محمد رضا مبارك بمحطات الذاكرة

879

محمد رضا مبارك بمحطات الذاكرة

الشعر والإعلام.. مساران في إتجاه واحد

زيد الحلي

حين اردتُ استذكار بدايات معرفتي بالدكتور محمد رضا مبارك ، تاهت عليّ محطات تلك البداية ، لكن الأكيد ، المؤكد انها ، كانت في العام 1973 او ربما بعدها بعام … كان مبارك ، المولود في النجف العام 1953 زهو الشباب ، جميل المحيا ، انيق الملبس ، اظنه لم يكمل وقتها البكالوريوس .. يغذ السير في فك طلاسم العمل الاذاعي ، مساهما في اعداد برامج ثقافية ، قبل ان يصبح ركنا اساسيا في القسم الثقافي للإذاعة والتلفزيون ، ثم يتولى رئاسة القسم ، ويكمل البكالوريوس ، ثم يحصل  بعدها على الدبلوم العالي ويتوج مسيرته الدراسية بشهادة  الماجستير في الادب العربي في بداية تسعينيات القرن المنصرم .. شاءت الظروف ان نلتقي سوية في محطتين مهنيتين ، قبل ان يكمل مبارك الدكتوراه ، الاولى كزملاء في الاذاعة حينما كنتُ اعد نشرة اخبار الفترة الصباحية الى جانب برنامجي اليومي  ” شريط الصحافة ” في اذاعة صوت الجماهير في العام 1974 .. وهو في اذاعة بغداد .. كنا نلتقي مرارا كصديقين ، نتحاور في قضايا الاعلام والثقافة والصحافة .. والمحطة الثانية ، حين  جمعتنا مجلة ( الاذاعة والتلفزيون ) في فترة رئاسة تحريرها  الشاعر ، الكاتب زهير الدجيلي ، حيث دعا لفيف من الصحفيين الى المساهمة في تحريرها ، ورفدها بأفكار جديدة .. كنتُ ومحمد رضا مبارك ورياض شابا وسلام مسافر وغيرنا من الذين تم الاستعانة بهم في حلة المجلة الجديدة ، كنا نلتقي في مبناها الكائن  في منطقة الصالحية ببغداد ، وتحديدا في الشارع المحاذي للسفارة الايرانية .. كانت صحبة جميلة ، حيث روح الشباب تسود المكان ، والاندفاع سيد العنفوان ، لكن الامر لم يطل ، حيث تفرقنا.. واتذكر ان مبارك ، رأس القسم الثقافي للمجلة .. واظن انه تم اختياره بعد سنوات  لرئاسة تحرير المجلة حين تحول اسمها الى ( فنون)..  لقد ظلت علاقتنا قائمة ، يانعة  .. و قبل ثمانينيات القرن المنصرم ، كنتُ انشر له ما يكتب من نقود وآراء وقصائد في القسم الثقافي لملحق جريدة “الثورة” الاسبوعي الذي كنتُ اديره ، من خلال الزميلين الشاعر فيصل جاسم والناقد القاص حسب الله يحيى وفاروق يوسف الذين كانوا يعملون ضمن هيئة التحرير … وايضا نشرت له  منتصف الثمانينيات مواد ثقافية وقصائد في مجلة ” وعي العمال ” يوم رأست تحريرها .. كان عطاؤه الثقافي لاسيما الشعري ،  يتسع ويحظى بأعجاب القراء والمعنيين .. شعر كله جمال وغموض محبب يبعث النشوة في القلوب.. شلال يتدفق يجمع التفاعل الغريب المفاجئ بين عناصر الطبيعة وعناصر الإنسان وعناصر اللغة.. خلال تلك السنوات وقبلها ، اصدر مبارك ، ديوانه البكر “الغجري العاشق” سنة 1979 ، اتبعه ديوان” خطوات بلا جسد”  سنة1986.. والديوانان لقيا ترحيبا من قبل النقاد…ثم يصدر كتابا بعنوان (اللغة الشعرية في الخطاب النقدي) عن دار الشؤون الثقافية  سنة1993..وآخر بعنوان (استقبال النص عند العرب) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت  سنة 1999  وبعد ذلك يصدر( متاهة طائر النخيل) عن دار الشؤون الثقافية سنة 2005ويعقبه بكتاب (الشعر والاسطورة : استعارة الرد في نصوص خليل حاوي) عن الدار العربية للنشر في القاهرة سنة 2010

دراسة عليا

كان دأبه وطموحه ، ان يكمل دراسته العليا ، لاسيما بعد حصوله على الماجستير ، وفعلا تحقق له ذلك  حين نال شهادة الدكتوراه في النقد والبلاغة من كلية الآداب بجامعة بغداد 1994.. وبعد ذلك ، تسيح الدنيا بالصديق مبارك .. فيغترب طويلا … طويلا  قبل ان يحط رحاله في كلية الاعلام بجامعة بغداد  ، صحبة  زميلات وزملاء واساتذة كرام .. هنا ، تكون المحطة الثالثة في لقائي بالصديق مبارك ، حين اختارتني عمادة كلية الاعلام  مشكورة  سنة 2014 ضمن لجنة تحكيمية للمفاضلة بين نتاجات وصحف الكلية ، وكذلك للتهيئة لاحتفال قسم الصحافة لمرور 50 عاما على تأسيه ، وكانت برئاسة د. محمد رضا مبارك .. حينها عادت الذكريات .. وتكررت  اللقاءات .. والحنين دوما للشباب حتى لو كان ذاوياً !

متاهات وقصائد

ديوانه الشعري الجديد الذي صممه ونفذه الإعلامي ستار الشمري وصدر عن دار الجواهري   ، ضم 30 قصيدة ، وثلاث متاهات ، قسمها  الى 3 مسميات  ، الاولى ” متاهة القتل”  وضمت 15 قصيدة ، والمتاهة الثانية بعنوان ” متاهة السجن ” وضمت 17 قصيدة ، والثالثة باسم ” متاهة الغربة” وضمت 7 قصائد … هذا الديوان ،  كان ضيف مكتبتي خلال الاسبوعين الاخيرين .. وحين بدأت في تصفحه ، ومن ثم قراءة قصائده ، عادت بي الذاكرة مع الصديق مبارك الى اربعين سنة مضت كأنها الشهد ، ذكرتُ بعضها في السطور السابقة .. ففي مساء ممطر ، كان الرذاذ ، يعزف الحانه على زجاج مكتبتي ، قرأت بتمعن قصائد د. محمد رضا .. واحده تلو الاخرى ، الفارق بينهما فترة ارتشاف الشاي او القهوة  .. لم اجد صعوبة ، في معرفة ان  ديوان مبارك ، وبجميع قصائده اعتمد على اصطياد اللفظة الشاعرة ، واحسستُ انه في بعض قصائده كان يسبح في اللا مستقر ، حاملا كلمات لها معان في اللفظ مثل عطر يكمن في برعم .. وصور تلك القصائد ليست مجرد جمل موحية لكنها تتفرع لتشكل لوحات ملآى بالخطوط الجميلة والرعشات الأجمل ..والقارئ وحده الذي يقرر كيف يفسر أو يفهم المعاني في قصيدة مبارك ، و لا مبرر لأن يحاول الشاعر تفسير كل شيء ، فتتحول القصيدة إلى موعظة أو نصاً إرشادياً مملاً…  الشعر عنده  احترام لذكاء القراء وأذواقهم و يجب ترك مجال واسع لهم للتأويل.. والشعر كما يراه ، صناعة لغوية.. للتعبير عن ذواتنا.. عن إنسانيتنا.. وأحلامنا التائهة.. وإيحاءات.. إيماءات.. وتخيلات ترسم بالكلمات.. صور ومشاعر وتأملات.. ترافقها موسيقى عذبة داخلية تتخلل سيل الكلمات وانسيابها.. وحوار هادئ بين الشاعر وقصيدته.. فكل قصيدة هي مولود جميل يولد للتو.. ينتظر تعميده لينضم إلى جماهير الأعمال الفنية الجميلة..  وشعر مبارك دائما شعراً واقعياً ، يستمد مواضيعه من الحياة والمجتمع ألبشري ، ويعالج القضايا الإنسانية : الأخلاقية والعقائدية والاجتماعية ، ويناضل لتحسين الحياة وأوضاعها وللرقي بحياة ألبشرية ولم يكن قط شعر ترف ذهني ، ينشد ألفن ألمجرد .

لقد توصل  الشاعر مبارك في غير قصيدة من قصائد الديوان إلى تجريب إيقاعات جديدة ومتباينة ضمن النسق العروضي التقليدي، في “موسقة” داخلية للأبيات، وإن كان التجريب هذا لا يظهر في ترتيب أشطر الأبيات، إلا في قصيدتين او ثلاث ، لكن يُلفت الانتباه  إصرارُه على نهجه الشعري  ووظيفة الشاعر وموقفه من النقاد. وهذا  في رأيي كاف ليعطينا القناعة بأنه شاعر يعي ما يقول ، وما يريد .. نحن أمام شاعر يسعى إلى التميُّز والانفراد بإبداعه وفنّه يحمل في جعبته موهبة وثقافة واعتداداً بالنفس.، يقول كلمته الشعرية  بوضوح، ويُدلي برؤاه دون تردُّد.. وقد ثبت ذلك الرأي على غلاف ديوانه بقوله ( التجربة الشعرية ، شخصية بحتة وهي هوىً ذاتي وبوح داخلي .. فما شأن الاخرين به ؟ ولماذا تذيعه ؟ هل لإظهار براعة ما في الكتابة ؟ قد لا تستطيع الحصول عليها في ظل هذا العدد الكبير من الكتاب والشعراء ولاسيما في العراق ، الذين لم يتركوا رغبة لأي جاد في أن يحضر مهرجانا للشعر ، او ملتقى للألقاء الشعري … التزاحم على الالقاء ، يدفع الكثيرين الى الانكفاء ، فالتزاحم يمكن ان يكون على اي  شيء إلا .. الشعر. )

للتاريخ ..!

بعيدا عن ديوان الصديق مبارك ، قريبا من وهج الايام الماضيات ، انقل شيئا للتاريخ ، يخص د. محمد رضا .. شيئا ربما لا يعرفه احد ،  يعود الى العام 1979 … ففي ليلة 6 / 11 من ذلك  العام ، كنت خافرا كمدير لتحرير جريدة ” الثورة”  عندما اتصل احد الاخوة من دائرة التلفزيون ، في ساعة متأخرة من الليل ، قبل اغلاق الصفحات والمباشرة بطبع الجريدة ، مستفسرا، ان كان لدى الجريدة موضوع عن برنامج ( السينما والناس ) .. استأذنته للحظات حتى اطلع على الصفحة الاخيرة ، والصفحة الثقافية ، فوجدت مادة عن فلم اسمه  (( الرأس المدبب) وهو فلم كارتوني تم اختياره ليعرض في برنامج ( السينما والناس ) لمعده سامي محمد .. وفعلا كان الفلم يُعرض  في ذات الوقت الذي اتصل به الاخ من التلفزيون .. فأبلغته بما موجود ، فرجانا حذفه .. وتم الحذف ، ووضعنا بدله موضوعا فنيا آخر، وسط استغرابنا .. وفي الايام التالية ، عرفنا السبب ، وعلمنا ان المسؤول الثقافي للتلفزيون الذي كان البرنامج المذكور من ضمن اختصاصه ، قد تم إيداعه في سجن ” الفضيلية”  على خلفية سماحه بعرض الفلم .. كان هذا المسؤول : محمد رضا مبارك !

مشاركة