عندما تسيطر الغرائز ويغيب العقل/ أبو أنمار الغالبي

105

يقول غوستاف لوبون عالم الاجتماع الفرنسي في كتابه روح الاجتماع ان الفرد بمجرد انضمامه الى الجماعة يهبط درجات عدة من سلم المدنية والتحضر ويصبح داخل الجماعة رجل ساذج منساق بالغريزة ويندفع بالفطرة الى الشدة والعنف والقسوة والقتل والتخريب  وتتجسد فيه حماسة وشجاعة الرجل الهمجي الذي يتأثر بسهولة بالألفاظ والصور التي لم تكن تؤثر فيه عندما كان خارج الجماعة  ويمارس أفعالاً كانت تتناقض مع طباعاً التي عرفت عنه . ويقول لوبون من بين رجال الثورة الفرنسية قضاة وعلماء وناس أفاضل تحولوا بعد اندماجهم مع الجماعة إلى أشخاص يجيدون القتل والفتك وسفك الدماء .  في الجماعة يُنحي الفرد العقل وتحل محله الغريزة وتصبح الجماعة اقدر على العمل منها على التفكير وتصبح اقدر على التدمير منها على الإصلاح والتعمير . ويصاب الفرد بالحماسة غير المنضبطة التي انتقلت له من زملائه في الجماعة سنة 1959 كنت طالباً في الثانوية وكان عندنا مدرس رياضيات مثالاً للطيبة والأخلاق وكان أنيقاً جدا وكنت اتخذه مثالاً يحتذى  ولكن صّعقت ولم اصدق عيني عندما شاهدته في مقدمة مظاهرة يهتف ويرقص في الشارع ويتصرف كأي إنسان ساذج تسيره الغريزة والهمجية  كيف تصرف هكذا ؟  في الثورة الفرنسية كان أعضاء المؤتمر الوطني رجال سليمي الطباع متحضري متنورين ولكن عندما اندمجوا بالجماعة لم يخجلوا من ارتكاب أبشع الأعمال الشنيعة المخجلة  إن البشر يتفاوتون بعقولهم ولكن يتشابهون في غرائزهم الفطرية .

وتكرر هذا سنة 2003 شاهدت الهجمة الهمجية على مؤسسات الدولة من مستشفيات ومدراس ودوائر مهمة كعقارات الدولة  ودائرة الأحوال المدنية والمتحف وأرشيف الدولة . وأخذت أفكر كيف يعمل هؤلاء بهذه الحماسة من اجل تدمير بلدهم وحضارتهم ماذا داخل هذه الجماجم .

وشاهدت المجازر في رواندا بين قبلتي التوتسي والهوتو وكيف امتلأت البحيرات بالجثث وشاهدت مشهداً لا يمحى من ذاكرتي ابدا  شاهدت شاباً من قبيلة التوتسي مصاباً يجلس عاجزاً في منتصف الشارع لا يستطيع السير جاءه شاب من قبيلة الهوتو وهو يحمل حجراً صلباً واخذ يدور حوله وهذا المسكين العاجز عن الحركة  ثم ضربه بالحجر بقوة وقتله بكل وحشية .وشاهدت المجازر التي ارتكبها البوذيون ضد المسلمين الروهينكا في دولة بورما وكيف احرقوا الجثث ومحوا مدناً من الوجود .

كل هؤلاء في العراق  وروندا  وبورما  ومجازر الصرب في يوغسلافية ضد المسلمين .كان الإنسان مندفعاً بروح وحشية تقوده الغرائز وقد غاب العقل وهو داخل الجماعة الغوغائية المنفلتة .

الشعوب تستفيد من أخطائها ونحن ارتكبنا أخطاء مدمرة بعد الاحتلال الأمريكي لبلادنا يجب ان نقف عندها ونخجل منها حتى  لا يعاد تكرارها  ولكن مع الأسف نشاهد بعض السياسيين وحتى رجال دين من الطوائف لا يزالون ينفخون فيها من اجل بقائها .

انا ادعوا لمثقفين والمتنورين والشباب من أبناء وطني إلى التفكير في العقل وليس الغريزة من أجل مصلحة العراق ونبذ ما تقوله هذه الأبواق المأجورة  وبالتأكيد هي تنفذ مصالح دول ومخابرات أجنبية لا تريد للعراق الخير وتتربص الشر بالأمة .

مشاركة