أسقف زجاجية وحواجز غير مرئية- هارون يحيى

395

هارون يحيى

لا‭ ‬يُمكننا‭ ‬نفي‭ ‬أن‭ ‬القيادات‭ ‬النسائية‭ ‬والمديرات‭ ‬أصبحن‭ ‬أكثر‭ ‬شيوعا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬مقارنة‭ ‬بالماضي،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬عامًا،‭ ‬يشهد‭ ‬معدل‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬التجارية‭ ‬والأعمال‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يومٍ‭ ‬بسبب‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬تطور‭ ‬الهيكل‭ ‬الفكري‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬في‭ ‬عصرنا،‭ ‬وزيادة‭ ‬مستوى‭ ‬تعليم‭ ‬المرأة،‭ ‬وإنشاء‭ ‬حقوق‭ ‬نقابية‭ ‬تدعم‭ ‬توظيفهن،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬ظهور‭ ‬مجالات‭ ‬عمل‭ ‬جديدة،‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬الإيجابية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬تصارع‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬ما‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬وإجحاف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬التجارية‭ ‬والحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬ورغم‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬النساء‭ ‬المشاركات‭ ‬بنشاط‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تواجه‭ ‬عراقيل‭ ‬كثيرة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬ترقيها‭ ‬للمناصب‭ ‬التنفيذية‭ ‬العليا‭.‬

ورغم‭ ‬ما‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬المرأة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬المهندس‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬يتم‭ ‬التقليل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتجاهل‭ ‬دورها‭ ‬ببساطة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتعرض‭ ‬النساء‭ ‬للتهميش،‭ ‬بفعل‭ ‬استمرار‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وتتعرض‭ ‬أيضًا‭ ‬لسلوكيات‭ ‬وممارسات‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬وتواجهها‭ ‬صعوبات‭ ‬جمة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بظروف‭ ‬العمل‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتوظيف‭ ‬والأجور‭ ‬والترقية‭.‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬تصور‭ ‬عام‭ ‬عقيم‭ ‬ومزيف‭ ‬يفرض‭ ‬النظرة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مناصب‭ ‬إدارية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬أدنى،‭ ‬وهي‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬نظرة‭ ‬تمييزية‭ ‬تجاه‭ ‬المرأة‭.‬

التعبير‭ ‬الشعبي‭ “‬السقف‭ ‬الزجاجي‭” ‬يوضح‭ ‬الحواجز‭ “‬غير‭ ‬المرئية‭” ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬المهنية‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬التنفيذية‭ ‬العليا،‭ ‬وتوجد‭ ‬هذه‭ ‬الحواجز‭ ‬غير‭ ‬المرئية،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬التقييد‭ ‬يظل‭ ‬ضمنيًا‭ ‬مسكوتًا‭ ‬عنه‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬التطرق‭ ‬إليه‭ ‬بكل‭ ‬صراحة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تنتظر‭ ‬فيه‭ ‬الترقية،‭ ‬تجد‭ ‬المرشحات‭ ‬التنفيذية‭ ‬الإناث‭ ‬الراغِبات‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المناصب‭ ‬العليا،‭ ‬أنفسهن‭ ‬مصطدمات‭ ‬بأسقف‭ ‬زجاجية‭ ‬غير‭ ‬ظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سبب‭ ‬وجودها‭. ‬وهذه‭ ‬المرة،‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بـ‭ “‬السقف‭ ‬الزجاجي‭” ‬الذي‭ ‬يحُول‭ ‬دون‭ ‬ارتقاء‭ ‬المديرات‭ ‬التنفيذيات‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬ينصُ‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل،‭ ‬ويضع‭ ‬تدابير‭ ‬لمكافحة‭ ‬التمييز‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل،‭ ‬مع‭ ‬حظر‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

تُعَدُ‭ ‬البروفيسور‭ ‬فيرجينيا‭ ‬إ‭. ‬شاين،‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التصور‭ ‬العام‭ ‬الخاطئ‭ ‬الذي‭ ‬يدعي‭ ‬أن‭ ‬مدير‭ ‬الأعمال‭ ‬القوي‭ ‬المبادر‭ ‬الواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستسلم‭ ‬ولا‭ ‬يتعثر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصعوبات‭ -‬أي‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬المدير‭ ‬المثالي‭- ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رجلا‭ ‬وفق‭ ‬التعبير‭ ‬القائل‭ “‬التفكير‭ ‬بعقلية‭ ‬المدير،‭ ‬التفكير‭ ‬بخصائص‭ ‬الذكور‭”‬‭ ‬ومتلازمة‭ ‬السقف‭ ‬الزجاجي‭.‬

واليوم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬لعددٍ‭ ‬قليلٍ‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العقبات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وجودهن‭ ‬أمرا‭ ‬محسوسًا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬نجد‭ ‬الحالة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬البلدان‭ ‬نموًا‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬شركة‭ ‬مدرجة‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬Standard  ‬500‭ ‬index‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فقط‭ ‬5‭.‬2٪‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الإناث،‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬النظرة‭ ‬المجحفة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬حقوق‭ ‬وقيم‭ ‬متساوية‭ ‬مع‭ ‬الرجل،‭ ‬هي‭ ‬نظرة‭ ‬سائدة‭ ‬ومقبولة‭ ‬بصمت‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يُثبت‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬للمرأة‭ ‬شخصية‭ ‬تتميز‭ ‬بتفكير‭ ‬عميق،‭ ‬ويمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬بها‭ ‬وبذكائها‭ ‬وحكمتها،‭ ‬بل‭ ‬وتتفوق‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬نظيرها‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإلمام‭ ‬بالجوانب‭ ‬المعقدة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬وملاحظة‭ ‬التفاصيل،‭ ‬ويمكنها‭ ‬أداء‭ ‬مهامها‭ ‬بأفضل‭ ‬طريقة‭ ‬ممكنة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الصائبة،‭ ‬وتقديم‭ ‬أفضل‭ ‬الحلول،‭ ‬والتوصل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬التدابير‭ ‬عقلانية‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬نجاحًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬المهنية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الأعمال‭. ‬وحتى‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬فعلًا‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القوة‭ ‬البدنية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالرجال،‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬ربط‭ ‬ضعفهن‭ ‬الجسدي،‭ ‬وإسقاطه‭ ‬على‭ ‬ذكائهن‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬الذهنية‭ ‬والعملية‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولا‭ ‬يبرر‭ ‬ذلك‭ ‬الضعف‭ ‬الجسدي‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬الانتقاص‭ ‬من‭ ‬قيمتهن‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬إبعاد‭ ‬المرأة‭ ‬عن‭ ‬قطاع‭ ‬الأعمال‭ ‬يضر‭ ‬كثيرًا‭ ‬بمستقبل‭ ‬المجتمع،‭ ‬والواقع‭ ‬يبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬يُحرمن‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬الحياة‭ ‬العملية،‭ ‬لا‭ ‬يشاركن‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬أخرى‭ ‬للحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعوق‭ ‬التقدم‭ ‬العام‭ ‬للمجتمع؛‭ ‬ثمة‭ ‬علاقة‭ ‬تناسب‭ ‬طردية‭ ‬بين‭ ‬تطور‭ ‬المجتمعات‭ ‬وتقدمها‭ ‬ومشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬النشطة‭ ‬في‭ ‬التقسيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للعمل‭ ‬وشعورها‭ ‬بالحرية‭ ‬والتقدير،‭ ‬ويكون‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمعات‭ ‬وقوتها‭ ‬متناسبان‭ ‬مع‭ ‬مدى‭ ‬تقدير‭ ‬وتقييم‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬للمرأة،‭ ‬ومن‭ ‬العبث‭ ‬التوقع‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬يتجاهل‭ ‬نصف‭ ‬مجتمعه‭ ‬المشكل‭ ‬من‭ ‬المرأة،‭ ‬ويبخسها‭ ‬حقها‭ ‬ويضطهدها‭ ‬ويلقي‭ ‬بها‭ ‬خلف‭ ‬المشهد،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬قويًا،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬سيكون‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الأعم‭ ‬هزيلًا‭. ‬ولذلك،‭ ‬فمن‭ ‬الضرورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحًا،‭ ‬إعادة‭ ‬إدماج‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وإيجاد‭ ‬الوسائل‭ ‬اللازمة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬ذكائها‭ ‬وقدراتها‭ ‬العليا‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُمنح‭ ‬المرأة‭ ‬حقوقًا‭ ‬وحريات‭ ‬متساوية،‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬تمامًا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الاعتقاد‭ ‬العقيم‭ ‬الذي‭ ‬يزعم‭ ‬بأن‭ ‬الرجال‭ ‬متفوقون‭ ‬بطبيعتهم‭ ‬على‭ ‬المرأة،‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬البال‭ ‬أن‭ ‬مستقبلًا‭ ‬قويًا‭ ‬ومشرقًا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬عزيمة‭ ‬المرأة‭ ‬وتصميمها‭.‬

 

مشاركة