الشرطة تطيح بحكومة السويدي بسبب خلافات مع جبر

549

إنقلاب علي خالد الحجازي

الشرطة تطيح بحكومة السويدي بسبب خلافات مع جبر

محي الدين محمد يونس

كتب الكثيرون عن ما يسمى بالمحاولة الانقلابية لمدير الشرطة العام (علي خالد الحجازي) ليلة 11-12 شباط 1950 وكنت أحدهم إلا أنني عقدت العزم على أن أكتب عنها مرة أخرى وأجعلها ( أم الكتابات) في هذا الشأن من خلال تناول كافة جوانب هذه المحاولة بالتفصيل والتحليل والتوثيق الشفاف .

علي خالد الحجازي

هي في الحقيقة لم تكن محاولة انقلابية حقيقية بقدر ما هي صراع وخصومة وتصفية حسابات شخصية بين وزير الداخلية ( صالح جبر) ومدير الشرطة العام (علي خالد الحجازي) اللذين كانا في حالة تنافر وتباغض شديدين بدليل أن المعلن من أهداف المحاولة حسب أقوال وتصرفات القائم بها في تلك الليلة ومن سياق اتصالاته برئيس الوزراء (توفيق السويدي) والوصي (عبد الإله ) هو رفضه استيزار (صالح جبر) لحقيبة وزارة الداخلية لا غير دون أن يقصد المساس أو استهداف البيت الهاشمي ورموزه أصحاب عرش العراق والذي كان الرجل مدار بحثنا من المحسوبين عليه ومن دونه لم يكن يساوي شيئاً، كما لم يكن تصرفه العدائي بالتأكيد موجهاً إلى رئيس الوزراء ( توفيق السويدي) أو باقي الوزراء في تشكيلته الوزارية .

لا أجانب الصواب إذا عزيت تصرف المذكور ومحاولته الانقلابية المزعومة إلى نزوة حركت مشاعر الغيض والحقد الدفين في نفسه بعد أن أصبح فاقداً لاتزانه من جراء إفراطه في شرب المسكرات في تلك الليلة وتحريضه من قبل الحاقدين على خصمه وزير الداخلية (صالح جبر).

استميح القراء عذراً في أنني تناولت تحليل أحداث هذه المحاولة قبل البدء بسرد مجرياتها كما هي العادة ولكنني وقبل ذلك أفضل الإشارة إلى طبيعة هذا الرجل وسيرته….

رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي توفيق السويدي

سيرته: ولد في مكة المكرمة ودخل الكلية الحربية في أسطنبول وتخرج منها ضابطاً وتفرغ لخدمة الشريف حسين فيها وكان مخلصاً وفياً له ولا بد أن أشير إلى أن البعض من السادة الكتاب الذين تناولوا هذه المحاولة في كتاباتهم حيث يذكر عدد منهم بأن المذكور من محافظة السليمانية ويضيف البعض من هؤلاء من أنه من مواليد المحافظة المذكورة ويزيد أخرون منهم من أنه من أصول كردية وعند الاطلاع على سيرة الشخصية العراقية (تحسين علي) الذي تقلد مناصب رفيعة في الحكومة العراقية ( متصرف ، وزير ، رئيس الديوان الملكي) من خلال مذكراته التي يذكر فيها بأن ( علي خالد الحجازي)

 قد لقب نفسه بالحجازي زوراً لأن لهجته لم تكن حجازية ولا هي لهجة سورية أو لبنانية أو عراقية وهي أقرب إلى لهجات شمال أفريقية ، إلا أن جميع هؤلاء ونقصد بهم الذين ينكرون أصله الحجازي يقعون في تناقض واضح مع أنفسهم عندما يدخلون في التفاصيل اللاحقة لسيرة هذا الرجل وعلاقاته بـ (الشريف حسين والملك فيصل الأول) في مكة وقدومه معه إلى العراق عند تنصيبه ملكاً ، كما ولا يفوتهم لاحقاً الحديث عن رعاية واهتمام (الوصي عبد الإله) به ومنحه قدراً كبيراً من الوجاهة والنفوذ من خلال المناصب الإدارية المهمة والحساسة في الدولة العراقية والتي شغلها لفترات طويلة متصرفاً في لوائي السليمانية والبصرة ومديراً لشرطة محافظة بغداد وأخيراً مديراً عاماً لشرطة العراق ويردون سبب اهتمام (الوصي عبد الإله) به لكون الاثنين من أصول حجازية ، كما أنهم يؤكدون هذه العلاقة وهذه الأصول حينما يتحدثون عن تدخل الوصي ومحاولته تخفيف الإجراءات القانونية عنه في مرحلتي التحقيق وإصدار الحكم بشكل تدريجي ، وتصدر ذلك إنقاذه من حكم الإعدام الملزم فرضه لمثل حالات الجرائم من هذا النوع والاكتفاء بالحكم عليه بالسجن المؤبد

ومن ثم إلغاء هذا الحكم وإصدار حكم جديد بحقه يقضي بسجنه ثلاث سنوات ولم يقضي منها سوى ثمانية أشهر وكان خلالها في غاية الترفيه والتكريم والرعاية بسبب التوصيات المستمرة للوصي(عبد الإله) عندما كان يقضي فترة الحكم في السجن المركزي في باب المعظم حيث أعدت له غرفة مجهزة بكافة الاحتياجات بالإضافة إلى مناضد وكراسي لزائريه الذي كان يعج بهم المكان يومياً وفي كل الأوقات وهم محملين بمختلف أنواع الهدايا وأنواع الأطعمة والشراب من الأنواع التي كان المحكوم بالسجن (علي خالد الحجازي) يفضلها ولا يمكنه الاستغناء عن شربها ليلياً وهم يعقدون مجالس السمر واللهو والمزاح على سطح السجن بسبب حرارة الجو ويتخلل ذلك عبارات الاستهزاء والمساس بشخص وزير الداخلية (صالح جبر) وأصوات ضحكهم يشق عنان السماء ويسمع من مسافات بعيدة في سكون ليالي بغداد.

استمر المذكور في السجن لحين تشكيل (نوري السعيد) وزارته في 16 أيلول 1950 فعمل على إصدار إرادة ملكية في 30 تشرين الأول 1950 يقضي بإعفاء المذكور من ما تبقى من مدة محكوميته ليس محبة به وإنما بتوصية من الوصي ونكاية بشخص غريمه (صالح جبر).

خرج المذكور من السجن فور صدور القرار بزفة تشبه زفة الأعراس في بغداد من خلال التحضير لها مسبقاً ، حيث تجمع حشد كبير من أصدقائه ومحبيه وكان بينهم عدد من الوزراء السابقين بالإضافة إلى الكثير من الأشخاص المنافقين والوصوليين مستصحبين إياه إلى داره وهم يستقلون السيارات التي شكلت رتلاً طويلاً ويرددون الأهازيج والأغاني والهتافات يصحبها صوت الموسيقى الشعبية وإطلاق العيارات النارية ابتهاجاً بهذه المناسبة كعادة العراقيين في هكذا مناسبات وخاصة عندما يكون المعني بها شخصية ذات نفوذ .

عندما يأتي الدور للحديث عن طبيعة شخصية (علي خالد الحجازي) ومن خلال إطلاعي بإمعان على جميع ما كتب عنه فإنني لم أوفق وفشلت في العثور على أي مؤشرات إيجابية في صفاته وسماته الشخصية وبذلك تعذر علينا تطبيق القول المأثور : ((أذكروا محــاسن مـوتـاكـم)) واقتصرت المعلومات عنه من أنه كان شخصاً متعالياً مغروراً مستغلاً لنفوذه القوي من خلال مركزه الوظيفي وصلته بالقصر في إرهاب الناس وجعلهم يهابونه ويحذون بطشه وقسوته الشديدة والتفاف عدد كبير من المنافقين والانتهازيين حوله في سبيل الحصول على مكاسب مادية أو معنوية ، لقد كان بارعاً في استغلال نفوذ مركزه الوظيفي والوجاهي وإليه يعود (الـفـضـل) في نشر الفساد في مؤسسات الشرطة العراقية ونعت منتسبيه بالمرتشين              (أبـو الـواشـر) واستمرت لصيقة بهم لسنوات في ظل النظام الملكي والأنظمة اللاحقة ولحين تعميم هذه الظاهرة على مختلف مؤسسات ودوائر الدولة العراقية وتنامي ذلك بعد سقوط النظام الأخير وأصبح العراق يحتل الصدارة من بين دول العالم التي يعمها الفساد على اختلاف أنواعه.

موقعه مديراً لشرطة محافظة بغداد وطبيعته المجبولة على الحرام جعلته يوجب على جميع مراكز الشرطة أن تقدم إليه شهرياً حصيلة ما تضفر به من مال حرام من المواطنين المراجعين لهذه المراكز لقاء انجاز أعمالهم المعتادة أو غير الأصولية ، وكان بقاء الضابط في موقعه الوظيفي مرهوناً بما يقدمه من أموال وحسب أهمية كل مركز وثقله السكاني وموقعه الاقتصادي.

وسع المذكور من تجارته هذه عند نقله إلى منصب أعلى حيث أنيط به منصب مدير الشرطة العام في العراق وبذلك عمم جباية الأموال من كافة مراكز الشرطة في العراق.

بعد انتهائنا من سرد وتحليل وقائع هذه المحاولة وتناولنا لسيرة وطبيعة المتهم القائم بها حان وقت انتقالنا إلى فصول مجريات أحداثها:

بعد احتلال القوات البريطانية للعراق عام 1917 وضع العراق تحت الإدارة البريطانية والتي عملت على تأسيس جيش عراقي للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية مصالحها الإستراتيجية فيه وفعلاً أعلن عن تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني عام  1921وعين (جعفر العسكري) كأول وزير للدفاع ، وتبع ذلك تأسيس الشرطة العراقية في 9 كانون الثاني من عام 1922 وعين (نوري السعيد) كأول مدير عام للشرطة العراقية، لقد شهد العراق في العقد الثالث من القرن الماضي وقوع أول انقلاب عسكري فيه بقيادة الفريق الركن ( بكر صدقي العسكري) رئيس أركان الجيش العراق في عام 1937 و وكان هذا الانقلاب فاتحة زمن الانقلابات في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط حيث تكررت الانقلابات ومحاولاتها من قبل العسكريين باستثناء محاولة واحدة قام بها مدير الشرطة العام في العراق ( علي خالد الحجازي) عندما طرق سمعه قيام (توفيق السويدي) بالمشاورات لتشكيل الوزارة الجديدة وتردد اسم (صالح جبر) لتولي وزارة الداخلية ولما علم (الحجازي) بذلك صار يحاول بشتى الوسائل للحيلولة دون وصول خصمه التقليدي لهذه الوزارة بسبب كونه سيصبح وزيراً مباشراً على دائرته (مديرية الشرطة العامة) وكون العلاقة بين الطرفين تكتنفها البغضاء والكراهية على الدوام ، وكان ذلك ظاهراً من خلال أحاديث الطرفين أمام الآخرين.

توعد الوزير بطرد خصمه من الوظيفة وفور مباشرته الدوام وفي أول جلسة لمجلس الوزراء اقترح فصله من الوظيفة إلا أن اقتراحه هذا لم يلق تجاوباً من زملائه الوزراء بسبب نفوذه وصلته بالبلاط الملكي وتم الاكتفاء بنقله متصرفاً على لواء (محافظة السليمانية) ، هذه الأخبار التي وصلت مسامع (الحجازي) جعلته يشعر بالإحباط والغضب بعد إخفاقه في مجابهة خصمه اللدود وهو المحسوب على البلاط الملكي وصاحب أفضال عليها.

كان المذكور من بين المدعويين إلى دار (ناجي الخضيري) مساء السبت 11 شباط 1950 وقبل أن يتناول المدعوون الطعام في الساعة التاسعة انصرف بعد أن شرب حتى الثمالة ، ثم توجه بعد ذلك إلى ملهى ( سليكت) حيث كان ينتظره هناك الوزيرين السابقين ( حسام الدين جمعه) و ( جميل عبد الوهاب) واللذين لم يكونا أيضاً على وفاق مع (صالح جبر) وجعلاه يفرط في شرب المسكرات مع تحريضهما له ضد المذكور وتأييدهما لما كان ينوي القيام به في تلك الليلة ، وبعد أن أصبح فاقداً لوعيه ترك المكان متوجهاً إلى داره وارتدى ملابسه العسكرية الرسمية وحمل مسدسه.

صالح جبر

توجه مدير الشرطة العام (علي خالد الحجازي) في حوالي الساعة الثانية عشر ليلاً من يوم 11 شباط 1950 إلى معسكر قوة الشرطة السيارة في الصالحية لتنفيذ ما عزم القيام به من حركة تجبر الحكومة على الاستقالة.

وجه أوامره إلى ضابط الخفر باستدعاء جميع الضباط وإعلان حالة الإنذار القصوى وتهيئة جميع السرايا والآليات ثم قام بتوزيع الواجبات على الضباط الذين حضروا ، وأصدر أوامره إليهم باحتلال المواقع المهمة والحيوية في العاصمة بغداد (دار الإذاعة اللاسلكية، دوائر البريد ، المناطق الحيوية، غلق الجسور، القبض على الوزراء).

أدرك الضباط الحاضرون وخاصة الضابطين (شاكر نعمان) و( عبد اللطيف سالم) بعد أن تداولوا فيما بينهم إلى خطورة عمل المذكور وعواقبها الوخيمة عليهم سيما بعد ملاحظتهم غريب تصرفاته وفقدانه لاتزانه إلا أنهم تظاهروا أمامه بتنفيذ أوامره من خلال إصدار التوجيهات للقوات المتهيئة البدء بالخروج من المعسكر وتنفيذ الأوامر الموكلة إليهم على الفور في حين كانت الأوامر الصريحة لهم تقضي بالخروج من المعسكر والتوقف في الطرقات القريبة منها وحسب ما اتفقوا عليه أثناء المداولة إلا أن هذا لا يعني عدم قيام بعض قوات الشرطة في احتلال بعض المواقع المهمة في العاصمة بغداد ومنها (دائرة البريد المركزي) والتي كانت تعتبر في ذلك الزمن من أهم المواقع.

في خضم الأحداث المتسارعة في تلك الليلة الناجمة عن ما أوحاه إليه عقل (الحجازي) غير المتزن بفعل إفراطه في شرب المسكرات من خيالات غير معقولة معتقداً بصوابها وضمان نجاحها في إجبار الحكومة الجديدة على الاستقالة وبالتالي استبعاد خصمه (صالح جبر) من استلام وزارة الداخلية متناسياً عواقب تصرفه الصبياني غير المدروس وما أحدثه من شرخ عميق في جدار العلاقة والثقة بينه وبين العائلة المالكة وفي مقدمتهم الوصي على عرش العراق (عبد الإله) بدليل استبعاده بعد هذا الحادث من شغل الوظائف الحكومية وإحالته على التقاعد وانقطاع أخبار نشاطاته المختلفة والتي كانت محور أحاديث الناس في المجتمع البغدادي، وكانت المحصلة الإيجابية الوحيدة التي حصل عليها الموما إليه من جراء قيامه بهذه المحاولة هو إدراج هذا الحدث ضمن أحداث التاريخ العراقي المعاصر.

نعود للحديث عن مجريات المحاولة بعد مشاهدتنا (للحجازي) وهو يحاول الاتصال مع رئيس الوزراء (توفيق السويدي) ونترك الأخير ليحدثنا عن ما دار في هذه المحادثة….

((في الساعة الثانية عشر ليلاً وكنت على وشك الدخول إلى الفراش، دق جرس التلفون وكان المتكلم السيد علي الحجازي وقد ظهر في كلامه المترنح أنه في حالة سكر فقال لي بصريح العبارة إذا لم تخرج صالح جبر من وزارة الداخلية غداً فإني أقوم بانقلاب ثم أقفل التلفون، وعلى هذا اتصلت فوراً بـ صالح جبر وقد كان نائماً فأيقظوه وقلت له ما سمعته من السيد علي الحجازي وطلبت منه أن يتخذ ما يلزم تجاه هذا التحدي، ثم اتصلت كذلك بــ شاكر الوادي وزير الدفاع فأخبرته بما جرى وطلبت منه أن يتخذ فوراً كل ما يلزم لإلقاء القبض على مدير الشرطة العام))

بعد هذه المخابرة الهاتفية وورود أخبار التحركات التي تقوم بها قوات الشرطة داخل العاصمة اتصل رئيس الوزراء ( توفيق السويدي) بالوصي (عبد الإله) وأخبره بتفاصيل ما يجري وما يقوم به (الحجازي) من نشاطات مخلة بالأمن.

جاء دور (الحجازي) ليتصل بالوصي (عبد الإله) في قصر الرحاب ويعلمه بعزمه لأن الحالة في البلاد لا تتحمل هذه الوزارة التي جاءت خلاف رغبات الشعب.

قال له الوصي … (( هل أخبرت رئيس الوزراء بما تنوي))

اجابه الحجازي: (( نعم))

فقال الوصي: (( طيب الصبح نجتمع هنا ونبحث هذا الموضوع ))وأغلق الهاتف

لم تشف هذه المكالمة غليل (الحجازي) فاستمر على اتصالاته بالمراكز التابعة له .

على أثر هذه التطورات الخطيرة قامت الحكومة بوضع الجيش بالإنذار وأصدرت الأوامر بنزول القطعات العسكرية داخل العاصمة بغداد.

أمر الوصي مرافقه الخاص العقيد (عبيد عبد الله المضايفي) وكان حجازي الأصل أسوة بالرجل موضوع مقالنا هذا بالذهاب إليه ومعالجة الموقف، والذي دخل على (الحجازي) والبشاشة تعلو وجهه قائلاً : (( شنوهاي يا باشا ما افتهمنه))

علي الحجازي: (( يا أخي حمضت … الناس ما تكَدر تتحمل هذا الوضع .. الوزارة نصها من جماعة صالح جبر))

مرافق الوصي: (( طيب يا باشا ليش ما تروح للقصر وتفهم سيدنا زين.. سيدنا ما يدري وهذول ما يوضحون الأوضاع زين … وقبل ما يصير شي أنت احفظ جانب سيدنا لجنبك حتى تقدر تفهمه زين))

رد علي الحجازي: (( امشي انروح عند سيدنا))

يخرجان سوية في الساعة الثالثة والربع من صباح يوم 12 شباط 1950 وعندما وصلا إلى اعتاب باب الدائرة قال (عبيد) : (( يا باشا تركب معي بالسيارة أحسن … لو أركب معك))

علي الحجازي: (( بكيفك))

عبيد : (( اركب معي أحسن وأرجع أوصلك))

ركب الاثنان سيارة ( عبيد عبد الله المضايفي) وحينما وصلوا قصر الرحاب كان الوصي ينتظرهم ، ودخلوا بهو القصر قبيل الساعة الرابعة صباحاً وقد لاحظ الوصي علياً مخموراً ودون أن يحتاط المذكور لوضعه قبل أن يمثل أمامه وهو بهذه الحالة .

قال الوصي: (شنوهاي يا علي))

أجاب علي: (( سيدنا الأوضاع رديئة والناس ما تحب هذه الوزارة … وما تحب صالح جبر ونصف الوزارة من جماعته هذا ما يصير ))

رد الوصي: (( أني اختاريت الوزارة وأشخاصها ))

أجاب الحجازي: (( سيدنا نصفهم من جماعة صالح جبر والناس ما ترتاح الهم ولا على هاي التشكيلة الوزارية))

رد الوصي وهو ينظر إليه غاضباً: ((أني أعرف أشلون أعالج الموقف … هذا مو شغلك … ثم انت مدير شرطة عام ومهمتك الرسمية المحافظة على الأمن والنظام في البلاد  وأني ائتمنتك على هل المنصب واذا عندك شي تخبر رئيسك ثم تخبرني لا بهذا الأسلوب … تحرك من نفسك قوة سيارة وحسب رغبتك تعلن العصيان على الحكومة . هو هذا اللي انتظرنا منك ؟ ))

أجاب الحجازي: (( لا سيدنا أنا ما أعلنت العصيان ))

التفت الوصي حانقاً ونظر إلى أحد المرافقين والذي فهم الأمر وتقدم في الحال إلى اللواء (علي خالد الحجازي) حياه أولا ثم قال له … ((تفضل سيدي معي )) وأخذه حيث حجز في أحد غرف الحرس الملكي لغايةصباح ذلك اليوم وبدء الدوام الرسمي.

في صباح يوم 12 شباط بثت الإذاعة العراقية بياناً أعلنت فيه.

(( على أثر قرار مجلس الوزراء المتخذ مساء أمس بنقل مدير الشرطة العام السيد علي خالد من منصبه إلى منصب متصرف لواء السليمانية، شرع الموما إليه متأثراً بهذا القرار باستعمال القوة للإخلال بالأمن والنظام ، ونظراً للتدابير التي اتخذتها الحكومة من جهة ولأن عمله هذا لم يلق تأييد قواته ، فقد أحبطت حركته فوراً وألقى القبض عليه تمهيداً لسوقه للمحاكم.))

قررت وزارة الداخلية إحالة (علي خالد الحجازي) إلى محكمة الجزاء الكبرى وفق المادتين (80 و 81) من قانون العقوبات حيث صدر الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في 9 نيسان 19950 ومما يجدر ذكره هو حضور جمع غفير من الأشخاص في ساحة المحكمة عند إجراء محاكمته وكانوا متحاملين عليه وينددون بتصرفاته ويطلبون من المحكمة تشديد العقوبة بحقه ويوصفونه بمختلف النعوت السيئة وكانت الغالبية منهم من منتسبي جهاز الشرطة.

استؤنف القرار والتمييز وأعيد ثانية إلى المحكمة والتي حكمت عليه في 17 حزيران 1950 بالسجن لمدة ثلاث سنوات ، وعندما نوشك على نهاية سرد حكاية هذا الرجل الذي أضاع ما بناه في سنين في ساعات طيش وتهور ، لقد كرس جهوده ونشاطه الشخصي والوظيفي لخدمة البلاط الملكي في العراق وخاصة عندما شغل منصب مدير شرطة العاصمة بغداد ولاحقاً مديرا عاماً للشرطة في العراق ، لقد كانت له مواقف مشهودة في إخلاصه للوصي ونظام الحكم الملكي أثناء (حركة رشيد عالي الكيلاني)من خلال وقوفه ضد هذه الحركة وإفشالها بعد تدخل القوات البريطانية، استمر على نهجه مخلصاً للبلاط الملكي ومدافعاً عنه ضد الحركات المناهضة له وخاصة من تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي حيث كان له باع طويل في محاربتهم وقمع تظاهراتهم والتنكيل بهم بقسوة دون هوادة ، وحقق نجاحات ملموسة في هذا المجال من خلال نفوذه القوي في السلطة واستحواذه على معلومات واسعة عن تنظيمات وأسلوب عمل وأشخاص هذا التنظيم .

لقد أطلت على قرائي الأعزاء عن هذا الرجل ولكني ذكرت في مقدمة مقالتي بأنني سأجعله مقالاً شاملاً لكل المعلومات عنه وعن المحاولة التي قام بها وهذا لا يعني بأنني لن أكون بغاية السرور عندما يضيف القارئ العزيز أية معلومات أخرى لم يحالفني الحظ في سماعها أو الإطلاع عليها.

دعائي من الخالق العظيم أن يشمل المرحوم (علي خالد الحجازي) برحمته الواسعة

مشاركة