الجد والسبط.. كتاب مبادئ نبي

182

الجد والسبط.. كتاب مبادئ نبي

محمد ياسين الهاشمي

العمارة

صدر كتاب جديد للمؤلف المحامي الدكتور عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري وهو الكتاب السادس من مؤلفاته . وقد وفق المؤلف في اختيار عنوان الكتاب . فالى القراء العرب والمسلمين اقدم هذا الكتاب وأنا واثق من انه سيجد من عنايتهم به وانكبابهم على قراءته وتفهمه اجمل شكر على مابذله من جهد وأحسن تشجيع على ما هو باذل من خدمة الدين ان شاء الله . ويقع في (800 ) صفحة من الحجم الكبير.

كان الاهداء عظيما ً كعظمة الصرخة التي يرتفع بها الانسان من تراب الارض الى نور السماء وقد انارنا الكاتب الجبوري في توطئته بهدف كتابتته عن الجد والسبط ،  النبي والامام .. الرسول الكريم والحسين الشهيد اللذين يعرفهما ويقدسهما التاريخ والانسانية واعتمد في ذلك على مصادر عديدة ورصينة من المفكرين والكتاب ،  المسلمين وغيرهم المعروفين بثراء معلوماتهم وعمق ثقافتهم ،  وسمعتهم التاريخية ،  الذين كتبوا بعمق ونزاهة واخلاص .

وعرض لنا المؤلف القدير الدكتور عبد الجبار في مقدمته ايجازا ُ عن السيرة الذاتية للرسول الكريم ولسبطه الامام الحسين .

قسم المؤلف الجبوري كتابه الى اربعة محاور مقسمة الى ابواب وفصول ومباحث . بعد قراءته اقدر ان اقول انه من الكتب التي انشئت لتبقى ابد الدهر خالدة لانها لاتصف الاشخاص التي تفنى وتزول وانما تصف النوع السامق الذي يبقى ويدوم .. وهو من الكتب التي وضعت للإنسانية مثالاً من الفضيلة تمس كل نفس الميل اليه .. فلقد وفق اديب ميسان الدكتور عبد الجبار عبد الوهاب الى تأليفه الكتاب الراقي في موضوعاته ومن مصادر عالية وعديدة . واتسمت كتاباته بجمال العرض وعمق التحليل ،  وبراعة الاستنتاج . واخرجه بأحسن صورة حية خلابة للبطولة والاقدام يتمنى ان يبلغ كل واحد ما تصوره من الكمال.

يحظى الكتاب بغلاف جميل وبديع قام بتصميمه الفنان القدير (صباح شغيت) . ان مؤلف الكتاب عبد الجبار الجبوري من الذين قرأوا التاريخ وتعلموا منه الكثير وها هو يسطر في كتابه الذي بين ايدينا اعظم ما في التاريخ وأقدسه . انه كاتب من طراز منفرد في الثقافة العربية والإسلامية والقانونية .. انه راق في كتاباته وصدرت له قبل هذا الكتاب خمسة كتب وهو يواصل رفد المكتبة بالإنتاج الرائع والنافع.

وحقيقة الامر لا استطيع ان اعطي لهذا الاديب والكاتب المرموق حقه في هذه السطور القليلة . انه يعد ثروة عراقية – ميسانية عربية كبيرة على مدى سنين عديدة في اللغة والتراث والتاريخ وهو من الكتاب االذين يكتبون بأفق يشمل حياة الناس في بلده والإنسانية في بلدان اخرى . ويبحث عن روح الشعب وليس هدفه الكسب المادي بل كسب العقول والاستحواذ على الارواح في الاتجاه الصحيح ،  ويطمح ان يكون عمله عالميا ً غير محدود ..

كما في مضامين كتابه التي تتناول اعظم قدوتين في الانسانية والحق والخير والسلام والحب والوئام والتضحية والعزيمة .

قدم في كتابه ثمارا ً طيبة نظيفة نقية يهفو اليها محبو قراءة التاريخ النزيه ،  وكأنه مزارع اجهد نفسه في الحرث والعزق فنثر وسكب اشهرا ً وساعات وأياما ً حتى ولج عالما ً مقدسا ً تفاعل معه معتمدا ً على رؤى موارة لصياغة مرتجاة لحياة جديدة حتى اصدر نتاجه هدية للقراء تمتع الذائقة وتعني الفكر وتخلد رجالا ً ورسم حياة الانسانية المعذبة .

حقا ًانه من الكتب التي تنزل في النفوس منزلة البذرة في التربة الخصبة بل هو اكثر من البذرة ،  لانه زيادة على نموها فيها قوة الخميرة اذ تبعث النمو في غيرها).

ولنبدأ عزيزي القارئ الكريم بقراءة مضامين الكتاب للمؤلف الدكتور عبد الجبار الجبوري الذي يضم اربعة محاور .

ففي المحور الاول الذي قارن في مدخل له بين رسالة محمد وثورة الحسين ،  فقال ان الرسالة المحمدية (عقائدية ايمانية ثورية تمثل جبهتين لا ثالث لهما ،  جبهة قائدها الرسول (ص) تعمل من اجل بناء الدولة النموذجية . (وجبهة  قادتها من قريش تسعى لبناء دولة الظلم..).

وفي ثورة الحسين جبهتان لاثالث لهما (جبهة قائدها الامام  الحسين الثائر المعاصر تعمل من اجل النور والعدل ..  وجبهة يقودها يزيد الذي يعمل من اجل الترف والظلم والباطل..).

وبدأ الكاتب اللبيب المحور الاول بعنوان محمد (ص)  الرسالة . الحقيقة المحمدية بمقولة للفيلسوف    (كونفوشيوس)  يقول فيها (ليست الحقيقة هي التي تجعل الانسان عظيما ً ولكن الانسان من يجعل الحقيقة عظيمة)

وبهذا فتح المؤلف الجبوري القدير الباب الكبير ليخرج منه الينا الشخصية الانسانية الذي جاء ليلخص دعوة الخير كلها ويعطيها في اطارها الديني تعبيرها النهائي .. ها هو رحمة الله للعالمين ينفض عن الانسان اخر اغلال التبعية والخضوع ويعلن في شمول واعي حقيقة التوحيد . وهكذا وبعد ميلاد المسيح (بقرابة خمسمئة وسبعين عاما ً) جاء في رحلة عظيمة الى الحياة واحد من اعظم ابنائها شأناً وأكثرهم برا ً واهداهم سبيلا.. حاول المؤلف الدكتور عبد الجبار وبجدارته البليغة ان يقربنا من محمد (ص) لنبصر الرؤى الصحيحة التي رأى بها مستقبل الانسان ومستقبل الحياة .

والان علينا ان نعرف ماذا كانت البيئة التي تنتظره عسى هذا ان يهدينا الى حاجة عصرنا له ولروح الخير الذي تعب في بثه وأذاعته .

كان العرب بمجيئه منتشرين في جزيرة مترامية  ، يزخر جنوبها بالفضاء الواسع ،  والصحراء العارية ،  وتقوم القبائل بالبحث الدائب عن لقمتها وفي حراسة عاداتها وعباداتها وتسير بهم الحياة بطيئة . ولكن هناك قرى كبيرة تتجمع فيها مراكز الحياة القبلية مثل مكة والمدينة والطائف وشمال الجزيرة وفي وسط مكة يقوم بناء متواضع لكنه مقدس المكانة .

وفي جنوب الجزيرة او شبه الجزيرة  يحكم الفرس الذين ناصروا ملوك حمير على الاحباش وفي الشمال حيث الحجاز يسيطر رؤساء العشائر . وبالرغم من بداوة هذا الشعب فأنه يمارس حياة ادبية رفيعة .

بدأ المؤلف المحامي الدكتور الجبوري بحثه عن العرب قبل الاسلام وما معنى العربي ،  واورد تفسيرات عديدة من السنة النبوية وغيرها من مفكرين كبار . فقيل من ولد في الاسلام فهو عربي ،  ومن تكلم في العربية فهو عربي ويرى المؤلف من خلال استنتاجاته (ان العربي من تكلم العربية وسكن الارض العربية …واعتبار اللغة العربية والعوامل الثقافية والروحية هي الاصل والاساس) ص 41 .

ويتطرق المؤلف الدكتور عبد الجبار الى العرب في الجاهلية والايدلوجية الجاهلية والحياة الجاهلية الجاهلية التي وصفها (من اهم المراحل التاريخية في حياة العرب قبل الاسلام والتي كانت امتدادا ً لحياة العرب في الاسلام) ص51.

ولأهمية الممالك في حركة الازدهار الاجتماعي والاقتصادي في الحياة الجاهلية ذكرنا بها الا وهي مملكة تدمر ومملكة الغسساسنة ومملكة المناذرة ومملكة كندة وحضرموت واليمن .

لقد اسهب صديقنا المؤلف الجبوري قليلا ً في هذ المحور الذي يبدأ من ص 33- 428 ولم يكن بد وقد جاءت مناسبتها في ان يسهب ويفيض ليعطي الصورة الكاملة الناصعة لهذه الشخصية الانسانية العالمية .. محمد الانساني الرؤى …. العالمي النهج .. ومن ثم لم يكن للعنصرية في حياته ولا في دعوته مكان . وانما هو رحمة مهداة للبشرية لإنهاض الانسان وازدهار الحياة .. ومن هذا المفصل ستمضي  مع الدكتور عبد الجبار الجبوري  في كتابه سائرين وراء ضياء باهر يقودنا نحو مايهمنا اليوم من رسالة محمد .

وضعنا المؤلف القدير في ان الرسول لم يجيئ بدعوة مجردة . بل بدعوة ذات موضوع حافل عظيم ،  دعوة رائدة شاهدة لانها جاءت من اجل الانسان .. فالانسانية هي الجنسية المشرفة التي يحملها محمد وهو فخور بها فيقول (انا بشر مثلكم)

لقد وزع الدكتور الجبوري هذا المحور الى اربعة ابواب ويتضمن كل باب مباحث وفصول يتحدث الكاتب عن العرب في الجزيرة العربية وقبيلته قريش خصوماتها وثروتها وعلاقة محمد بقريش.

ففي  ص79 – 166 رسم لنا الكاتب وبطريقة فذة على العلاقة وكيف تعامل الرسول مع قريش التي تؤمن بالتطور التاريخي الذي هو تطور انساني زاحف ،  لا راد لسيره ،  ماض بالحياة الى غايات جديدة دائما ً .. فكانت دعوة محمد حركة جديدة سائرة نحو المستقبل متجهة الى  الامام دوما ً .. بينما يريد خصومه التمسك بالماضي والمحافظة على العرف مراعاة لحقوقهم الموروثة ومكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية  ص 100 .

وتحدث الكاتب بسرده الدقيق للحوادث والموضوعات فأثبت لنا انه متمكن من اخراج مادته التي بدت مميزة ومثيرة وعلمية وموضوعية ففي ص 107 – 119 كتب الجبوري عن محمد (ص)  والدولة مستهلا ً بحثه بمقولة الرسول الكريم (الناس سواسية كأسنان المشط لافضل لاحد على احد الا بالتقوى ..)  ويبن لنا انسانية الدعوة المحمدية وابتعادها عن العنف والقوة وذهب بنا المؤلف الدكتور عبد الجبار عبد الوهاب الى دولة قريش وعوامل قيامها ومنزلة (هاشم) بين القبائل لشخصيته الاجتماعية ودوره في حسم النزاعات بين القبائل .. واشار الى احترام القبائل (لعبد المطلب) وافتقارها بعد موته الى الزعامة  ص 115 .

واستشهد المؤلف الجبوري بدراسات غربية تتعاطف مع الحضارة العربية ،  ثم عدد لنا عناصر المجتمع العربي وتناقضاته الاساسية بدءا ً بالتاريخ العربي قبل الاسلام كل ذلك يجدها القارئ الكريم على الصفحات 120 – 130 .

ودخل الكاتب الجليل في الحياة في جزيرة العرب قبل الاسلام والحياة الاجتماعية والشعائر الاجتماعية . ووضعنا المؤلف البارع على الحياة الثقافية وعن اهمية اللغة في الحياة الانسانية من شعر وخطابة وأدب ،  فكان اقبال العرب قبل الاسلام اثر كبير في الاسهام في عملية التوحيد وتهيئة الظروف المناسبة في انضاجها والتي انتهت بقيام الدولة القريشية في يثرب ص 167 – 173 .

وينهي المؤلف القدير محوره الاول بالمفاهيم الحياتية العامة ،  مبتدءا ً بمقولة المفكر (عبد الرزاق الجبران) الذي يقول فيها عن رسالة الرسول (ص) .

 (ليس الحضارة في رسالة الرسول صناعة المدن والجماعات والإمبراطوريات…إنما الحضارة في صناعة الأنسان…) وخصص لها خمسة مباحث وبدأ المؤلف بالمفاهيم الأقتصادية وتطور الحياة الاقتصادية في جزيرة العرب قبل الأسلام وعدد عدة عوامل ساهمت في نموها،  كحياد القريشيين في النزاعات الدائرة في جزيرة العرب خاصة بين الفرس والروم ،  اضافةً إلى كياسة القريشيين وبُعد نظرهم وحسهم السياسي العميق والزعامة القوية التي اعترفت بها القبائل العربية المختلفة.

كما إن اضمحلال الطريق الملاحي في البحر الأحمر في أواخر عهد الرومان ادى إلى ظهور طريق البر الحجازي(طريق رحلة الشتاء والصيف) بين اليمن والشام. وذكر لنا المؤلف مصادر الثروة ونمو الحياة الاقتصادية في جزيرة العرب ،  كل ذلك تمهيداً لنشوء دولة قريش وتأسيسها في يثرب على يد حفيد عبد المطلب (محمد بن عبد الله) ثم عدد المفاهيم الأخرى. كالجزائية ومنها (العاقلة والقسامة) ص181-182. والمفاهيم الحربية والسياسية والمعمارية والفنية كل ذلك يجده القاري  الكريم على الصفحات 182-192 .

واستكمالاً للدراسة الواسعة والباهرة للرسول(ص) ودعوتهِ العالمية ،  وبالسلاسة نفسها ووضوح الأفكار تابع الدكتور عبد الجبار محلقاً عالياً في رحاب تلك الدعوة ويغوص عميقاً في سموها وإنسانيتها وقد خصص لذلك محوراً خاصاً في الدولة النبوية . فلنقرأ عزيزي القارئ ماسطره براعة الكاتب الفذ في هذا المحور مبتدئين بالآية الكريمة(إنا انزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) من ص204-429

فلنذهب الى ما كتبه المؤلف الجبوري عن الإسلام كلمة القمها ثدي الكفر والشرك (ثدي الاستعمار والعداوة).

إن الإسلام دين الطقوس:دين العبادة:الصوم والصلاة والحَج فقط.ولا علاقة له بالاقتصاد ولا خبرة له بالثقافة والتمدن ولا بصيرة له بالطب والحكمة ولا إلمام له بالصناعة والزراعة ، ولا معرفة له بالنجوم والأفلاك، ولا ارتباط له بشيء من شؤون الحياة والنظام الأجتماعي، بينما ذكر الباحث والكاتب المتمكن في بداية بحثه عن (لماذا الأنبياء) ص245 إن انسانية النبي فوق نبوته وغايته الاساس تعليم الناس كيف يكونوا انسانيين وليس كيف يكونوا متدينين .

أنتبه المؤلف الماهر إلى ما يروجه الأعداء ضد الإسلام وأشار إلى حقيقة انتصار وانتشار الإسلام بسبب الجهد والجهاد والنضال والتجارب القاسية لإقناع العرب بأهمية الدعوة الجديدة وبين لنا إن العرب كانوا مؤهلين لاصطفاء الرسالة المحمدية للدفاع عنها.

وقد أورد المؤلف آيات عديدة في هذا المجال يجدها القارئ الكريم في صفحات الباب الأول وعندما نقرأ (أمة الإسلام) ص 220 نجد أن هذه الصفحات تؤكد على أن رسالة محمد(ص) جاءت ثورة على الواقع الفاسد بكل شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية فنرى إن الاسلام حدد صلاحية الحُكام ولم يمنحهم السلطة المطلقة والنفوذ الواسع ولقد جمع الإسلام الناس على صعيدٍ واحد من الحق والعدل حين خلقَ الفرص المتكافئة.

وأبان الدكتور المؤلف بأن الإسلام الحقيقي أكد على حقوق الأنسان ..وإن الانسان هو موضوع الرسالة واستشهد بآية تثبت على اهمية الانسان (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبينا أن يحملنها واشفقن منا وحملها الانسان) فالاسلام رسالة انسانية ..ومن هذه الرسالة (لاتخدعوا، لاتظلموا، لاتقتلوا، أحبوا، اصدقوا، اعينوا، دللوا الانسانية في وجودها..) هذا ماجاء في بداية دراسة الدكتور عبد الجبار عن هذا الموضوع.

مشاركة