السيد حيدر الحلي- سيرته في إبداعه الشعري

753

السيد حيدر الحلي- سيرته في إبداعه الشعري

لكل حالة لبوسها وخصائصها

نجاح هادي كبة

وقفات على سيرته

هو أبو الحسين حيدر بن سلمان بن داود ينتهي نسبه إلى الإمام علي  ولد في الحلة الطاق العام 1827 وتوفي العام 1887م، ودفن في النجف الأشرف وهو من أسرة شعراء جلّهم قال محقق ديوانه الأستاذ علي الخاقاني :

امّا كونه ابن شاعر : فأبوه السيد سليمان الصغير ، شاعر مُجيد ، سجّلنا له شعراً كثيراً في كتابنا ، وهو من الشعر المقبول ، ساجل فيه فريقاً من شعراء عصره وأمّا كونه ابن أخي شاعر : فعمّه السيد مهدي السيد داود من أشهر مشاهير شعراء عصره ، وشيخ من شيوخ الأدب في عهده ، وديوانه المخطوط كافٍ لأن يُعرب عن مكانته السامية في صرح الأدب الرفيع .وأمّا كونه حفيد شاعر : فجدّه السيد سليمان الكبير من مؤسسي دولة الأدب في الحلّة ، وأمّا كونه والد شاعر : فابنه السيد حسين شاعر أديب ، ساجل الأدباء من أخدانه ، وأمّا كونه عمّ شاعر : فابن أخيه الشاعر المفلق السيد عبد المطلب الحليّ الذي شارك في بعث النهضة الأدبية ، وديوانه حافل بالقصائد الوطنية ومحاربة الاستعمار الانكليزي بصرامة وقوّة وعقيدةالخاقاني، 2008م، ص : 12.

نشأ يتيماً فكفله عمه السيد مهدي السيد داود على أرقى الأساليب التربوية لقب بناعية الطف لكثرة ما نظمه من شعر في رثاء الامام الحسين وله مؤلفات في الفقه الأصول.

وهذه بعض أبيات من قصيدة يرثي بها أهل البيت عليهم السلام أُلقيت على مسامع أمير الشعراء أحمد شوقي في القاهرة وعلّق عليها بقوله: هذا هو الشعر الذي يهزّ حقاً إذ جاء فيها :

عَثرَ الدهرُ ويرجو أن يُقالا

أيّ عذرٍ لكَ في عاصفةٍ

فتراجع وتنصّل ندماً

قتلت عُذرك إذ أنزلتَه

أ                  تَرِبت كفُّك من راجٍ محالا

نسفت مَن لكَ قد كانوا الجبالا

أو تخادع واطلبِ المكرَ احتيالا

بالذرى من هاشم تدعو نِزالا

عوض، 2005م، ص : 209

ولتفوق السيد حيدر ونبوغه أسباب وعوامل شحذت ذهنيته وأذاعت صيته

أهمها بيئته التي نبغ فيها وصراعه العنيف مع الشعراء والعلماء

ومراثيه لجده الحسين وتسجيله واقعة الطف فقد كان ينظم فيها بلهجة الأروع الموتور وللعامل الأخير الأثر فقد دفع بكثير من أعلام عصره ان يفضله على كثير من الشعراء الذين تقدموه والذين تأخروا عنه كالسيد الرضي ومهيار وكشاجم الخاقاني، 2008م، ص:16.

          والغالب على ديوانه الرثاء ثم المدح لاسيما لأسر معروفة كآل كبة وآل القزويني وله نسيب لطيف يتصدر العديد من قصائده.

          قال محمد مهدي البصير : ان فخره قليل، ولكن هذا الفخر ينقسم

قسمين يدل أحدهما على شقاء الرجل ونكد عيشه وقلة رزقه وكثرة

خصومه من جهة وعلى صلابة عوده وقوة جلده وقدرته على الكفاح والصراع من جهة أخرى البصير، 1990م، ص : 51.

وله مؤلفات :

  1. 1. ديوانه الدر اليتيم.
  2. 2. العقد المفصل.
  3. 3. دمية القصر في شعراء العصر.
  4. 4. الأشجان في مراثي إنسان : جمع فيه مراثي صديقه العلامة

السيد ميرزا جعفر القزويني.

ولم تخلُ أشعاره من نزعة سياسية فهو يهاجم الوالي السردار عمر باشا في إحدى قصائده على نحو غير مباشر ويصفه برجس الضلالة، فقد جاء إلى الحلة ليطبق نظام التجنيد الإجباري الذي يشمل الشاعر نفسه، ويندر أن يرجع مجنّد أيام العثمانيين إلى أهله ووطنه ، ويصف الحكام في أبيات أخرى بالظالمين ويدعو إلى القضاء عليهم بعد أن تمادوا في طغيانهم.

ولابد من أن نرى الظالمين

بيوم به ليس تبقى ضباك

وإنا وإن ضرستنا الخطوب

أ                  بسيفك مقطوعة الدابر

على دارع الشرك والحاسر

لنعطيك جهد رضا العاذر

ويصفهم في بيت آخر بتيوس الضلال الخياط، 1987م، ص : 33-34.

قراءة في إبداعه الشعري :

قال علي الخاقاني : لعل التحدث عن شاعرية السيد حيدر في غنى عن البسط والتحليل بالنظر لما عرفه الأدباء وغيرهم، ولما سمعوه ووعوه من شعره الذي طرق الأسماع وخاصة في الرثاء، فلقد نال إعجاب الجميع وهيمن على مشاعرهم فامتلكها، ولقد كنت يوماً في مأتم فتليت قصيدته التي مطلعها:

تركت حشاك وسلوانها*** فخلِّي حشاي وأحزانها

برواية جميلة واضحة، فشاهدت جماعة الأدباء قد سادهم إصغاءٌ وتفكير وعند الفراغ سألت الذي عن يميني هل تستطيع أن تعلّل هذه الظاهرة في الوقت الذي غمر الناس الحزن في هذا اليوم عاشر المحرّم أجابني: وكيف تعجب وشعر السيد حيدر يأخذ بالأديب فيحلّق به إلى أجواء واسعة من الفن والخيال، كما يشغل التفكير بوصفه وحسن انسجامه وبليغ قوله ومليح نكته، وكيف تعجب والسيد حيدر أمير شعراء الرثاء الذين خلدوا مع واقعة الطف خلوداً لا يطرأ عليه التلاشي ولا النسيان. الخاقاني، 2008م، ص:14-15.          للسيد الحلي صور جميلة رسمتها مخيلته لاسيما الجمع بين المادي والمعنوي لأن النفوس تهفو للمحسوس، لاحظ قوله في مدح الرسول  :

ذو محيَّا فيه تستسقي السما

رقّ بشرا، وجهه حتى لقد

فعلى نور الهدى من وجهه

أ                  وبنان علّم الجود السماءا

كاد ان يقطر منه البشر ماءا

وجد الناس إلى الرشد اهتداءا

          فهو أولاً وظف المادي ذو محيَّا أي طلعة وجه الرسول البهية  وجعلها سبباً للاستسقاء وجعل لبنانه هذا الكيان المادي الروح فجعله يعلم السماء الجود لكرمه على طريقة المجاز المرسل لعلاقة الجزئية فحوّل المادي الجميل إلى مادي أجمل ثم رجع فحوّل المعنوي رق بشرا، وجهه إلى مادي حتى جعل البشر يقطر ماء على طريقة الاستعارة لكي يصل الشاعر إلى مرماه فنور الهدى من وجهه ? هذا الملمح المعنوي الذي يبعث على الخشوع وجد الناس من طريقه الرشد. لحيدر قدرة على مواءمة الألفاظ مع المعاني أو الشكل مع المضمون فهو حين يستعمل التقفية الداخلية أو التناظر بين الألفاظ لا يحس القارئ بفارق لفظي موسيقي بين لفظ وآخر بل تنساب الألفاظ مع المعاني، لاحظ قوله:

أي بشرى كست الدنيا بهاءا

طبّق الأرجاء منها أرجٌ

أ                  قم فهنِّي الأرض فيها والسماءا عطّرت نفحة ريَّاه الفضاءا

فلقد وظف الشاعر في مدح الرسول لأربع كلمات متناظرة وهي:

بهاءا والسماءا والأرجاء والفضاءا ومع هذا التكرار الصوتي إلاّ أن الشاعر ينساب شعره موسيقيا بين البيتين من دون مفارقة أو نبوة.

          لاحظ توظيفه لكلمة فخر ثلاث مرات من دون ان يشعر القارئ بالثقل: فكفى هاشم فخرا انها

فلها اليوم انتهى الفخر به

أ                  ولدته لمزاياها وعاءا

وله الفخر ابتداءا وانتهاءا

          زيادة على استعماله التقفية بين كلمتي ابتداءا وانتهاءا من دون ان يشعر القارئ بمفارقة أو نشز فالكلمتان متجانستان بالصوت وكان للشاعر الفضل في توظيفهما معا في سياق متصل.

          وقال راثياً الامام الحسين موظفاً الإسلوب السهل الممتنع :

أناعيَ قتلى الطف لازلت ناعيا

أعد ذكرَهُم كربلا، ان ذكْرَهُم

ودع مقلتي تحمرّ بعد إبيضاضها

وتعطي الدموع المستهلات حقها

أ                  تهيج علي طول الليالي البواكيا

طوى جزعاً طيّ السجل فؤاديا

بعدِّ رزايا تترك الدمع داميا

محاجر تبكي بالغوادي غواديا

          يرسم حيدر في هذه الأبيات حالته النفسية الحادة العاطفة فناعي الطف

لا يزال ينعى، ولكن متى؟ انه ينعى في الليل أي في الظلمة ليزيد البواكي بكاء ويهيج مشاعرهم على طوال الليالي بالبكاء والنواح، ويطلب الشاعر بحسرة أن يكرر الناعي ذكرهم أعد ذكرهم في كربلاء لأن ذكرهم طوى فؤاده كطيّ السجل، ولا يكتفي بذلك بل يطلب من الناعي ان يعدد الرزايا التي حدثت بالطف للامام الحسين? وصحبه حتى تحمرّ مقلته بعد إبيضاضها وليعطي الشاعر للمأساة حقها بالدموع من محاجر تبكي كالمطر.

          لقد استطاع حيدر في هذه الأبيات ان يعطي للإسلوب المباشر الشعري قوة الإسلوب الفني وان يزاوج بين التقريرية والفنية من دون أن يشعر القارئ بالمفارقة من طريق التشبيه.

          ففؤاده طوى كطيّ السجل ودموعه كالمطر إذ طلب من الناعي أن يعطي الدموع محاجر تبكي بالغوادي غواديا. قال البصير عن هذه الأبيات الأربعة : أجل…انه ليبكي شهداء الطف لأنه في حاجة إلى البكاء وينشج لما أصابهم لأنه في حالة إلى النشيج، ويتفجع لما حلّ لهم لأنه لولا ذلك لبحث عن شيء آخر في هذه الحياة يستمطر دموعه ويصعد أنفاسه الحارة البصير، 1990م، ص :  .54   السيد حيدر الحلي يعطي لكل حالة لبوسها فهو حين يرثي أو يمدح هو غير حيدر حين يتفاعل بأخوانياته مع مجايليه من الشعراء وسواهم، فهو يرق ويوظف أدوات الخمرة أو الغزل في هذا الميدان، لاحظ قوله مجيباً صديقه الشاعر عبدالباقي العمري على قصيدته القافية التي مدحه بها من أجل تخميسه للقافية النبوية :

باتت تروِّحني بنشرِ عبيرها

وجلت عليَّ مدامة َ بمفاصلي

ورأيتُ شُعلة خذٍّها في كأسها

وغدت تفاكهني عشيَّة أقبلت

فرَنت بناظرتي عقيلة ِ رَبربِ

ودنت إليَّ وأسفرت عن وجنة ٍ

وصفت لعيني في بدايعِ حسنِها

                   بيضاءُ تطوي النّيرينِ بنُورِها

منها وجدتُ فُتورَ عين مُديرِها

قد أوجستها مهجتي بضميرها

بفنونِ دلٍّ بتُّ طوعَ غُرورها

بَكرت تريعُ إلى نِطافِ غديرها

حسداً تموت الشمسُ عند سفورها

حورَ الجنانِ فخلتُها من حورها

          وكذلك حيدر في التهاني هو غير حيدر في المدح والرثاء والاخوانيات وكأنه شاعر آخر، قال مهنياً في عرس ولده السيد حسين العلاّمة السيد مرزا جعفر القزويني وقد طلب منه ذلك :

 يا طرب الصبِّ لإنسانةٍ

كم زادني العذل ولوُعا بها

يهزّها الدلّ فتختال عن

ترقص قلب الصبِّ مهما مشت

ذات الجعود السود معقوصةً

هل نثرت مسكا على كثبها

أم علقت في خدِّها جمرةٌ

أ                  لم تكن الحور بأبدالها

ما أولع النفس بقتّالها

معتدل القامة ميّالها

لكن على رنة خلخالها

تحكي الأفاعي عند إرسالها

إذا عبقت دلاً بأسبالها

فاحترق العنبر من خالها

          السؤال الذي يطرح نفسه إذن هل كان حيدر الحلي شاعر رثاء فقط كما قِيل.

          والجواب نعم انه شاعر رثاء ولكنه شاعر مدح ووصف وتهانٍ وإخوانيات أيضاً، فقد طرق حيدر الحلي أغراض الشعر المختلفة وأجاد فيها.

          ولا يخلو شعر حيدر الحلي من الأقوال الماثورة التي فلسف بها الحياة ورأى من طريقها كيف تبنى العلاقات الاجتماعية، قال :

فعش كما تهوى العلا مُمدّحاً

ولاؤك أنفع ما يذخر

أ                  لا خير في ميت العلا حي الجسد

وذكرك أضوع ما ينشر

وقال :

همام به لا قست أبناء عصره

                   ومن بالصقور الغلب قاس بغاثها  وقال :

أين ما طارت النفوس شعاعاً

                   فلطير الردى عليه وقوع

وقال :

غزال ولكن في الرُّصافة ناشئ

                   وهل تألف الغزلان إلاّ كثيبها  وقال :

عثر الدهر ويرجو أن يقالا

                   تربت كفك من راجٍ محالا

وقال :

كم أعارت محاسن الدهر قوما

                   ملأوا عيبة الزمان عيوبا

          إنّ كل بيت من الأبيات المذكورة أعلاه- تصلح ان يستشهد بها بوصفها قولاً مأثوراً صادراً عن تجربة شاعر حياتية ثرة. وتنم عن روح شاعر يحاول بناء الإنسان والإيمان بالحياة والموت فالنفوس واقعة تحت طير الردى ولا خير في المعالي مع موت الجسد والحقيقة حقيقة لا يمكن تزويرها فالصقور الغلب ليس فيها بُغاث والإنسان متعلق بالمكان فالغزلان لا تألف إلاّ كثيبها وحين يعثر الدهر فتلك هي الطامة الكبرى فالدهر خؤون ملأ محاسن قوماً لكنهم ملأوا عيبة الزمان عيوبا ، فالذي يرغب في كسب الثناء ألاّ يفقد رضا الآخر عليه،

قال :

فقل لمن يرغب عن كسب الثنا :

                   من فقد المدح ترى ماذا وجد؟  إشارة :

          لابد من الإشارة إلى أن السيد حيدر الحلي قد مدح شخصيات لها أثرها العلمي والاجتماعي في العراق ومدح الشخصيات لا تثريب عليه إذا كانت تمثل الوطن بعلمها وأدبها وخلقها وفضلها بل بالعكس مدح تلك الشخصيات ورثائها هو مدح للوطن لأن الوطن ليس أرضاً مجردة بل برجاله لاســــــــيما أن الشاعر قد مدح آل البيت بخـاصة الإمام الحسين ورثاه أفجع رثاه والحسين صاحب قضية إنسانية جاء للإصلاح في أمة جده.

          كما رثى ومدح وهنّأ شخصيات اجتماعية أخرى كأفراد من أُسرة آل كبة البغدادية وأفراد من أسرة القزويني ويتجلّى في تلك الشخصيات العلم والأدب والأخلاق لاسيما آل القزويني فهم أسرة علمية أدبية رعت الأدباء والشعراء والعلماء ولهم مجلسهم الأدبي في الحلة الفيحاء آنذاك ومعلوم ان السيد حيدر الحلي عاش في حياته رقيق الحال ولم يتكـــــــسب في شعره عن تخطيط مسبق من الذين مدحهم أو رثاهم. المصادر

– البصير، محمد مهدي 1990م نهضة العراق الأدبية، دار الرائد العربي، لبنان-بيروت، ط3.

– الحلي ، السيد حيدر الديوان 2008م تحقيق : علي الخاقاني، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان-بيروت، ط1.

– الخياط، جلال 1987م الشعر العراقي الحديث مرحلة وتطور، دار الرائد العربي، لبنان-بيروت، ط2.

– عوض، عبد الرضا 2005م شعراء الحلة السيفيّة، سلسلة تراث الحلة 2 ط2 الطباعة والنشر: دار الضياء ، النجف الأشرف.

مشاركة