنه يقوم مقام إسم من الجمادات ينتسب لغوياً فحسب إلى أحد الجنسين ( الذكر أو الأنثى ) : حروفها ( والضمير المتصل عائد إلى ألحان الرجل ) / حروفها ( والضمير المتصل عائد إلى أغنية الرجل ) / ترقص ( والضمير المستتر عائد إلى روح الرجل ) + ضمير الفاعل المستتر في جملة فعل الاستهلال ( تُحدّثني ) وهو عائد ل ( نشرة أخبار الصباح ) وسنهمله لعدم عودته لواحدة من الشخصيات المعنية . ومن الواضح أنه حتى في حالة الحياد فأن أغلب  الضمائر تعود إلى آثار من آثار الرجل أو إلى ما يُنسب إليه .

وباعتبار الضمائر تقوم مقام ما يُكنى به ، فإن التركيز على الشخصيات الثلاث تم من خلال تكرارها :

–        ألرجل / الغائب أو آثاره أو ما نُسب إليه = سبع عشرة مرة

–        ألمرأة / الحاضرة = مرّة واحدة

–        ألمرأة / الظل = ثلاث عشرة مرة

إعادة إنتاج المعنى :

وهكذا ، فأن ما يُنقل عن الرجل من أفعال ستستعيره المرأة ، أو تتبناه كما استعارت فتاة نزار قباني دور الرجل ورؤيته ، فكلاهما ( شاعرتنا ، وراوية القباني في القصيدة / القصّة ) في مستويات التراتب هنّ في موقع المستهلك الثاني الذي يستهلك ما تركه له المستهلك الأول :

يعزف ألحان الناي الهادئة

كي تدندنها الحبيبة عند مجيئها

ثمّ :

تتأمل المقعد

تتخيّل ملامحه

تشمّ آخر لمساته

عطراً يغمر الأماكن

ثمّ :

وتدندن بصمت

ألحانه

وتنسج من حروفها أغنية

والحبيبة التي ينبغي أن تكون مصدر الجمال أينما حلت هي داخل النص مصدر معطّل ، فهي عاجزة عن إنتاج أي عنصر من عناصر الجمال ( أللحن / ألحروف / الأغنية … ألخ ) التي يبقى إنتاجها محصوراً بالرجل ، بينـــما يقتصر دور المرأة على دور التابع الطفيلي ، فهي تُعيد إنتاج ما كان قد أنتــــــجه أو استهلكه الرجل :

ألرجل يعزف ألألحان – تدندنها الحبيبة

ينفث دخان السيكارة – تستنشق بقاياه الحبيبة

يترك لمساته على المقعد – تشمها عطراً

بل أنها ستُجيّر حتى مخرجات ما أعادت إنتاجه لصالح الرجل ، وبذلك فحصيلة ربحها الروحي من الحب أنها ستبقى دائماً صفر اليدين وذلك ما يؤسف له لاسيما بعد عملية إعادة أنتاج مركبة استغرقت أكثر من مرحلة واحدة :

ألمرحلة الأولى :

ألحانه ( هو ) – تدندنها ( هي ) – تنسج من حروفها أغنية – تعيد إهداء الأغنية له

ألمرحلة الثانية :

تنقش حروف الأغنية على القهوة – ليشرب القهوة صباحاً

وإن لم يكن النص منفتحاً تماماً بشكل يسمح له أن يكشف عن الموقع الذي أرادته الشاعرة للمرأة العاشقة ، إلا أن السطر الأخير منه قد كشف المسكوت عنه الذي حاولت هذه القراءة إماطة اللثام عنه :

( وتمشي خلف دخانه )

أن الإبداع لم يعد اليوم كما كان يرى الأولون أن يأتي الشاعر بالمعنى الذي لم تجر العادة بمثله في لفظ بديع ، وهو ليس مجرد لغة وتقنيات وأشكال وصور صادمة ومعبّرة ، أنه نظام أشاري تشكل كلّ تلك المقومات عناصره البنائية أو بنيته الفوقية ، ويشكل  الوعي المسؤول أساساته أو بنيته التحتية . وأن تُسلم شاعرة معاصرة قيادها إلى مقولات كانت حاكمة في زمن جداتها اللواتي مكثن طويلاً في طيات كتاب ألف ليلة وليلة حتى تبخّرن هو ردة حضارية لعقل يبحث عن إنطلاقةٍ عابثة ضد حركة الزمن .

ألملاحق :

                                 – ألملحق الأول –

شئ بين يديك

                              آمنة البيرماني

امسكني قلما فضيا,بين اطراف الاصابعْ

امسكني اوراقا بيضاء,وانفض عني ..غبار العمر الضائعْ

اهمسني كلمة حب خفاقة,حرفاً فحرفاً..

قطّرني على شفتيك

دعني انسابُ دموعاً رقراقة..تغسل عينيك

احملني شمعة وهّاجة تنير طريقك احسبني كأي شيئ تحتاجهْ…

او احملني ..بين يديك كتاب اساطير واسرار ووقائعْ

تخيل اني قارورة عطرٍ زرقاء,ضع مني رشةْ

ارفعني لا تخشى كسري…لا تخشَ

تخيلني وروداً حمراءْ

تخيلني سرابا…

تخيلني سحابا

تخيلني سراجا كجبينك ساطعْ

تخيلني حلمًا ورديًا ودعني اهرب….

ولو لحظات…من مرّ هذا الواقع

اعزفني نغما عذبا..كصوتك الحنون

فانا قيثارة لم تُعزفْ

وانا ازهارٌ..لم تُقطف..ذبلت واقفةً في ارضٍ جرداءْ

وانا نخلة…حلو تمري,لكني لم اُسقى يوماً…زلال الماءْ

فأسقني ..اسقني بعينيك

واحملني بأناملك اوراق خريفٍ صفراءْ

وخلّصني …خلصني من اشواك العمر الضائعْ

كما تحب تخيلني..

شِعراً ….

حلماً ….

ولكن دعني..اهرب ولو لحظات

من يأس هذا الواقع

–        ألملحق الثاني –

أدينُ الذكورَ

                                    مريم العطار

أدينُ الذكورَ بموتِ حصانٍ ما يزالُ يركلُ في احتضار مكرَّر في سجنِ قلبي ..

أدينُ ذلكَ المتعطّش الذي ضلَّ الطريقَ بخنقي ..

أدينُ أبي بإطفاءِ البرْقِ الذي كان يخرج من عينيَّ وقتَ الغروب ..

و أمّي تعضُّ شفاهها كأنها تعض على قلبي

و هل نصمتُ مرة أخرى ؟

نعم , انه شهريار و في أول ساعات مع أنفاس الصبح، تربّع في بيتنا

غير مكترثٍ لأوجاعنا و تفسُّخِ أجسادِ النّساءِ

قَسَماً بالعشقِ …

أدينُ الذكورَ إن ماتَ الحصانِ !

يتألمُ كذلك الألمِ القديمِ في صدري

قديمٌ .. كغلافِ البطاقة الشخصية

مهترئٌ كجوازِ سَفرٍ انتهتْ مدّةُ صلاحيّتِه

أغطّي شَعري كبصل مخمورٍ بعبادِ الشمس ِ

و أسجِّلُ ذاتي..

كتذكّرٍ جسدي فوق َ هذا السريرِ

لتعيشَ في عمق السجن مهرةٌ اسمُها “ميم”

مسجلةً بـ 1098″

لتشهدَ الأبوابُ و الشوارعُ و ضوءُ الغرفةِ و الرياحُ التي تراقِصُ النخيل َ

و زهرةُ الحزنِ التي تنمو فوق جبيني .

هذه أنا أمرأةٌ ربّما تشبه رأسَ البصل !

لن تستطيعوا اقتلاعَ جذوري ..

مُدْرَجَةٌ في سجلاّتكم تحتَ سياطِ سطوركم

بحلمي ، بذنوبي ، بأسراري ، و بفمي ..

بدمٍ أزرقٍ يجري فوقَ الورقِ لتخديرِ شعوري

بشهوتي التي لا مقدارَ لها و لا قدْر

بقلبي الذي يؤذِّن فيهِ رجالٌ هاموا بطولي ..

سأورِثُ ابنتي .. إنني سأجري و عصارةُ الحصانِ بظهري

أدين كل الذكور .. بموت الطحالب ِ.. اسمها الحقيقيّ بنفسج !

على جفافِ رذاذِ و أنفاسِ الصباحِ ..

إنّني مسجّلةٌ بـ رقمي” 1098″

لا أخاف تفشّي حلُمي ..

و أنني .. البدءُ و المنتصفُ .. و الخاتمة ..

و لولايَ ..

ستُحذَفُ كلُّ القائمة !

–        ألملحق الثالث –

الناي …. وقهوتك

                                                                   نور الاسدي

نشرة أخبار الصباح

بتوقيت القلب

تحدثني عن رجلٍ

يجلس على ضفاف الذكرى

 يشتاق الورد

يتأمل أغصانه محلقاً

في فضاءات  الحب

يعزف الحان الناي الهادئه

كي تدندنها الحبيبة عند مجيئها

في مسائها البارد

تستنشق ماتبقى من سحاب سيجارته

وتتأمل المقعد …

 تتخيل ملامحهُ

تشم  آخر لمساته

عطراً يغمر الأماكن

وتدندن بصمت

الحانه

وتنسج من حروفها اغنية

وتهديها له سراً

تنقش حروفها على القهوة

 ليشربها هو في الصباح

 ترقص روحه فرحآ ثم

ينثر الورد على الجريدة

…. على الطاولة

وواحده في الكوب

 اهداها الحياة مع الجريدة

لتقرأ اخباره في كل مساء

وتمشي خلف دخانه …

مشاركة