من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي 43

583

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي  43

حسن العلوي يلتقي الزبيدي ويكشف أسرار إحتلال فلسطين بواسطة أبو حنيج

طارق النجار

بغداد

المقدمة

لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبؤوه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها وترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.

أن ذاكرة الرجال الذين صنعوا تاريخهم عبر وقائع موثقة تقبع في رفوف المكاتب المكتضة بسير شخوص ومقامات لهم الأثر الكبير في مسار الامم .. لزمن مضى، تختزن كثيراً من المآسي، والآلام المبرحة والمآثر والبطولات معاً .. تركت بصماتها على أديم حياتهم العسكرية والمدنية والفكرية والسياسية، وبمواقف في مواقع عدة .. فهذا القائد العسكري أمير اللواء المتقاعد طاهر الزبيدي، نفر من بعض رجال يعتز بهم العراق من خلال مسيرة حافلة بالمواقف المشرفة والانتصارات في سوح الوغى، وابناً باراً لهذا البلد القابع على حافة الاحداث والنكبات، والذي يكتنز بالإباء والشموخ، قد نسيه الاعلام العراقي والعربي في مناسبات كثيرة، تحتفل بها الشعوب، ولم تذهب ذكراه سداً، ولم يذهب ارثه العسكري بدداً، ولم يشير هذا الاعلام المتكاسل، والخامل، والمصاب بالابلال من خرف السنين وكهولتها وشيخوختها، التي عجنته بفعل التآمر، والانحدار نحو هوة سحيقة من الاكتناز بالنسيان وفقدان ذاكرة الامة، ورجالاتها الافذاذ .. ونسي معركة فلسطين، وجنين مدينتها الخالدة، التي يحمل العقل العراقي حصراً معاركها في بطولات ومقاومة يذكرها التاريخ العربي وسفره الخالد كمدينة سجرت تنانيرها بنار حامية احرقت بلهيبها وجوه الصهاينة في 3، 4، 6  من حزيران عام 1948 مقارنة بمعركة الجيوش العربية في 5 حزيران من عام 1967، كذكرى لم يطوها النسيان، كنكسة لهذه الأمة، رغم أن المعركة واحدة مع العدو الاسرائيلي، يجتر الشعب العربي، وأعلامه في كل عام، كمصاب ترك جروحه في الجسد العربي ينزف .. ولم تشر هذه الى معارك الجيش العراقي وقائده اللواء طاهر الزبيدي ورجالاته الافذاذ والابطال، هذا البطل لا يعرفه الكثير من الناس، ولكن يعرفه بيغن، وبن غورين، ويعرفه المجاهدون من ابناء فلسطين، وضباط ومراتب الجيش العراقي، الذين قاتلوا في فلسطين ومعركتها الاولى وهذا الذي تريده ” اسرائيل ” ان لايعرف العرب شرفاءهم، وان يلف الاعلام العربي في طي النسيان نجوماً رجوماً للشياطين، ولم تكن ذات بال في أجندة الاعلام المحلي والعربي، ولم يشير اليها الا من في ظروف قتالية صعبة، استولدت في قلوب الصهاينة الوجلة، خوفاً من مصيرهم المحتوم، وارتعدت فرائصهم في مواجهات مع هذا القائد العراقي واخوته من قادة الافواج، وجنوده الملتحقة معه .. ليزداد عذابهم، فتثار في نفوسهم الضغينة والبغضاء المليئة بالكراهية والاحقاد الدفينة، وتشير نصوصهم التوراتية الى فكرة ضرورة ابادة الآخر، وتطهير دولتهم الاسرائيلية من الفلسطينيين .. ويروي هذا القائد هذا السفر في حديثه لمجلة الف باء بعددها الصادر  /  /558 وفي سنتها الثانية عشرة في ذكرى 5 حزيران 1979 ليدلو بدلوه للاستاذ المفكر حسن العلوي، رئيس تحرير المجلة المذكورة آنفاً . ولا غرو في الحديث عن حكايات مضت وولت ولا نملك غير أن نستقرأ نصوصها، والاشارة اليها بحقائق اساسية عايشها، واكتوى بنار بعضها كأشخاص او في مواقع تبؤها، وما تعرض اليه في جزء من تاريخه العسكري الشخصي العام، من اذى وضرر من قيادات عليا في مواقف سلبية، بل العكس جابه، هذا الضيق بصدر رحب في تعامله معهم بعد أن اشتدد الضر عليه وآثر رضا الله ورسوله، رحم الله هذا المجاهد واسكنه فسيح جناته، وان تعيش ذكراه في قلوب المؤمنين . على مدى جلستين لرئيس التحرير مع أمير اللواء الزبيدي، استمرت خمس ساعات .. كان خلالها يتحدث ووثيقته الذاكرة . فلا ورقة ولا قلم ولا كتاب . ويعطيك الاسماء والتواريخ والاحداث بالشكل الذي، ونمنا ثلاثين سنة ونحن نعيش بين صحف خاصة وعامة تنفق عليها الدولة والافراد، وبين اذاعة وتلفزيون في كل مراحلنا السياسية، ملكيين وجمهوريين . شعوبيين وقوميين .. وخونة ومخلصين .. لكن احداً لم يذكر احداً من رجالنا الذين مشوا بآلياتهم الفاً وبضع مئات من الاميال في ظروف صعبة، وخاضوا المعارك الاولى على جبهة امتدادها 160 كم، يرويها لاول مرة القائد العام للقوات العراقية في حرب فلسطين أمير اللواء طاهر الزبيدي، وقد كشف اللواء الزبيدي لاول مرة اسرار حرب فلسطين في الدقيقة الاولى التي تسلم فيها برقية رئاسة اركان الجيش موقعة بإمضاء مدير الحركات حسين مكي خماس بالتحرك خلال 48 ساعة الى فلسطين لمقاتلة الصهاينة بعد ان قرر الانكليز الانسحاب من فلسطين وتسليمها للاقلية اليهودية.

قطع النفط

كشف الزبيدي ان العراق قطع النفط عن حيفا خلافاً لما كنا ننشره وتنشره الصحافة العربية،واعلن تفاصيل قطع النفط بإشرافه الشخصي … ووصف تفاصيل معركة جنين التي ما زلنا نطلق اسمها على ساحات ومدارس العراق .. وكان الزبيدي بطلها .. يقول أمير اللواء طاهر الزبيدي :

كنت آمراً للقوة الآلية المتكونة من فوج مشاة الى  (حوالي 700 جندي وضابط) امره المرحوم المقدم الركن نوح عبد الله الجلبي، وكتيبة مدرعات خالد وآمرها المقدم الركن طارق سعيد فهمي وكتيبة مدفعية 25 رطلاً مداها بالحشوة الكبيرة 15 كم والتي ازعجت الصهاينة . وآمرها المقدم فرمان أمين، وسرية مخابرة وآمرها الرائد عبد الحميد العبوسي وسرية هندسة آمرها الرائد المهندس اسماعيل مصطفى، ومقر القوة الآلية المتكون من الآمر ومقدم اللواء الرائد الركن شاكر محمود شكري والنقيب مظفر التك وفائق الحاج سري الذي اشغل وظيفة ضابط ركن .

في يوم 25 نيسان عام 948 بعد انتهاء الدوام تبلغت بأمر انذاري صادر من ديوان رئاسة اركان الجيش ومن مديرية الحركات العسكرية وكان مدير الحركات حسين مكي خماس، تبلغت بوجوب التحرك الى فلسطين خلال 48 ساعة، وكان معسكرنا في جلولاء.

طلبت الخرائط والتموين اولاً

حضرت بغداد بسيارتي العسكرية وتوجهت الى وزارة الدفاع، واجهت مدير الحركات العسكرية، بعد المداولة رجوت تأمين احتياجات القوة الآلية في غضون هذين اليومين “48” ساعة .

لقد نفذ ما كان متيسراً من بعض مطاليبي واهمل ما كان غير متيسر واهم شيء في المطاليب الخرائط التي كانت القوة الآلية بأمس الحاجة لها لانها ستقاتل في ارض غير ارض بلادها، ولم تكن لنا خبرة عنها اطلاقاً، وهي اكثر من السلاح .

ولما وجهت طلبي لمدير الحركات لتزويدنا بالخرائط اللازمة والخاصة بالاراضي الاردنية والفلسطينية اجابني بالحرف الواحد ” احنا عدنا خرائط طاهر .. احنا نريد منك خرائط”!؟ وذهبت الى مدير الميرة والتموين وبعد مواجهتي له وكان اللواء الركن قاسم شكري، رجوته ان يزودنا بسيارات حمل اضافية لنقل اللحوم الحية وعلفها حيث ان مراحل السفر ستسغرق اربعة ايام . فاجأبني رحمه الله ” طاهر انتم قوة آلية خلي كل جندي يلزم راس خروف ” لقد خاب املي في هذه الناحية وسلمت امري الى الله وفي اليوم الثاني رجعت الى جلولاء، وهيأت القوة الآلية للحركة وفي يوم 27 نيسان الساعة الثانية بعد الظهر تحركت القوة الآلية من جلولاء الى بغداد . بأمر من رئاسة اركان الجيش عسكرنا في منطقة بغداد الجديدة، ووصلنا حوالي الخامسة مساء، وقد زارنا في معسكرنا رئيس الوزراء آنذاك السيد محمد الصدر ومعه لفيف من وزرائه ورئيس اركان الجيش واتذكر جيداً ان رئيس الوزراء بارك لمدافعنا بدعائه الخاص وقرأ آيات من القرآن الكريم.

تحرك القوة الآلية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل مخترقة شارع الرشيد وجسر الملك فيصل الثاني (الاحرار حاليا) في طريقها الى الاردن وبالرغم من كتمان الحركة وتنفيذها في ساعة متأخرة من الليل فوجئنا بالشعب يصطف على طرفي الشارع في ذلك الوقت المعتم وهو يهتف لجيشه الذي سيقاتل الصهاينة المغتصبين جنباً الى جنب مع جيوش العرب الاخرى .

وصلنا بعد ظهر يوم 29 الى ” اج ثري) وبتنا هناك وارتاح منتسبو القوة وفي الصباح الباكر تحركت القوة الآلية الى (اج فور) ووصلناها في الساعة الرابعة بعد الظهر .

يوم 30 نيسان تحركنا من معسكرنا ووصلنا الى المفرق في الاردن وكان مخصصاً لتعسكرنا، رغم انه (عمبار الهواء والتراب) وكما نسمي ام الطبول، في بغداد بهذا الاسم ايضاً..

المهم انني قدمت اعتراضاً للملك عبد الله بصفته القائد العام للجيوش العربية، لان المكان غير ملائم، وكانت هذه نقطة خلافنا.

قصة وقف ضخ النفط عن حيفا

الحقيقة اقوى من الافتراءات، وما حدث لموضوع ضخ النفط العراقي الى حيفا وما قيل عنه ضد العراق، ومن دوافع حرصي على بلدي وشعبي اتصلت وانه متقاعد بتلميذي في الدورة الاولى في الكلية العسكرية رفيق عارف رئيس اركان الجيش وطلبت منه ان ترد وزارة الدفاع على الافتراءات التي قيلت ضد العراق لانها وحدها تعلم بالامر، ففي عام الحرب الاولى، كنت مسؤولاً على وقف ضخ النفط العراقي الى حيفا ومنه الى  الصهاينة سنة 1948، وقصة القطع كانت كما يلي:

اقترحت على وزارة الدفاع قطع النفط ورفع 150 متراً من انبوب النفط الذي يصل الى حيفا، وحينما حددت منطقة رفع الانبوب في الاردن، فقد اتصلت وزارة الدفاع العراقية بوزارة النفط، ومن النفط الى الخارجية لان الانبوب خاضع لدولة الاخرى وبعد اكمال الموافقات طلب مني تنفيذ القطع وقد نفذ من قبل منتسبي السرية، وتم رفع 150 متراً من الانابيب في منطقة “اج5 ” وهكذا قطع ضخ النفط الى حيفا ومنه الى الصهاينة، ووضعت لحراسته ثمانية جنود وبقي القطع مستمراً حتى رحيل آخر جندي عراقي بعد الهدنة، وتم تسليمه الى الاردن ولا نعلم بعد عودتنا عام 1948،هل ضخ النفط مرة اخرى ام لا؟.

* كثر الحديث عن الاسلحة المصرية الفاسدة التي استخدمت في حرب فلسطين عام 1948 ارد على ذلك بمسؤوليتي وانا ” مشكول الذمة” فالاسلحة لم تكن فاسدة ولكن التدريب كان فاسداً ولم تكن هناك خبرة في استخدام السلاح، وكانت هناك خيانة، الملك فاروق الذي اطاح به ثوار يوليو بسبب فلسطين.

في البداية، اذ قلت اننا جيش واحد ونخوض معركة واحدة ونحن ضيوفكم، وكانت بجانبنا ثكنات قديمة لقطعات من الجيش الاردني كان يقودها “الكرنك لاشي” راجعت لاجل اخذ هذا المعسكر الخالي، لاننا سنتوجه الى الحرب، ورفض طلبي، وعدت الى المكان المخصص، ونظمت المعسكر.

في الاول من مايس استصحبت معي كلا من الرائد الركن عبد الكريم محيي الدين آمر نقليات الآلية والملازم الثاني علي جميل الراوي المنسوب الى سرية الهندسة الآلية وذهبت لزيارة الملك عبد الله بصفتي قائد جيش وتباحثنا في موضوع الحرب. فأخذني من يدي الى غرفة مجاورة لغرفة جلوسه وكانت هذه الغرفة تحتوي على خرائط كثيرة لفلسطين معلقة على حيطانها، فأشار باصبعه الى اللد وقال هنا لدينا سرية من المشاة لحمايتها، واشار على “الرملة” وقال هنا لدينا فصيل لحمايتها..فقلت ان هاتين القوتين ضئيلتان، لم تصمد بوجه اي هجوم كان، فهل ترون انها كافية ؟ فقال نعم كافية .

وعدت ادراجي، حيث زارنا الملك عبد الله ومعه متصرف اربد بهجت طيارة وآخرون، وقلت له ان هؤلاء ممنوع دخولهم للمعسكر لاسباب أمنية.. فقال انهم اتوا معي فقلت له سيدي اهلاً وسهلاً، ودخل الملك والمتصرف الى المعسكر ومنعت الآخرين .

وفي يوم 4 مايس وصل الى معسكرنا اللواء الركن نوري الدين محمود بصفته قائداً للقوات العراقية، فأعددت خيمة له وخيمة لضباط ركنه، فسكن معسكرنا.

وفي يوم 13 مايس تنسب اللواء الركن محمود ليكون وكيلاً للقائد العام للجيوش العربية وهو الملك عبد الله، وتنسب في اليوم نفسه ان اكون قائداً للقوات العراقية ولم يعين آمراً للقوة الآلية خلفاً لي . لذلك كنت مضطراً ان اصدر الاوامر كقائد قوات عراقية في خيمة القائد واعود لخيمة آمر الآلية للتنفيذ .. وهكذا حتى تم تعيين العقيد الركن رفيق عارف آمراً للقوة الآلية وعين للعقيد الركن غازي محمد فاضل الداغستاني رئيس ركن للقيادة العراقية الذي كان يشغل مدير الاشغال العسكرية وقد تطوع للقتال.

مسؤلية الإحتلال

بهذه المناسبة لابد لي ان ابين للرأي العام موقف القيادة في الجيش الاردني . كان رئيس اركان الجيش الاردني كلوب باشا الملقب “بابي حنيج” وقد لقبه العرب بذلك لكبر ذقنه، وانني شخصياً اعتقد اعتقاداً جازماً ان “كلوب” ضلع بارز في تنفيذ مؤامرة احتلال فلسطين من قبل الصهاينة، ان لم اقل ان امر التنفيذ كان المسؤول عنه هو كلوب نفسه وعليه كان يصدر اوامره منذ بداية الحرب حتى نهايتها لصالح الصهاينة …

كانت الاوامر تقضي بان تبدأ الحرب بين العرب والصهاينة في الدقيقة الواحدة بعد منتصف ليلة 14/15 مايس . ذهبت قبل بدء وقت القتال يوم 14 مايس عصراً الى وكيل القائد العام ورجوته ان يغير جبهة قتال الجيش العراقي ويستبدلها بجبهة اخرى لان هذه المنطقة التي خصصت للجيش العراقي من قبل “كلوب” الذي كان يعرف مسبقاً قدرة الجيش العراقي القتالية بالنسبة للجيوش الاخرى فاراد حصره في هذه المنطقة التي  فيها جبال وقلاع ايدن الدفاعية التي بنيت اثناء الحرب العالمية الثانية لمواجهة الجيوش الالمانية اذا ما وصلت الى فلسطين.

مشاركة