الملك والعاصفة

قال الراوي أن ملكا من الملوك كانت له مملكة واسعة مترامية الأطراف وفيرة الخيرات , وأن هذا الملك بسط العدل على رعيته وضرب على أيدي المرتشين والفاسدين .

شعرت الرعية بالارتياح وسارت الحياة هادئة مطمئنة , رضي الناس بما آلت اليه الأمور وقد توفر لهم كل ما يطمحون اليه , وأثنوا على الملك وأطالوا بالدعاء له .

ظلت المملكة ردحا من الزمن تنعم بالأمن والسعادة , غير أنه في يوم من الأيام همس أحد الحراس في اذن الملك قائلا :

– سيدي الملك .. لقد جاءت الأخبار من بعض الأقاليم أن هناك تمردا ضد جلالتكم .

تغيرت ملامح الملك قائلا :

– تمرد في مملكتي ..من ذا الذي يجرؤ ؟

حاول الملك أن يعالج الأمر بحكمته فاستدعى خاصته لاحتواء الأزمة فأشاروا اليه باتخاذ الحزم والشدة ضد المتمردين .

أرسل الملك حامية من جيشه للقضاء على التمرد فنجح في مهمته .

الا أنه بعد أيام بدأ الناس يتهامسون , قال قائل :

– لقد كشف الملك عن طويته فبدا شديد البطش .

وقال آخر :

– ان الملك ليس عادلا كما كنا نظن , ان الثروات تتكدس في خزائنه فلا يعطينا الا القليل .

وسأل سائل :

– أليست ثروة المملكة حقا مشاعا للجميع ؟

فقال واحد من الحاضرين :

– أجل .. ان الثروة للجميع فلماذا يستأثر بها الملك وحده ؟ ليس هذا عدلا .

قال الراوي :

وصل الى أسماع الملك ما يهمس به الناس , فاجتمع بخاصته وقال :

– انه البطر .. البطر وحده هو الذي يفعل مفعوله ليفسد عقول الناس , ان بطونهم قد شبعت وهذا الشبع سيكون وبالا عليهم .

قال احد أفراد الحاشية :

– أجل سيدي الملك ,واني أرى أن الجوع والشبع سيان في المعادلة .

ورد آخر :

– انه بداية عصيان , وأرى سيدي الملك أن تمسك النفقات ليذوقوا بؤس الجوع .

جلس الملك بعد ذلك مختليا الى نفسه وهو يفكر بايجاد حلول مناسبة يسكت بها أصوات المعارضة التي بدأت تتزايد ولعلها تكون الشرارة لحريق كبير يعصف بالمملكة فقال هامسا :

– لقد أردت الخير للرعية فهل أجازى بالعصيان ؟ لم أظلم أحدا يوما .. فما الذي حدث ؟ أيكون الترف عاملا للطيش والتهور والفساد ؟

اضطربت حياة الملك وغلبه الحزن حتى هجره النوم .

قالت له امرأته ذات ليلة :

– أرى أيها الملك أن تسكت هذه الأصوات بمزيد من المال .

الا أن الملك رد عليها غاضبا :

– وهل الا المال أفسدهم .

فقالت بهدوء مشفقة عليه :

– ارحم نفسك أيها الملك , لعل ما سمعت هو افتراء وكذب .

– لا فقد لمست آثار العصيان والتمرد بنفسي .

راح تذمر الرعية يزداد يوما بعد يوم , وتحول الهمس الى صرخات والى احتجاج معلن , فبدت المملكة كأنما تعصفها عاصفة مروعة لتهدد بالتالي حياة الملك .

ولم يعد الملك قادرا على مواجهة الأمور فركبه الغم , الا أن أحد خاصته أشار عليه باستدعاء كبير الحكماء , فلما مثل هذا بين يديه وتفهم ما يعانيه الملك والمملكة قال بعد تفكير عميق :

– العدل وحده لا يكفي سيدي الملك وأرى أن تكون القوة ملازمة له , فاضرب بيد من حديد كل من يرفع صوته , ان الحرية أحيانا تكون عدوة للانسان , وكذا يفعل الشبع . انك حكمت فعدلت وأجزلت العطاء , وكل هؤلاء الذين يتمردون أفسدهم الترف فلا تتهاون معهم , ابدأ من الغد بالعقاب الصارم لكل من تسول نفسه بايذاء المملكة .

أصغى الملك الى الحكيم بانتباه شديد فقال وقد علت وجهه ابتسامة بعد غياب :

– حسنا .. مشورتك تروق لي , ومنذ الغد سأنهج نهجا جديدا في سياسة المملكة .

ناجح صالح –  كركوك