فقدان الهوية الحضارية

مسلسل دوّامة الدم

فقدان الهوية الحضارية

معذرة عزيزي القارئ هذا الاسم لا يعود لمسلسل ٍ درامي نتابعهُ من على شاشة التلفاز، بل هو مسلسلٌ واقعيٌ نعيشهُ الان بأحداثه الحقيقية الصادمة ، عشناهُ كلنا بمرارةٍ وشقاء ، وبكاء ورثاء ، أنه مسلسل الجحيم من قصة سياسة الأرض المحروقة ، وكواليس الخرائط المجزئة .. ورم كبير استوطن خاصرة بلادي وضرجها بالدم … مزق العناوين وسلمها لأياد دخيلة أشعلت حقول بلادي بالنار، وقودها الناس الفقراء الذين يسابقون صكوك الغفران التي تتطاير من تحت الأثواب الفضفاضة ، هي اللكنة ذاتها ، القناعة نفسها ، هي ذاك المنبع المقدس ، ذلك الشبق المعهود لقصصِ عشقٍ قديمٍ ، تلك المراهنات المحمومة لبيع الاوطان بأثمان بخسة ، تعلوها كلمات مغموسة بلباس القدسية والرهبنة .

هيبة محناة بالدم ، فلسفة خرقاء تتعكز على معزوفات مملة ، واوتار بالية ، تعزف نشيدها المرعب لتراتيل التحزب والتخندُق ، كلٌ حسب طائفته ، كلُّ حزب بما لديهم فرحون !!

هي مقدمةٌ محبوكةٌ تروج للمسلسل المذكور وأبطالهٌ الذين هم من جلدتنا ، ويتكلمون لغتنا ، داءٌ عضالٌ هجم واستفحل ، نسق وتوحش ، حطم لبنان فجعلها طوائف وجماعات ، لا يستطيع الانسان هناك ان يقول ” انا لبناني ” فقط !! يجب أن يوضح انتماءه هل هو سني أم شيعي أم مسيحي !! وفي سورية اصبح السؤال الأثير هو : هل انت علوي؟ هل انت مع النظام !! أم مع جبهة النصرة او الجيش الحر؟ اذا لم تكن مع هؤلاء فانت بالتأكيد مع ذلك الصنبور الدموي المسمى داعش !!

وما ادراك ما داعش .. الفاجعة الكبرى ، والقنبلة الديموغرافية المخيفة التي انفجرت فوق أراضينا لتحولها إلى خرائط من رماد تذروها رياح الديمقراطية والفدرلة !!

انت دائما في حرب مفتوحة ، حرب مصيرية ، حرب الطائفة والمذهب ، حروب انابة عن التاريخ ، حرب الجغرافية المُطَّلقة التي لن تهدأ مطلقا ، حرب ٌ تجرد فيها الموت المعلن من ردائه التقي المزركش ، الأجساد تتعرى ، الرؤوس تتطاير ، الصكوك تتمزق ، واقع ملغم بإشكاليات ومتناقضات ، وقنابل سياسية واجتماعية خُلطت بمفترقات التاريخ في دهاليزه المظلمة ، فأنجبت جبالاً من الحقد والتنكيل والإقصاء والإبادة للآخر.. دُّسَ لنا السم الطائفي في الكأس المقدسة ، أُقحمنا بعملية اغتصاب شرعية ، ونشطت منصات المنبر الخطابي لمن هب ودب من الأبواق المارقة ، وجموع الأرامل والفقراء تقاد إلى سجون ومجون التهجير بجزمة المليشيات ، وأُقنعنا بأنه يحمل توكيلاً من الله أو من الزعيم الروحي أو شيخ الطائفة او مفتي المذهب ، فأُقتطع من أرضِ الجنة ما شاء ليقدمها لنا كوصفة مجانية مقابل أسطورة الجهل الأعظم !

تلقفنا كل ذلك بلا مرجعية فكرية ، وبلا تمحيص دقيق ورؤية واضحة خشية منبعها ” المقدس ” التي لم تكن اصلا محبوكة في عرف اجتماعي واحد وضمنَ نسيجٍ وطني موحد .

لم نتخوف من الصدامات الفكرية أو الأيديولوجية التي قد تفضي لصراعٍ مسلحٍ وخطير يأكلُ الأخضرَ واليابس معاُ !! وتنامى هذا الورم الخطير وتمدد ، بعد أن حملنا على ظهورنا سلة الأكاذيب المذهبة بنقوش الخزعبلات والخرافات ، وشاهدنا ممالك الظلام تلتهم بنهم خمسة محافظات مهمة من جسد هذا الوطن … صدمة ما بعدها صدمة ، المسدس بدل المقدس ، والرصاصة قبل الحجة ، والبندقية قبل الكلمة ، ونتيجة لهذا وذاك وتكالب القوى العالمية ودفع بعض الاطراف من القوى المحلية ظهر ما يدعى داعش والذي هو جزء من ثيمة المسلسل الدموي ، الأوْلى أن يسمى “دولة الشر الاسود ” فهذا الاسم يبدو مقنعا أكثر حسب المشاهد التي رأيناها بدموعنا قبل اعيننا …دماء ، قطع رؤوس ، حرق جثث والتمثيل بها ، تفجيرات مخيفة ، قصف مدن ، احتلال قرى ، بعدما عشنا احداث المسلسل الدرامي من الحلقة الاولى ( حلقة الكبت والتشنج الطائفي ) الى حلقة تطاير الرؤوس في ممالك الدولة الداعشية دون أن نتم الحلقات المتبقية ، ولا ننسى المشهد الذي استيقظ هذا الوحش في مملكة الفراتين مؤلبا دجلة على الفرات ، ولا اظن ان معركة الموصل هي الجولة الاخيرة من النزال مع هذا التنظيم الخطير ، فعلى الرغم من أنه قد خسر الكثير من أراضي خلافته المزعومة لكن هناك جولات ونزالات اخرى في اماكن اخرى نشاهدها في تتمة هذا المسلسل المرعب ، ريثما يفرخ داعش بيوضاً تكفيرية أخرى أو ينجب جيوشا جديدة من الانتحاريين بثوب ديني جديد ، او يستبدل جلده الخارجي النتن بجلد جديد اخر ، ونتيجة لكل ذلك بدأنا نفقد هويتنا الاسلامية والحضارية، وأخشى أن نصبح دويلات طائفية متفرقة مذبوحة من الوريد الى الوريد نعيش في وسط هذا النهر المتلاطم الدامي ، ضائعين بين شطآن التطرف وبحار التنظيمات الإرهابية ، ومدفوعين الى جزر الهاوية والخراب ..ولا أدري الان لم ترن في أذني كلمات الشاعر عبد الوهاب البياتي حين يقول : النهر للمنبع لا يعود ، النهر في غربته يكتسح السدود ..

اسعد الأعظمي –  بغداد