الإجتثاث في التاريخ العراقي

10

الإجتثاث في التاريخ العراقي

إحتكار السلطة والإلغاء والعزل السياسي أدوات الإقصاء الجديدة

طلال سالم الحديثي

دمشق

هذا الكتاب الذي ألفه الأستاذ باقر ياسين كتاب فريد في بابه، وفرادته في كونه من أوسع الكتب التي تناولت هذا الموضوع الحساس، وفي حدود إطلاعي لم أجد كتاباً مطبوعاً تناول موضوع الإجتثات بالعمق والشمولية التي أتسم بها كتاب الأستاذ باقر ياسين.

ومبتدأ البحث الإشارة إلى الطبائع البشرية القائمة على سلوك التفرد والأستئثار وحب التملك والهيمنة والاستحواذ والرغبة في التحكم والسيطرة والتسلط والميل نحو تهميش الآخرين واجتثاثهم أو إلغائهم هي من أكثر البديهيات الكونية المعروفة والشائعة في تاريخ السلوك البشري، غير أن فهم هذه النزعات والطبائع وتشخيص أساليب السيطرة عليها أو الحد من آثارها المدمرة هي من أصعب الأمور والحلول والمعالجات المطلوبة.

لذلك ونتيجة لما تعرّض له المجتمع العراقي خلال تاريخه الطويل على يد الدكتاتوريات العقائدية وموجات الاجتثاث المتعاقبة من قسوة وشراسة واضطهادات عدوانية وبسبب التنفيذ القسري للبرامج الفئوية المتشددة القائمة على فرض الرأي الواحد والعزل السياسي والثقافي والإرهاب والاجتثاث الفكري والأمني المعتمد على التخويف والكراهية والتنكيل والقتل والعقوبات التعسفية اللامعقولة التي حولت العراق والعراقيين إلى حقل رخيص للتجارب المستهترة بأرواح الناس وحقوق البشر، نقول بسبب ذلك كله فإن الواجب قد أصبح يحتم على جميع المفكرين والمثقفين والسياسيين العراقيين أن يبحثوا باستقصاء واستفاضة كاملة في تاريخ وطبيعة هاتين الظاهرتين الدكتاتوريتين (الاجتثاث) و(التسلط العقائدي) في العراق وسبل إيقاف حضورهما المدمر داخل المجتمع العراقي، والمساهمة في رفع مستوى الوعي الجماعي عند العراقيين لمنع تكرار وعودة مثل هذه الممارسات الدكتاتورية الكارثية في البلاد .

ولعل هذا هو مادفع المؤلف الأستاذ باقر ياسين إلى أنجاز هذا الكتاب بـ(282) من القطع الكبير، واستعرض فيه وعلى نحو موثق وصادم أكثر الأحداث والوقائع المخزية المتعلقة بتاريخ هاتين الظاهرتين وما خلفتاه وراءهما من مصائب وويلات وخسائر بشرية وتخلف حضاري خلال تحكمهما بمصير أهل العراق عبر العصور المتعاقبة.

وقد عرض المؤلف في فصل الكتاب الأول للمفهوم السياسي والاجتماعي لنظرية الاجتثاث واعتمادها الأساسي على فرض الإرادة بالقوة القاهرة .وابتدأه بالمعنى اللغوي، فالاجتثاث في اللغة : الاقتلاع، وجث الشيء قلعه واجتثه : أقتلعه.

أما المعنى السياسي والاجتماعي فإننا نرى أن كلمة الاجتثاث تعني العزل والإبعاد والتصفية والتهميش وربما الإبادة لذلك فإن معنى كلمة الاجتثاث بهذه الدلالات السياسة إنما يوحي بالقسوة والصرامة والانتقام والتسلط.

وإذا أريد لثقافة الاجتثاث أن تكون نظرية اجتماعية أو سياسية سائدة ومنفذة فهي لابد وأن تكون ملازمة ومرافقة بالضرورة لنظرية التسلط العقائدي الفئوي التي يمكن ان، تُفرض على المجتمع في فترة من الفترات، ولعلها الشكل الأكثر بدائية وتخلفاً من أشكال النزوع الغريزي العدواني في السلوك البشري الذي يرتكز ويعتمد بالدرجة الأولى على الرغبة في الهيمنة والسيطرة والاستحواذ والتسلط والإنفراد وفرض الإرادة واستخدام وسائل القوة والإرغام.

وتناول المؤلف في فصل الكتاب الثاني عرض الصفات المشتركة لعمليات الاجتثاث وما توصل إليه في تشخيص المعالم المحددة لموجات الاجتثاث الجماعي في التاريخ العراقي والمظاهر التي يمكن أن تتكرر أو تعاد خلال التطبيق العملي وارتباط شعارات الاجتثاث بالزمان والمكان وعدم الثبات

أما الفصل الثالث فقد جاء تحت عنوان أثر الأساطير الإلهية في تكوين ثقافة الاجتثاث في سلوك الفرد العراقي . وهو فصل معزز بالأمثلة والشواهد المستوحاة من واقع الحياة العراقية المعاصرة وما فيها من بقايا الثقافات الأسطورية التي تدلل على حجم التأثير الخفي للأساطير الإلهية السومرية والبابلية في تكوين ثقافة الفرد العراقي المعاصر .

ويعد الفصل الرابع من الكتاب أطول وأهم الفصول لأنه يكشف بإستعراضٍ مثير مُعزز بالكثير من الشواهد النادرة أبرز وأهم حوادث الاجتثاث التي جرت في التاريخ العراقي منذ عمليات الاجتثاث المتبادل بين المدن العراقية في فجر التاريخ في الألف الثالث قبل الميلاد إلى أحداث الاجتثاث التصفوي الدموي في البلاط الساساني في المدائن عام 630 م قبل الفتح الإسلامي إلى عمليات اجتثاث الأنباط في البصرة إلى اجتثاث جيش المختار الثقفي وقتل ستة آلاف أسير عراقي في يوم واحد في الكوفة إلى اجتثاث موجات الزنادقة والبرامكة ومَن لايؤمنون بخلق القرآن واجتثاث الزط والزنج، وكذلك موجات الاجتثاث المتناوب ضد السنة والشيعة في الحروب المتبادلة بين الفرس والعثمانيين لأربعة قرون متواصلة .. واجتثاث المماليك في المذبحة الكبرى عام 1831 واجتثاث الآشوريين عام 1933م والاجتثاث العلمي المعلوماتي الذي نفذته مناهج التعليم الطائفي في العراق بعد خروج العثمانيين لتشويه وتعتيم أحداث التاريخ الإسلامي، وعمليات الاجتثاث والتسلط العقائدي الذي نفذته الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت في القرن العشرين وبالأخص أنظمة الانقلابات العسكرية التي كان آخرها عمليات الاجتثاث المرعبة التي نفذها نظام صدام حسين لأكثر من ثلاثة عقود . ولعل من أغرب التطورات في التاريخ العراقي الحديث وأكثرها إثارة للاهتمام هي أن تنشأ في العراق خلال قرن واحد هو القرن العشرون خمسة أنظمة سياسية ألتزمت تطبيق نظرية الاجتثاث والعزل السياسي على نحو مشدد ومقيت حتى أنها كانت كافية أن تشل حركة المجتمع العراقي وتوقف تطوره الاقتصادي والعلمي والاجتماعي والثقافي والفكري وتخرِّب ماتبقى فيه من قيم صحيحة متوارثة، وتمنع إنجاز أي تقدم كان يمكن أن يتحقق في البلاد على أي مستوى من المستويات، إضافة إلى ما خلفته من خسائر مادية وبشرية مُفجعة وأغرقته في صراعات دموية متصاعدة لا تتوقف .

وقد أستعرض المؤلف بشيْ من التفصيل تاريخ كل نظام اجتثاثي من تلك الأنظمة التسلطية وما تميز به من أحداث ووقائع ونشاطات ومآسٍ دموية شنيعة مع إبراز القاسم المشترك الذي ميّزها جميعاً وهو فرض الاجتثاث والعزل السياسي ذي الطبيعة العقائدية العدوانية.

وكان من المؤلم أن تنتهي تلك التضحيات والمعاناة المريرة التي عاشها شعب العراق خلال عقود القرن الماضي تحت رحمة الدكتاتوريات المتعاقبة وبالأخص دكتاتورية الحزب الواحد المتسلط بتلك الفجيعة المؤلمة التي واجهت وفاجأت الجميع في العراق ونقصد بذلك قرار الولايات المتحدة (غير المعلن) بتطبيق نظرية الفوضى الخلاقة في العراق وإقامة النظام السياسي البديل الذي يمثل ويلبي متطلبات وأخلاقيات وقوانين هذه النظرية الغربية المدمرة فكان لزاماً أن يفرد المؤلف فصلاً كاملاً هو الفصل الخامس تحت عنوان (الاجتثاث الأعظم) بحث فيه بالتفصيل التعريف بهذه النظرية والمفهوم العقائدي الذي تعتمده وتتبناه في التنفيذ والتطبيق وهذا الأمر أقتضى عرضاً شاملاً معززاً بالشواهد بين ما يعيشه ويراه العراقيون كل يوم من مظاهر مخيفة من الدمار والخراب والانقسام والصراع والفساد المنتشر في كل مكان وبين مقتضيات نظرية الفوضى الخلاقة التي تتطلب وتقتضي مثل هذا الخراب والانقسام والتفسخ.

كما أستعرض المؤلف الأستاذ ياسين باختصار مكثف الأضرار الجسيمة والخطيرة التي خلقتها الفوضى الخلاقة حتى الآن في الواقع العراقي.

وعلى العموم فإن العراق خلال التطبيق الجهنمي لنظرية الفوضى الخلاقة يتعرض الآن على نحو منهجي خطير إلى تدمير كامل يشمل البشر والقيم والتقاليد والأخلاق والتاريخ والتراث والثقافة والديانات والطوائف والاقتصاد والثروات والذاكرة الوطنية.

وأخيراً عرض المؤلف في بحث قصير مستقل ومختصر كيف أضرت نظرية الاجتثاث وأنظمتها التسلطية خلال التاريخ العراقي بالفرد العراقي وكيف ساهمت في تخريب سلوكه الاجتماعي العام .

أعتمد المؤلف في بحثه المنهجي هذا الذي أقدمه لقراء الزمان الغراء على مصادر ومراجع بلغت (32) مصدرا ومرجعا ً عزز بها المؤلف قراءته لهذا الموضوع المهم وانعكاساته على حياة الفرد العراقي، ولعل الفقرة التي قالها المؤلف في ختام دراسته هي مسك الختام إذ يقول : أما أخطر ما يمكن أن ينتج عن ذلك السلوك فهو التردي في الالتزام بالانتماء الوطني وطغيان مشاعر الالتزام بالانتماء الفئوي (الحزبي_ العشائري _الطائفي … الخ) .

لذلك فإن  هذا الشعب هو أحوج ما يكون اليوم إلى برنامج منهجي تثقيفي وتربوي يتولى إعادة بناء ثقافة الفرد العراقي وإعادة تشكيل وعيه الاجتماعي والسياسي ويحصنّه ضد جميع الإعتلالات النفسية والسلوكية التي يعاني منها في الظروف التاريخية الراهنة .

مشاركة