التوظيف الأيديولوجي للدين
وليد خالد أحمد
مرة أخري لم يكن ثمة مجال إزاء هذا التواشج الجدلي والاستلهام المستمر والتفاعل القائم لأي تورم ديني أن يظهر من الجسد المتماسك، وإننا إذن أمام حجة جديدة يتيسر الاقتناع بأننا أمام ظاهرة طارئة لاجذور لها في الماضي بقدر ما أن ركائزها في الحاضر هشة ومخلخلة.
إن للباحث بعد هذا وفي سياق رصد المؤشرات للشأن الذي نحن فيه، أن يلاحظ بأن المحتوي المعرفي للخطاب الثقافي والتربوي والتعليمي الذي ساد لدي الحركات الوطنية العراقية والعربية وفي الحقبة الأولي لتأسيس كيانات أقطارنا العربية وما بعدها بقليل ــ هنا نلفت النظر إلي ضرورة صرف الانتباه عن نوعية هذا المحتوي ومعرفة حدود طبيعته المتقدمة أو الانتكاسة، فأن ذلك سيشكل من أحد الجوانب وفي وقت لاحق العلاقة والتأويل الذي سيعطي للتراث ولمفهوم الأصالة ــ أن هذا الخطاب لم يحد أبداً عن تعاليم الإسلام وإن كل الميكانيزمات الاجتماعية والسياسية وغيرها كانت مرتبطة به وخاضعة له بشكل أو بآخر مما يجعلنا نقول بأنه وبخصوص المسألتين الاجتماعية والثقافية لم يكن ثمة مجال للصراع حول العقيدة، أي حول ما هو جوهر وجود في بنيتهما وخطابهما، وأن بإمكاننا الزعم بأن لا أحد يستطيع اليوم أن يدفع هذا الوجود إلي حلبة الصراع بالرغم من كل الأدبيات الليبرالية المنتعشة عندنا حالياً، وكل ما يمكن أن يحدث يتصل بنطاق الاقتراب أو الابتعاد بالتزام الصلابة أو التماس اليسر والمرونة في اعتناق العقيدة وأداء فروضها ووجوه تطبيق الشريعة وأحكامها، وأن لأي مسلم أو غيره أن يلاحظ بأن هذا التطبيق سواء في العراق أو بقية الأقطار العربية لم يصل أطلاقاً حد التطرف ولا الممارسات الهجينة والبشعة التي تغطي بها بعض الأنظمة الإسلامية اليوم بطشها وعاهاتها الدكتاتورية في محاولة يائسة لاخفات غضب شعوبها وخنق مطالب العدالة الاجتماعية.
إن ذلك الانسجام في محتوي الخطاب وسيادته أياً كانت طبيعته وعناصره وتلك المرونة والعفوية سواء في اعتناق العقيدة أو تطبيق الشريعة ليقدمان لنا مظهراً جديداً للمناعة التي توفرت للمجتمع دون مخاطر اختلال التوازن الديني.
إنه من الضروري هنا طبعاً الانتباه إلي مسألة التوازن هذه، لأنها ستكون من بين الأسباب التي ستقود نحو بروز التيار الديني المتمذهب المتطرف وإن من جانبها السلبي الذي تمثل في العمل علي ضرب التوازن نفسه بمحاولة احتكار الخطاب الديني. والحقيقة أننا إزاء قضية لن يكون من السهل الكشف هنا عن مختلف ميكانيزماتها وإن كان من الضروري تفحصها وذلك بالقدر الذي يجعلنا نتعرف قليلاً علي:
1 ــ الطرف أو الأطراف الماسكة لزمام السلطة/المرجعيات الدينية »المذهبية«.
2 ــ الدور الذي تنيطه بهذه السلطة معرفياً.
3 ــ التوظيف الأيديولوجي الذي سخرته وتسخره لها، وحدود هذا التوظيف.
لا ينبغي أن يغرب علي نباهة القارئ أن هذا التحديد الثلاثي هو مجرد توزيع إجرائي لمحاولة حصر أطراف القضية واستبصار نقاط الالتقاء والافتراق، وإلاّ فأن وضعها أفقياً وعمودياً منبنٍ علي طبيعة التداخل والتفاعل بما يجعل من العسير جداً فرز كل طرف علي حدة والذهاب لاستكناه ما هو أبعد من السمة الذرائعية التي تهيمن عليها جميعاً.
وبالنسبة إلينا ونحن في عجلة من أمرنا، يمكن أن ندفع ببعض الفهم السريع والتشميلي ملتفتين إلي أن ثمة ثلاثة أطراف هي من يمسك زمام السلطة/المرجعية الدينية:
1 ــ الدولة المركزية: أ ــ كسلطة في خدمة فكرة.
ب- كأيديولوجية.
ج ــ كمؤسسات.
2 ــ المؤسسة الثقافية بخطابها المعرفي والتلقيني التي وإن بدا للوهلة الأولي أنها خاضعة لمؤسسة سابقة عليها أو هي جزء من تكوينها إلاّ أنها حاولت دائماً أن تستقل إما بقراءة خاصة أو ببعض شعائريتها.
3 ــ عامة الناس الذين إليهم يأخذ التوظيف الأيديولوجي للعقيدة طريقه. وهو مناط بممارسة السلطة/المرجعية الدينية، ولكن الذين يشكلون في الآن عينه محك هذه الممارسة والبنية التحتية الضرورية لكل سلطة سياسية ومعرفية المتربعة علي سدة البنية الفوقية.
الأطراف الثلاثة يمكن أن تلتقي في طرف واحد هو رأس السلطة سابقاً ومجموعة رؤوس سلطوية محلية »وطنية« وأجنبية راهناً، الذي يمارس/تمارس دور الهيمنة انطلاقاً من مركزه/مركزها علي الأطراف كلها، لأنه/لأنها يتمتع/تتمتع بالشرعية الدينية والدنيوية التي تؤهله/تؤهلها لهذا الدور وبالتالي بمسؤولية وواجب الحافظ علي التوازن وإصدار الكلمة الفصل سواء في قراءة أو فهم أو تأويل أو تطبيق الشريعة الإسلامية التي ينبغي أن تؤخذ هنا بوصفها ديناً ودنيا، وهذا ما يكشف بل ويؤكد علي البعد الاجتماعي ــ السياسي لمفهوم التوازن الديني الذي نحن بصدده، ويدفع بالطبع إلي الاقتناع وخارج حدود الاجتهاد المعلومة أو التي يمكن أن تكون مضمرة ولكن متفقاً عليها بأنه لايوجد مجال عدا العصيان أو المروق بمعناه الديني للخروج عن إجماع الأمة في فهم العقيدة، واعتناقها وممارستها، الإجماع الذي تتكفل السلطة المركزية بالسهر علي سيادته وضبطه بسبب امتلاكها للهيمنة والشرعية اللتين تؤهلانها للإدانة والتصدي.
إن مفهومي الهيمنة والتوازن كانا يطويان تحتهما مواقع أو بؤراً عديدة إما للتعايش أو الصراع للانسجام وللتعدد والتضارب في المنهج والاختيار، إذ لاينبغي أن يغرب عن البال مرة أخري، أن المسالة الاجتماعية كانت دائماً في قلب ما هو منسجم أو متناحر، كما هي من المنظور الديني، وكامنة في علاقة واحدة من السلطة المذكورة، إما بكيانيتها أو ببعضها البعض. وبالطبع، فأن ظروفاً تاريخية معلومة إما غيبت العلاقة أو موهتها أو جعلتها تندرج في نهاية جدول الأعمال التاريخي وخاصة أمام الجيل الذي استلم مهمة المواجهة والصدام مع السلطة المركزية ووجد نفسه يقيم تحالفاً سياسياً ظرفياً علي أرضية أيديولوجيات راكدة وأخري متململة.
والحقيقة أنه منذ عقد السبعينات شرع البعد الاجتماعي لهذا التحالف في التراجع ومعه راح الانسجام الأيديولوجي يعلن تنافره، وهذه المرة جهاراً وعبر تشكيل مؤسسي من شأنه أن يجسد المغايرة في الرؤية وتنضيد مفاهيمي ومطلبي هو ما أعلن بعض الاختبارات الجديدة التي كانت تتقدم علي استحياء، وقد خرجت من صلب ما هو ثابت، وتحترز احترازاً شديداً في أن تفجر صيغة التوازن، وإن أحست أنها لامحالة ذاهبة فيه.
فخلال السنوات الأولي من عقد السبعينات من القرن الماضي كان من الصعب التحدث عن صراع أيديولوجي، ذلك أن هذا الصراع في تقديرنا لن يأخذ مسيرته الطبيعية إلاّ لاحقاً وسيكون الصراع الديني من بين محاوره الكبري وفي صلب هذا الصراع، وتدريجياً انفلتت من هيمنة السلطة المركزية التي اعتبرت نفسها دائماً هي المؤهلة لصياغة الخطاب الديني وتوجيهه في مساربه الطبيعية، ثم أخيراً تعلن المواجهة ليس مع هذه السلطة نفسها فحسب بل وضد جوارها علي غرار ما فعلت التركيبات السياسية والثقافية والذهنية التي كانت ركناً ركيناً من صرح الانسجام ثم ما لبثت بدءاً من عقد الستينات وعلي امتداد السبعينات من القرن العشرين أن أحدثت الشرخ في الصرح ليبدأ عهد نهاية التعايش الأيديولوجي، وهنا تبدأ مرحلة جديدة أو قل التأسيس الفعلي للتيار الديني المتمذهب المتطرف في عدد من الأقطار العربية ولاسيما مع بداية عقد الثمانينات عند اندلاع الحرب العراقية ــ الإيرانية.
التناقض الطبقي الأيديولوجي
والقراءة الاستبطانية الإرتكازية
إننا في هذا المبحث والسابق له تجنبنا القيام بتحديدات تاريخية صارمة تضع عند بداياتها أو نهاياتها إشعاع أو أفول حركة أيديولوجية أو تيار عقائدي معين بقدر ما كنا نميل إلي تتبع ملابسة الحركة أو التيار لفترة أو حقبة زمنية تكون مطبوعة بسمات اجتماعية وثقافية تميزها، ولأننا نزعم أن الأمر بالنسبة للمسألة الدينية في أي قطر عربي من الصعب بل من غير المناسب أن يخضع للترتيبة الزمنية الحدية فضلاً عن أن هذه المسألة تمتلك زمنها الثقافي والعقائدي الخاص وهو ما ينبغي تمعنه وليس مجرد افتراضه، هناك هذا التداخل الذي تثيره باندراجها وتفاوتها في عدد من اللحظات، إن الزمنية أو الأيديولوجية أو الاجتماعية، أما المتضاربة أو الخاضعة، وهماً أو فرضاً، لتعاقب تاريخي محدد.
وبعبارة أخري، فأن الباحث في هذا الموضوع مطالب إن هو أراد أن يخرج ببعض الاستخلاصات الصحيحة ويضع يده عن كثب علي جملة المحددات النظرية أو النظام النظري من ناحية، لحركة التيار الديني المتمذهب ولمضمون هذا النظام، من ناحية ثانية، وثالثاً لمقدرته ونواياه للقيام بحركة نقله علي الصعيد الاجتماعي بما يكرس توظيفاً أيديولوجياً معيناً ويقود في ذات الوقت إلي تحقيق أهداف ومصالح أيديولوجية بعينها.
إن هذا الباحث ولاشك مطالب ومدعو باستخدام ضربين من القراءة الواحدة منهما لاتعفي من الثانية، أفقية، متوالية، وعمودية، تداخلية واستبطانية. ومالنا لانطالب بثالثة تجمع أفضل ما في السابقتين معاً فتكون تركيبية.
الوصف والاستبطان، التوالية والارتكازية، لابد أن يستقطبهما محور ويشدهما موضوع ليس هو موضوع معرفة علي كل حال وإن كانت هذه جذراً في البناء النظري لهذه المسألة، ولكنه ذلك الجذر المعلوم المندمج في بنية الثبات، المحقق لذاته في التطابق، فيما الذي نخوض فيه نحن هو مسعي الانفصال ولو الشكلي أو الجنوح عن القاعدة المستقرة، والسلطة المهيمنة بها، والتي تنتجها فيكون خلخلة الإجماع ضرباً من الانفصال، إنما لن يكون شمولياً هيكلياً مادام جزءاً من أجزاء عدة في التشكيلة الاجتماعية ? الأيديولوجية أو مادام أيضاً وفي الارتباط بلحظة تاريخية محددة لايستمد مضمونه وينال مسوغة إلاّ من خطاب العقيدة وحدها وهو ليس كافٍ في تقديرنا بل وفي التقدير العلمي لدراسة الظاهرة الدينية ليكون المصدر والموجه الوحيد.
من هنا كان التفاتنا المبكر إلي التحكم الفاعل للمسألة الاجتماعية وجعلها تحل محل موضوع في الموضوع وأن تتبادل معه جدلية التجاذب والتنافر، وهذا دون أن نغفل ما يشكله للموروث الأساس في بنية الثبات للمسألة الدينية من أهمية. وقد آثرنا أن لانطيل ولانتعرض لها بأي تفصيل بما أنها جزء من الثقافة والقناعات والتقاليدية التي كونت الذهنيات وأشبعت النفوس، ذاك الالتفات قاد خطواتنا في هذا المبحث إلي أن وصل بنا إلي تقدير:
1 ــ اختلال إن لن نقل اختفاء التوازن في ماسميناه بـ »إجماع الأمة«. وكلمة إجماع بالمناسبة ذات الدلالة الفقهية يمكن أن تحمل أيضاً علي محمل الدلالة الاجتماعية/السياسية.
2 ــ وبالتبعية، انفجار التعايش الأيديولوجي في أغلب مجتمعاتنا العربية الذي نعتبر أن نهايات الستينات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي كان إيذاناً بتجليه الحقيقي، وهكذا فنحن لانولي أهمية قصوي لبعض الأحداث الكبري في منهج قراءتنا الراهنة، مثل إعلان الجمهورية العراقية في 14/تموز/1958، وتأسيس الأحزاب الدينية علي سبيل المثال لا الحصر. إن هذين الحدثين الخطيرين ــ عراقياً علي الأقل ــ من غير شك لم يكونا ليغيرا المجري الخاص للزمنية الثقافية للمسألة الدينية.
لنقل إذن، إن بداية السبعينات كانت قد شهدت ضغط التناقض الطبيعي ونحن لانميل إلي استخدام كلمة صراع في هذه المرحلة بل وفي غيرها بالنسبة للسياق العراقي »نموذجاً« وهو ضغط نتج عن بداية ملامسة مظاهر تدهور الوضع الاقتصادي المعيشي والاجتماعي لغالبية السكان وارتفاعهم درجات علي سلم الحرمان والاستغلال في المستويات الاجتماعية الاقتصادية السياسية، وهذا المستوي الأخير كان ولاشك بارزاً في تغييب الإرادة الشعبية وعدم توفر الامكانات الحقيقية والمطلوبة للممارسة الديمقراطية رغم الوجود الشكلي لبعض ما سُمي بالمؤسسات الديمقراطية.
إن بداية السبعينيات هي مجرد نقطة اختيار من جانبنا وإلاّ فإن الستينات بأجمعها لم تكن قد شهدت لحظة تنوير ديمقراطية واحدة وإمكانية عدالة اجتماعية تتجاوب مع مطالب الفئات الواسعة من الطبقة الوسطي ومن الفلاحين الفقراء والتجمعات العمالية التي كانت آخذة في التكاثر وأنجبها فجر جمهورية لم تستضيء بنوره سوي بورجوازية وطنية هجينة في تركيبها، وفشلت في أن تطابق بين خطابها التحريري عهد الاستعمار والملكية وبين ممارستها ومصالحها الطبقية غداة أعلان الجمهورية وما بعدها… وإذا لم تكن مهمة هذا المبحث القيام بأي تاريخ أو زعم الملاحقة الكاملة للأحداث الكبري التي عرفتها سنوات الستينات والتي قادت إلي بداية لانفجار التناقض الطبقي كمظهر لانفجار التعايش الأيديولوجي، فإننا لا نستطيع المرور بصمت علي أحداث العراق بعد 14/تموز/1958، ذلك أن هذه الإحداث بطابع العنف والصراع الأيديولوجي الكاسح الذي سادها يمكن أن ينظر إليها فوق تعبيرها الشعبي التذمري تلقائياً كان أو غير تلقائي، بمثابة الذروة التي مثلت انهيار الإجماع المشار إليه وبداية القطيعة والرفض الجهيرين مع مرحلة سياسية كاملة باختياراتها الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً بمسلكيتها السياسية ورؤيتها الأيديولوجية التي كانت تدخل مرحلة التشظي.
كان للسلطة المركزية في أغلب أقطار وطننا العربي بداية عقد السبعينات وصعوداً… خطابها الديني والأيديولوجي الرسمي والذي كان يراد له أن يعلن جاهزيته للرد والتصدي للتيار الديني المتمذهب. وهنا مرة أخري نلاحظ التمازج والتداخل بين البنية السياسية والبنية الأيديولوجية مما يجعلنا نذهب إلي القول بلا تلكؤ أو تردد أن المجموعات الدينية المتمذهبة راحت بوازع معلن أو خفي، مباشر أو غير مباشر، تمارس حضورها في الساحة الاجتماعية وتفرز بعض تلاوينها الثقافية مندمجة في سياق البنيتين المذكورتين، وهو الاندماج الذي كان ذا طبيعة براغماتية صرف بالنسبة لطرفيه، فمن جهة كانت السلطة المركزية مؤهلة للاستفادة من تحرك الجحفل الديني المتمذهب الذي بدا وهو يمثل درعاً واقياً لا بل متراساً يوقف زحف أيديولوجية اليسار وسلاحاً لخوض الصراع الأيديولوجي الذي لم يبق مظهر شك في أنه بدأ وسيتواصل بحمية مستعرة.
لقد بات من الضروري بالنسبة لهذه السلطة أن ينبثق لا من بنائها الفوقي، أي مؤسساتها، ما يدافع عنها، ويصون مكتسباتها السياسية. لقد كان هذا من تحصيل الحاصل، ولكن أيضاً أن ينبثق من قلب الشرائح الاجتماعية التي تعيش غليان البحث عن أفق بديل ما يرشح الاختيار الديني، العقائدي والذاهب في المسار الأيديولوجي المكيف ليصادر باقي الاختيارات أو يأتي في الأقل علي رأسها، فيوقف الصدي الواسع لأيديولوجية اليسار التي تجد في واقع الاضطهاد والحرمان، غياب الديمقراطية، والاختلال الكبير للعدالة الاجتماعية، ما يمنحها شرعية ومشروعية الوجود والتوسع لتتحول إلي هيمنة تاريخية نقيض للهيمنة الموروثة.
الديني السلطوي
الفعل ورد الفعل
وعليه، فقد أطلق زمام الحركة الدينية المتمذهبة وتيسر لها أن تنشط وتباشر ممارساتها المختلفة تحت ستر الظلام، ولكن في واجهة النهار أيضاً. وبدلاً من أن تبقي »المساجد لله« والحسينيات »للقراءات العاشورية« راحت تتحول إلي مراكز هي وغيرها من البيوت والزوايا والتكايا والسراديب لتجمع من سيختلف أفراد المجتمع الواحد في تسميتهم وإن كانوا قد أطلقوا عليهم إجمالاً اسم جماعة »كذا« وجماعة »كذا«. أما المظهر البراغماتي الثاني وللطرف الثاني كذلك، فهو الذي تجلي في استفادة رواد التيار الديني المتمذهب من الغطاء الذي يمنحه لهم التنصيب من بين قوي أخري للدفاع عن »الملة والدين« ومواجهة الزيغ والانحراف والإلحاد والزندقة… إنها تهم خطيرة ولا شك وتتطلب الحد وإن لم تكن السلطة المركزية قد اعتمدتها أو استندت إليها في مواجهة أيديولوجية اليسار والقومية لأن الطبيعة المركبة بهذه السلطة المكونة من أمشاج مختلفة والتي من ضمنها الحرص علي الظهور بالسمت الليبرالي، إن علي مستوي التشريع الوصفي أو في الممارسات المادية، جعلها لا تلقي بالاً لجوهر هذه التهم وإن كانت مفيدة كسيف مصلت في كل حين.
والمهم أن التيار المتمذهب أحد حراس الملة الجدد، كان يستفيد من هذه الوظيفة مرتين: مرة وهو يستغل فرصة ذهبية تتيح له الظهور بالشرعية الكاملة وباسم الدفاع عن أقدس مقدسات الأمة، ومرة ثانية، وهو يشرع بكيفيات مختلفة وبملابسات متعددة في التميز والاستقلال بتكوين خطابه الأيديولوجي الخاص.
إننا لانستطيع حالياً الإبراز أو الجزم بنوعية الميكانيزمات التي تبلورت وتفاعلت وأنجبت الموقفين المذكورين وبالتالي التي قادت بالتدرج نحو فعالية استقلال الخطاب والتوسع الذي راح ينتشر به. ولربما كان الباحث هنا في حاجة إلي التوفر علي جملة حقائق ومعطيات مادية لايمكن أن يقدمها له إلاّ تاريخ مقبل، إلاّ أنه ومع ذلك فإن ما يهمنا تقريره نحن يمكن أن يكتفي بقراءة الغلاف الخارجي لتلك المعطيات. ولدينا ما يعزز منحانا أو مجلي هذه الميكانيزمات نفسها، الذي نجده في نوعية ومراحل تكوين التجربة الدينية المتمذهبة بخاصة عندنا في العراق.
التبشير والمواجهة
حين يكون تعدد الرؤي والاختيارات في سياق أيديولوجيات الليبرالية والقومية واليسار قد ضربت شوطاً هاماً وبعيداً، وفي الوقت الذي تهيأ لهذه الأيديولوجيات الذيوع الذي تحتاج إليه في أوساط المتعلمين، وهي التي باتت تتوفر تاريخياً علي سند كبير لها في القطاعات الوسطي من المجتمع، في هذا الوقت يكون التيار الديني المتمذهب وقد بدأت ركائزه ثابتة علي أرضية الشرعية ثم وهو يلاحظ عجز إن لم نقل تداعي الأيديولوجيات القائمة والفرق التابعة والموالية لها إزاء ارتفاع أسهمها وتضخم خطابها، حينئذ فإن التيار المعني يشرع عملياً في التمهيد لتحقيق نقلة نوعية لصفوفه وتمذهبه تجعل منه لامجرد تابع أو بوقاً لدعاوي أو قضايا ليس هو المتحكم في إنتاجها وجني ثمارها، ولكن فاعلية خاصة، صوتاً أيديولوجياً متميزاً، وممارسة تدينية، بل واجتماعية أيضاً تسمح له بأن يختص بموقع مناسب بين جميع القوي الاجتماعية والسياسية الأخري.
كما وإننا لانستطيع تتبع هذا التولد تتبعاً دقيقاً بإخضاعه لمراحل زمنية محسومة، ذلك أنه لم يكن في انتشاره المتمذهب ولا في الطفرة التي حققها خاضعاً لتسلسل طبيعي أو آلي، كما أن القطع بمراحل محددة لا يفيد إلاّ من الناحية التاريخية الخالصة فيما يبقي ما هو أهم من ذلك، أي التراكم الداخلي للخطاب المتدين متوافراً علي تاريخيته الخاصة التي تتشابك، تتقدم وتتأخر، تزحف وتتراجع بحسب الظروف والملابسات السياسية والاجتماعية للبنية التي نهض فيها. لكن هذا لايمنعنا من القول ولو إجرائياً ومن باب تقريب الأمور إلي الأذهان، أنه ومنذ منتصف السبعينيات جعلت التيار الديني المتمذهب يعرف أوسع انتشار له، وأبرز عناصر الظهور. فمن جهة ستعرف المرحلة المذكورة بداية تنفيذ اغتيالات بشعة لبعض رموز هذا التيار، ومن جهة أخري ما يمكن تسميته بدخول التيار الديني مرحلة التشريع لنزعته العقائدية وفلسفته للحياة والمجتمع، أي مرحلة الصراع الأيديولوجي العلني بالجهر بخطاب علني ومضاد لما هو سائد، إما عن طريق منشورات أو ملصقات أو بأصدار صحف صغيرة الحجم أو بتبادل وتسريب أشرطة مسجلة.
دعم الخارج وبؤس الداخل
إن سياق نشر الأيديولوجية المتمذهبة بالأدوات والذيوع الذي توفر لها لابد أن يحفز للتساؤل عن الامكانات التي توفرت لأصحابها، ونحن لانثير هذا التساؤل إلاّ لكي نثير معه الدور الذي يمكن لبعض الجهات الخارجية أن تكون قد لعبته في هذا الصدد بطريقة أو بأخري، وبوسائل وطرق متعددة لايعنينا منها إلاّ مساهماتها المباشرة وغير المباشرة في دعم الوجود المادي والمذهبي لهذا التيار ورص صفوفه وتحميسه لاستلام مهمته بين مهام القوي الأخري، وقد رأي أغلبنا في العراق وفي فترة الاحتدام والمواجهة المباشرة بين السلطة المركزية »البعثية« والمتدينين المتمذهبين، كيف أن أصابع الاتهام وجهت مباشرة إلي قوي بعينها، أي إلي إيران الخمينية. ولكن إذا علمنا، وهو معلوم، أن إيران الخمينية كانت حديثة العهد كسلطة، أفلا يحق لنا عندئذ أن نتساءل عن هوية وطبيعة الأخري التي دخلت في سياق المساهمة، وهو تساؤل نري أن المستقبل والرغبة في الكشف عن الحقائق بين المعنيين سياسياً هو الكفيل بتقديم الجواب الشافي عنه.
هناك حقيقة مادية اليوم وقبل اليوم شاخصة في توفر عدد من المطبوعات سواء المعلن منها أو الخفي مما يتنقل تحت المعاطف، كما يقال، وكثير منها يوزع ويباع في صورة كتيبات مطبوعة طباعة جيدة وأنيقة وعلي ورق صقيل.
ومما يلفت النظر في أغلب هذه الكتب، أن الدعوة الدينية منها لاتقتصر علي مجال الهدي أو التبشير مما يمس الجوانب الروحية ولكنها تعالج قضايا المعاملات والتشريعات التي تمس حياة المجتمع وتزاوج بين الخطاب الأيديولوجي والتحريض السياسي المباشر.
والملاحظة الأخري بعد هذا، هي أن هذه الدعوة المحلية تريد أن تندرج في أفق وخطة دعوي كبري، وتفصح عن هذا الاندراج بمثل هذه العبارات:” إن قضية التغيير الإسلامي الثوري داخل أمتنا أخطر قضية نواجهها، وإن أعداء شعوبنا قد تمكنوا منها وأصبحوا يكيدون لها ويتربصون بها وليس لها والله إلاّ أبناؤها المجاهدون المخلصون وإلاّ عقيدتها الحقة، ولايفل الحديد إلاّ الحديد، ولا يدرأ الباطل ويفند إلاّ بقولة الحق صريحة مجلجلة”.
إنها عبارات كافية في الإفصاح عن دعوة شمولية تربط بين أطرافها أوثق الصلات ليس في العراق فحسب بل من المحيط إلي الخليج، وتسعي للانتشار لتكون البديل عن كل ما هو قائم حتي الآن في الوطن العربي والبلدان الإسلامية.
ومرة أخري، لابد من العودة إلي ضغط التفاوت الطبقي ومعطيات المسألة الاجتماعية كمساهم مركزي في تشييع الدعوة ونقلها إلي صعيد التشريع للمجتمع ورغبتها من ثم في أن تتحول إلي بديل.
إن هنالك ما يشبه الإجماع في العراق وفي أغلب الأقطار العربية خلال السنوات الأخيرة علي تردي الأوضاع الاقتصادية والتدهور الكبير للمستوي المعيشي للفئات الغالبة من السكان، ورغم أن المسؤولين الرسميين كانوا لايعترفون بهذا الواقع، إلاّ أن أرقام الديون، والعجز التجاري، والقروض الأجنبية، فضلاً عن الزيادات الهستيرية لأسعار المواد، ومنها كثير من المواد الأساسية مع بقاء الأجور مجمدة علي حالها منذ سنوات الثمانينات تقريباً، كل هذا لاينفع في تغطية واقع معيشي متدهور، لكنه مترافق مع زيادة الفوارق الطبقية والتصاعد الفاحش في غني طبقة محدودة من المجتمع، وكل هذه المعطيات كانت تجد متابعة وصدي كبيراً في التقارير والتحليلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تنشرها صحافة هذا التيار أو ترصد أحوالها في تقاريرها الحزبية الداخلية.
الوعي الجماهيري.. خلفية ومحفزات الانتماء
إنه لايمكن والحالة هذه التهوين من ضغط المسألة الاجتماعية لالتماس تأثيرها في نفوس ملايين من المواطنين الذين باتوا عرضة للحرمان والعوز والبطالة تأكلهم فيما تغتني أمامهم حفنة من منتفعي السلطة والسلطان، وتتضاءل حظوظ العدالة الاجتماعية، ودعك من حظوظ الممارسة الديمقراطية، لاعجب هنا، إذا رأينا كثيراً من أفراد المجتمع ولاسيما الشباب يلتحقون بصفوف التيار الديني المتمذهب وقد أعياهم انتظار تحقيق العدالة الاجتماعية، كما أعيتهم، وملوا من الأدبيات السياسية لأحزاب اليسار والقومية والليبرالية التي راحت تتهافت في تناقضاتها الداخلية وقراءاتها المتضاربة لمفاهيم وطرق التغيير الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، ناهيك عن فتور فورتها النضالية تحت ضغط الكسر المستمر لأجنحتها، وضغط العناصر المعتدلة داخلها، فأمست مثالاً إلي الاكتفاء بشعار تعميق الوعي الجماهيري والتكيف مع الأوضاع، والتزام سياسة ظرفية سياسيوية أكثر من توفره علي رؤية استراتيجية للحاضر والمستقبل، كما كان عليه الشأن بصورة نسبية في الماضي القريب.
ولا يعفي الباحث بأي حال سواء بالنسبة للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية الآنفة الذكر، أو إزاء التوصيف الأخير لوضع الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية، وبالطبع أمام المسببات الكلية التي شاركت مباشرة أو دون قصد في تصاعد التيار الديني وتمذهبه من أن ينتبه إلي أن هذه الوقائع سجلت والأحداث والتطورات طرأت وتبلورت ضمن البانوراما الشمولية للنزاع العراقي ? الإيراني، هذا النزاع الذي انطلق بصفة فعلية منذ 4/أيلول/1980، أي أن هذا النزاع كان له ولاشك أثر فاعل في صوغ وإنجاب العديد من الظواهر السياسية والثقافية والاجتماعية في العراق والأقطار العربية القريبة.
كان لهذا النزاع أثره الكبير خلافاً لمن يذهبون إلي أنه وضع العراق بكافة بنياته وتركيباته في وضعية محجوزة، بسبب ما يفرضه مبدأ الالتفاف حول السيادة وصيانة التراب الوطني. ونتيجة للسلم الاجتماعي العلني أو الضمني الذي قام بين السلطات والمؤسسات الاجتماعية، فإن هذه الوضعية المحجوزة كانت كفيلة وقادرة علي أن تطفو إلي السطح بتناقضاتها، ومؤهلة لإحداث تبدلات في الخريطة السياسية والانتمائية.
أخيـراً…
هل يمكن الزعم، بأن النار قد خمدت وهدير المكبرين والمستنكرين قد خف؟ ثم ما هي مرة أخري، حدود الحيثيات السياسية والاجتماعية في بقاء أو انحسار ظاهرة التيار الديني المتمذهب المتطرف سواء في عراقنا أو في بقية الأقطار العربية والاسلامية؟
هذه الأسئلة وسواها نبقيها مفتوحة أمام القراء لأنها بدورها مفتوحة أمام زمن يتشكل وآخر قادم وظروف الزمنين معاً وكذا والقوي الأيديولوجية والاجتماعية السائدة أو المقهورة أو المتولدة في المجتمع العراقي والعربي المعاصر ستكون ذات دور بالغ الأهمية في استكمال بعض ما يظل مبتوراً أو بياضاً في سطور هذا الموضوع. ولكم نأمل أن لايعتبر هذا تخلياً من مسؤولية فكرية وهي المسؤولية التي لاتقوم إلاّ علي معطيات مادية ووقائع حية، وعدة من الأطروحات التي يولدها الذهن باحتكاك مع الواقع وبفهم جوهر الصراع داخله، خص هذا العراق أو باقي أقطار الوطن العربي.
إننا نحس ونحن في الكلمات الأخيرة من هذه الدراسة، أننا إنما قمنا بمقاربة أولي لموضوع خطير وإشكالي وجاد، موضوع ينبغي أن يفهم بالجدية المطلوبة لا أن يترك حبله علي غارب الأيام، فإن ذلك إنما سيكون تعامياً عن واقع حقيقي وحي أمامنا يقول بالحرف الواحد: إننا اليوم سواء في العراق أو في أي قطر عربي نعيش ظاهرة دينية متمذهبة تتعدد الأسماء فيها، واقع ينبغي أن يقرأ علي ضوء تاريخنا وظروفنا الاجتماعية وأوضاعنا الاقتصادية والطبقية والإحباطات العديدة التي عاشتها الأجيال العربية منذ بداية ما سُمي بعصر النهضة إلي اليوم، ثم تستخرج منه الخلاصات الكافية والضرورية بالوسائط الديمقراطية، ومن أجل التمكن من رسم صورة المجتمع العربي الديمقراطي مستقبلاً، وأن العرب ونحن منهم منذ بداية تفكيرهم في النهضة وهم يتداولون مصطلح »الإحياء«، لا بل ومنذ الإمام الغزالي ومازالوا إلي الآن لم يصلوا إلي أي إحياء حقيقي في الدين أو في غيره.
ولا شك أن الشرط الديمقراطي أول الميكانيزمات لبناء الصرح الإحيائي، كما أن انتقاءه كان له الأثر في تولد التطرف الديني في مجتمعاتنا العربية التي عرفت دائماً إسلاماً سمحاً بسيطاً خالصاً من كل الشوائب. وإذن فالإشكالية أكبر من أن تكون دينية وحسب.
/2/2012 Issue 4127 – Date 20- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4127 – التاريخ 20/2/2012
AZP07























