النساء والأداء السياسي للدول – هارون يحيى

271

زمان جديد

هارون يحيى

النساء يشكلن قرابة نصف عدد سكان العالم، أو نصف المجتمع كما يقال. تبدو هذه التركيبة الجنسية في نسيج المجتمعات متوازنة للوهلة الأولى، لكن نظرة عابرة إلى الواقع تفند هذا التفاؤل، حيث لا نشهد لهذا التوازن تجسيدًا حيًا في حياة الناس، بأي شكل من الأشكال، في مجال الفرص التي تمنح للمرأة وموقعها وقيمها داخل المجتمع. تعاني الإناث كثيرًا في مجال التعليم، مثلما يبرهن مستواهن مقارنة بمستوى الذكور في جميع المجتمعات تقريبًا، والأمر كذلك أيضًا بالنسبة لمناصب العمل، نجد نسبة النساء العاملات متدنية جدًا مقارنة بمعدل الذكور من السكان، إلى جانب تقاضي المرأة في مكان العمل أجرة أقل من زملائها الذكور في نفس الوظيفة. وبالإضافة إلى هذه الأصناف من الإجحاف في حقهن، لا تزال المرأة تتعرض للإيذاء اللفظي أو البدني من جانب الرجال، وهذا حتى في أكثر البلدان نموًا. إن تقدير المرأة حق قدرها، وإبراز دورها في المجتمع وتمكينها من تبوء مكانها اللائق لتصبح جزءًا من الحياة الاجتماعية، كل ذلك يشير إلى مستوى متفوق من الرقي والتطور في المجتمعات. إن منح المرأة الاهتمام الذي تستحقه، وأخذ مستقبلها في الاعتبار وحماية كرامتها وعفتها، كلها شروط لازمة للكمال الأخلاقي.

وجود المرأة وحضورها الفعال يجلب الجودة والرقي للمجتمع، ومشاركتها في أنشطة ومشاريع البلاد ينمي محيطها الذي تتحرك فيه، ويجعله أكثر تميزًا، ومشاركتها في الميادين التي عادة ما تستخدم فيها اللغة الخشنة – مثل السياسة – يجلب قدرًا من النعومة والرقة ويحول دون استفحال السلوك غير الطبيعي.

والجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن المرأة تتبوأ حيزًا أقل بكثير في مجال السياسة مقارنة بالرجل حيث يبلغ المعدل العالمي لحضور المرأة في البرلمان 20.9% فقط. وفي البلدان التي تسود فيها الديمقراطية، يكون مكان المرأة في السياسة أكبر بكثير من مكانة المرأة في البلدان الأخرى. فعلى سبيل المثال، تحتل النساء ما يقرب من نصف مقاعد البرلمان في البلدان ذات الديمقراطية الراسخة، مثل الدول الاسكندنافية، في حين لا يمثلن سوى الربع فقط في الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية. وهذه النسبة تتقلص إلى الخمس في آسيا وتصل إلى العشر (أو أقل) في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تعتبر غير ديمقراطية.

ومن الأدلة البارزة على الإجحاف في حقها، لم تمنح المرأة حق التصويت إلا في القرن العشرين، ولم تصوت النساء في اليونان وسويسرا وموناكو والبرتغال للمرة الأولى إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، أما على الجانب الآخر من العالم، كان على النساء في السعودية وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة الانتظار حتى بداية القرن الحادي والعشرين للتصويت.

بالمقارنة مع العالم الغربي، يكتسي العالم الإسلامي بصورة قاتمة من حيث الحقوق السياسية للمرأة، وسبب هذا الوضع البائس تحيله بعض الدوائر للدين الإسلامي الذي يحملونه المسؤولية، وهي مغالطة لا شك فيها، فليس الإسلام هو الذي يمنع المرأة من ولوج مجال السياسة، وإدارة الدولة والحياة الاجتماعية، بل العقلية المتعصبة التي تعارض تمامًا القيم الأساسية للإسلام، هي العائق أمام ازدهار المرأة ورقيها. إن الأخلاق الدينية المتضمنة في القرآن الكريم ينبغي نشرها بين الناس لوضع حد لهذا التمييز الذي تعاني منه النساء في البلدان الإسلامية. لقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة عن مكانة المرأة التي تبوأت منصب رئيس الدولة، مثلما تظهره قصة ملكة سبأ، ومريم، أم عيسى عليهم السلام، يظهرها القرآن الكريم، نموذجًا يحتذى به ليس فقط للنساء، ولكن للبشرية جمعاء، وزوجة الرسول عليه الصلاة والسلام، خديجة، كانت امرأة ذات شخصية قوية، تدير أعمالها الخاصة وتتعامل مع المجتمع بشكل عام.

على الرغم من أن ما يبينه الله سبحانه عز وجل في القرآن الكريم واضح جدًا، فإن الضغوط الاجتماعية الممارسة ضد المرأة تتباين في جوانب كثيرة، ابتداء من التضييق في مجال ملابسها والاستهتار من عنايتها بنفسها وقرارها بالخروج من دون طلب إذن أحد في العديد من المجتمعات الإسلامية. يشكل هذا القمع الذي يمارس ضد المرأة سببًا رئيسيًا وراء نفور العالم الغربي من العالم الإسلامي وانتشار مشاعر الخوف من المسلمين، ومن نافلة القول أن هذا التحيز ضد المرأة هو الذي شكل أساس الرهاب من الإسلام أو الإسلاموفوبيا، والسبيل للقضاء على هذا التصور المشوه يمر عبر تمكين المرأة من حقها في التمتع بجميع الحريات، كما هو مبين في القرآن الكريم، ومنحها الأولوية في مجالات مثل الحياة التجارية والسياسة. إن وضع حد للتمييز ضد المرأة، ومنع العنف ضدها، والأهم من ذلك كله، إمداد المرأة بوسائل تعليمية أفضل، يعد ضرورة جد ملحة بالنسبة للبلدان الإسلامية للتخلص من وضعها الحالي.

تقع مسؤوليات مهمة أيضًا على عاتق المرأة، إذ يتعين عليها في المقام الأول، لدى مشاركتها في مجال السياسة، تكريس قيم الجودة واللباقة وسط هذه البيئات، وينبغي إعادة تشكيل الفضاء السياسي بفضل ما تتميز بها المرأة من خصائص راقية. ثمة اعتقاد خاطئ سائد حاليًا، مفاده أنه يتعين على المرأة التخلص من أنوثتها وتقمص صفات الذكور لكي تنجح في السياسة أو قطاع الأعمال، مثلما يشهد عليه رضوخ بعض السياسيين – وخاصة في العالم الغربي – لهذه الطريقة القاسية والتنافسية وفي كفاحهم لكسب التفوق، في حين أن الصواب هو التأكد من أن الأناقة والاهتمام والرحمة التي تتميز بها المرأة، تحقق التوازن في مجال السياسة.

بوسع العالم أجمع الاستفادة من أناقة المرأة، من مواهبها في الفنون والجماليات، وقدرتها على رؤية كل شيء في أدق تفاصيله وعزمها الذي لا يلين في أخلاقيات عملها، ولسنا بكل تأكيد، في حاجة إلى عالم يملي فيه الرجال على النساء ما يجب عليهن القيام به، ناهيك عن معاملتهن معاملة قريبة من معاملة الماشية. لم يعد خافيًا الوضع البائس الذي قادت إليه هيمنة الرجال وما جلبوه من ويلات على العالم بأسره. إن استعادة المرأة حريتها هو ما سيحفظ في نهاية المطاف السلام في العالم، ويحسن من الجودة في الحياة ويكفل بقاء الأمم والشعوب.

مشاركة