ايام ووقائع في العاصمة الهندية.. يهيئون المهد لطفل لا يعرفون يوم ميلاده (5)

31

ايام ووقائع في العاصمة الهندية.. يهيئون المهد لطفل لا يعرفون يوم ميلاده   (5)

الإستجابة بعد 11 يوماً من السباحة الصباحية ومعابد صغيرة وكبيرة وأخرى متوسطة

رزاق ابراهيم حسن

اتيح لي ان ازور العديد من المعابد الكبيرة والصغيرة والمتوسطة وهناك فروق بينها فالمعابد الصغيرة كما هي في الواقع عبارة عن غرف صغيرة وتقام في الاسواق وبعض الطرق المهمة ويمكن فيها تقديم الماء المجاني للعابرين واداء الصلاة وقوفا في مداخلها وتوظف لاستقبال التبرعات المادية وغير المادية وفي هذه المعابد الصغيرة تواجهك صور الالهة في الواجهة وعلى الجدران ويتم ايقاد الشموع وتمريرها على الحاضرين للنذور والتبرك كما يتم فيها اطلاق بعض الاناشيد والتراتيل الدينية والمتوسطة اكبر حجما من الصغيرة وفيها قاعات وغرف للادارة والحراس واداء الصلاة وقراءة الكتب المقدسة وغالبا ما تكون محاطة بباعة الورود والحلويات المخصصة للنذور وصور الالهة والقديسين وهي ايضا موظفة لاستقبال النذور ووسائل التبرك كما يتم فيها توزيع نوع من الحلويات والحبوب السكرية ولها اوقات لاداء طقوس الصلاة وعزف الموسيقى الدينية وهي غالبا ما تقام في الاسواق والاعياد ذات الاغلبية الهنوسية وبعضها يتالف من طابق واحد وبعضها يتالف من طابقين او كثر من ذلك وبعضها ذات ابنية مستقلة وبعضها تشكل جزءا من البنية وقد شهدت منطقة من نيودلهي (سالت) ان المعبد مدخل لابنية يشكل مدخلا ومخرجا للساكنين في هذه الابنية كما وجدنا معبدا يشكل جزءا من سوق كبير لبيع فخاريات رسمت عليها صور الالهة في اوضاع مختلفة وكانت تقام معابد صغيرة مؤقتة لاغراض معينة وفيما كنا نتجول في احد الاسواق التي يمر فيها جدول وكان يمر فيها عدد من الخنازير شاهدنا خيمة وضعت فيها عدد من الكراسي المعدة لجلوس اشخاص من طائفة السيخ وكانت الخيمة تبث من مسجل وضع داخلها اناشيد وتراتيل دينية وعندما سالنا عن الغرض من الخيمة وما تبث من اناشيد وتراتيل اجابوا بانهم يريدون تشجيع الناس على التبرع النقدي لبناء معابد جديدة ويبدو ان مثل هذا التقليد متبع لدى اغلب الطوائف الهندية وهم يهدفون من خلاله الى تعميق العلاقات بين الدين وعموم الناس وان تكون للمعابد علاقة دائمة معهم وان يكون لهم دورهم في بناء وادامة المعابد وخدمة المشرفين عليها.

المعابد الكبيرة

ويتعزز ذلك في المعابد الكبيرة اذ تجد التبرعات اكثر من وسيلة لتدفقها وهناك اماكن مفتوحة لالقاء التبرعات وهي جزء من قباب كبيرة وهناك اوان باحجام مختلفة ومغلقة باستثاء فتحاح للتبرع وهناك نذور وهي صيغة من صيغ التبرع كما يمكن تقديم التبرع للبارزين من رجال الدين والمشرفين على المعابد ولم تكن هذه الوسائل الكثيرة للتبرع عملا مظهريا وانما يتبرع معظم الحاضرين وهم باعداد وطوابير كثيرة وتزيدهم الصلاة والموسيقى والاناشيد الدينية حماسا واندفاعا للتبرع وهذا مالاحظناه في معبد كبير للسيخ وهم طائفة هندوسية معروفة لها ادوار في التاريخ الهندي اذ ينسب اليها مقتل غاندي وانديرا غاندي ويقال انه من الطوائف الهندية الثرية وهي تنفق بسخاء على معابدها وطقوس هذه المعابد ويبدو انها تتخذ من المعابد ساحة للمكاسب السياسية اذ وضعت على جدران الابنية القريبة من المعبد صور المرشحين لانتخابات البرلمان كما انها توظف المعابد لاسقاط الفروق الطبقية وقد زرنا المعبد مرتين مرة قصدناه بعد ان استفسرنا عن اهميته ومكانته ومرة طلبنا من السائق الهندي ان يدلنا على معبد مهم ويستحق الزيارة والتعرف والمشاهدة وقادنا الى معبد السيخ ومع اننا عرفنا باننا قد زرنا المعبد من قبل الا اننا فرحنا بزيارتنا له للمرة الثانية وبقينا فيه من الرابعة عصرا الى الساعة الحادية عشر وفي الزيارة الاولى استقبلنا احد المشرفين على المعبد حيث دعانا الى مقر عمله وادارته وتحدث معنا عن الدين الهندوسي بانه دين محبة وسلام وطلب استبدال ما نرتدي من قبعات باغطية اخرى للراس على ان تعود الينا بعد الانتهاء من الزيارة وقد وزع علينا كراسا باللغة الانكليزية عن المعبد وجرى الحديث عن افتقار اللغة العربية الى مصادر ومراجع عن المعبد وعن الدين الهندوسي من العرب وسالني هل يوجد معبد هندوسي في العراق؟ فاجبته بالنفي ولكني ذكرت له ان للهنود وجودا في العراق في البصرة وبغداد ابان الثلاثينات والاربعينات ولكني لست متاكدا من الطابع الهندوسي لهذا الوجود وبعد ذلك انشغل بالحديث مع مجموعة اوربية من الرجال والنساء وهي ترتدي كما هو الحال بالنسبة لنا اغطية للراس ذات لون برتقالي ولم نشهد اية اشتراطات او نصائح عند زيارة الاجانب للمعبد فهو مفتوح للجنسين وبامكان اي شخص حضور الطقوس الدينية والاسهام فيها على ان يمارس للسلوك نفســـه لطائفة السيخ في المعبـــــــــــد وقد ادخلنا الشخص نفسه مع المجموعة الاوربية الى قاعة كبيرة تنتشر فيها قدور كبيرة وافران من الحديد او النحاس حيث يعمل فيها مجموعة من الاشخاص بعضهم يعمل في صناعة الخبز وبعضهم يعمل في انضاج ما تضم القدور من حليب ومن مرق واوضح لنا الشــــــــــــخص وهو احد الاشخاص المشرفين على المعد بان هذا المطبخ يوفر وجبات طعام لزائري المعبد بدون مقابل وان الهدف منه ليس توفير الطعام لاعداد غفيرة من الناس فقط وانما يراد منه اسقاط الفروق الطبقية والاجتماعية بين الناس فهم يجلسون على سجادة واحدة وياكلون من طبق واحد وقد حضرنا في الزيارة الثانية طقوس لتناول الطعام وكان يتالف من مرق ورغيف ومزيج من الحليب والرز وكانت طوابير من الناس تتعاقب على هذه المائدة فخارج هذه القاعة التي يتم فيها توزيع الطعام تتحشد طوابير انتظارا لخروج الطابور الذي اخذ حصته من الطعام والحلول مكانه ويحاول المعنيون تنظيم دخول المنتظرين للقاعة لكنهم لم يوفقوا في ذلك اذ يقتحم المنتظرون قاعة الطعام بسرعة فور فتح باب الدخول لهم وللقاعة بابان للخروج واخرى للدخول وقد عرفنا ان جميع المكلفين باعداد وتوزيع الطعام من المتطوعين وهم غير ثابتين اذ يتغيرون باستمرار كما تتغير نوعية الطعام ايضا.

دخول المعبد

يتالف المعبد من مساحة كبيرة يحيطها سور من كل الجهات وداخل هذه المساحة توجد بناية ولها لون ابيض وهي القاعة المخصصة للصلاة واداء الطقوس وهي ذات لون ذهبي من الداخل وترتبط بهذه البناية الكثير من القاعات والمداخل والمخارج والحدائق والمرافق الادارية والحديثة، وضمن هذه المساحة توجد بحيرات مياه صافية يمكن من خلالها مشاهدة بعض الاسماك الصغيرة، ويتبرك الزائرون للمعبد بمياه البحيرة اذ يضعون ارجلهم واياديهم في مياهها ويقدمون النذور لها ويقال ان من سبح فيها سبحا مباركا يحصل على مراده فاذا كان مريضا كتب له الشفاء واذا كان مطلوبا من عدو فان هذا العدو لن يناله واذا اراد الحصول على ما يحتاجه من زواج ومن عمل يستجاب له.

منطقة مرتفعة

وقبل الدخول للمعبد وهو يقع في منطقة مرتفعة عن صحن المعبد وبحيرته فان الزائر مطالب ان يدخل قدميه حافيا في مياه جارية وصافية اذ ينبغي للزائر ان يدخل للمعبد حافيا وان يغسل بعد ذلك قدمه في مياه الساقية ويستقبلك اشخاص قبل دخول المعبد اشخاص يقدمون اليك الماء في اوان نظيفة ويقال ان هذا الماء يرجع الى بئر قد اطلقت مياهها فور بناء المعبد دون ان يتدخل احد في حفرها والوصول الى مياهها اي ان الالهة هي التي وضعت هذه البئر في هذا المعبد تمعن النظر في مصور الماء فتجد غرفة صغيرة تظل المياه ثابتة فيها بمستوى واحد مهما اخذ منها من مياه وقد قدمت للزائرين ونحن من ضمنهم هدايا من الاواني المملوءة بالماء وهو ماء عذب وصاف ولكنه اقرب للماء الحار منه الى الماء البارد وكان الطقس انذاك حارا في نيودلهي ولذلك كان الزائرون يحملون اواني ماء والى بيوتهم للاستفادة منها في الشراب وفي الشؤون الاخرى ويباع الماء في نيودلهي وهو في اغلب الاحيان يباع حارا او بحاجة للتبريد.

الزيارة الثانية

عندما دخلنا المعبد في الزيارة  الاولى وجدنا مجموعة من المرتلين ترافقهم الطبول والالات الموسيقية وهم ينشدون دون توقف فيما انتشر في القاعة عدد من الاشخاص بعضهم يميل للصمت والتامل وبعضهم يصغي الى الموسيقى والتراتيل الدينية ولم نواصل البقاء في المعبد فبعد طواف حول البحيرة فضلنا الخروج الى سوق قريب من المعبد وهو من الاوسواق الكبيرة ولكننا في الزيارة الثانية اتيح لنا ان نطلع على بعض الطقوس الدينية لطائفة السيخ فقد جاءت الزيارة مساء وكان المعبد مزدحما بالناس الذين انتشروا باعداد كبيرة في ساحته وبحيرته ومقامه وكانوا يواصلون الدخول الى ساحة المعبد من مختلف الاتجاهات مارين بالساقية بعد خلع احذيتهم وارتداء قبعات المعبد لمن يريد ذلك ولا يمكنني ان اصف ما حصل من طقوس وانها تتم باللغة الهندية ولكنني اكتفي بالاشارة اليها فقد مرت ساعات ومجموعة من رجال الدين تواصل الترتيل والعزف على الالات الموسيقية وكان الحاضرون من رواد المعبد يتعاملون مع الموسيقى والتراتيل بالتامل والصمت وكانهم يستلذون دوي الطبول وقرع الطاسات وانغام موسيقى مندمجة مع هذه الطبول والطاسات وكان الرواد لا يتحدثون مع بعضهم البعض مادامت التراتيل صادحة ومادامت الموسيقى تصاحبها وكان افراد الفرقة الموسيقية من رجال الدين حيث يقضي كل واحد ساعات كثيرة وهو يتلو التراتيل بصوت جميل وحماسي وهو يمارس العزف الموسيقي او قرع الطبول والطاسات وكان المشهد يركز على بعض الجمل والمفردات متحمسا لانشادها ومتوخيا تفاعل الحاضرين معها ولم يكن التفاعل صاخبا ومدويا وانما يكون جيدا وقويا عندما يركن للتامل والصمت وعندما يعمر نفسه بحالة من الانبهار المدهش الذي يعبر عن نفسه بمزيد من التامل والصمت.

وذلك لا ينطبق على جميع المعابد فقد وجدنا في معبد اخر ان منشد التراتيل يتوجه الى جمهور واقف متحرك ويسير معه نحو ثلاث منحوتات تصور الالهة ويزداد حماس الجمهور وتفاعله  مع المنشد كلما ارتفع الستار احدى المنحوتات ليتصاعد الحماس امام ثالث المنحوتات حيث يقف الجميع امام لوحة كبيرة رسمت فيها صور الالهة وغرست فيها زهور واوراد مختلفة يتصدرها الورد البرتقالي اضافة الى رسوم اخرى والى جانب هذه اللوحة يقف شخص يوزع نوعا من الحلويات المصنوعة من الطحين والسكر كما لوحظ ان هذا الشخص يخص بعض الواقفين بعلب كارتونية انيقة ويحرم الاخرين منها، وعندما استفسرنا عن ذلك كان الجواب: ان هؤلاء الاشخاص يقدمون هذه العلب فارغة او مليئة بما يرغبون تقديمه للالهة لتبيت ليلة او عدة ليال في المعبد ولتحصل على بركتها.

ممارسة طقس

وقد يمارس مثل هذا الطقس في معابد اخرى ولكننا وجدنا ان معبد السيخ يحظى بجموعة غفيرة من المتبرعين كما انه يمارس اداء طقوس دينية قد يكون متميزا بها لسعة مساحته ولان السيخ طائفة عريقة في الهند ولها ما يميزها في الملابس وطول القامة وعدم حلاقة اللحى واخفاءها بطريقة خاصة تحتاج الى تدريب لاتقانها و ممارستها.

واذا كانت بعض الطقوس تمارس في بعض المعابد بطريقة مباشرة وواضحة فان بعض الطقوس السيخية ذات ابعاد وجوانب رمزية فقد كان المعبد في زيارتنا الثانية  مزدحما بالزائرين وفجأة انبثقت من الجموع الغفيرة مجموعة من الاشخاص وهم يحيطون بثلاثة اشخاص كل واحد يحمل الة موسيقية معينة، من ضمنها الطبل حيث كانت المجموعة ترتل الاناشيد المنبعثة من الفرقة الموسيقية وقد سار الجميع نحو غرفة تقع في احد مداخل المعبد وفيها مهد انيق خال من اي طفل حيث وقفوا امام المهد بعضا من الوقت يتحركوا نحو البحيرة و يطوفون حولها وهم في ذروة من الحماس المتصاعد حيث يدخلون من الباب الذي يقع المهد في مدخلها ليقفوا بعضا من الوقت امام المعهد مرة ثانية.

وتفسيري لذلك انهم يؤمنون بولادة طفل يكون هو المنقذ للبشرية من الظلم والباطل والاضطهاد والاستبداد وانهم يطلبون من الالهة الاسراع بتحقيق هذه الولادة وانهم اعدوا المهد لولادته واحتضانه ومثل هذا التفسير ينسجم مع المعتقدات الهندوسية التي تقرن بين الالهة وبين الطفولة بين الطفل والقدرة على التغيير حيث ينبع الطفل من بيئة فقيرة معدمة لياتي بعد ذلك بالمعجزات اذ يمشي فوق الماء وتلوذ به الوحوش وتزدهر الارض بالاشجار المثمرة والزهور والورود الجميلة وتستقبله الناس بالاحترام والتقديس وتقام بامره المعابد وتحت ظله يتصالح المتخاصمون وينعمون بالمحبة والسلام ويلتقي الجميع دون ضغائن واحقاد وانهم اذ يقفون مرتين امام المهد يعبرون في الوقفة الاولة عن حزنهم لفراغ المهد من الطفل الموعود، ويؤكدون في الوقفة الثانية التي تاتي بعد الطواف حول البحيرة ان الاجواء مهيأة لولادة هذا الطفل وانهم جاهزون لاستقباله وتعميم رسالته وانقاذ الارض من شرور الاطماع والطغاة والمستبدين.

مشاركة