المواطن ليس خادماً
المؤسسة الحكومية ليست شركة خاصة
عندما كنت اعمل في كشك للاستنساخ و تنضيد المعاملات ، كان المراجعون يأتون عادة بصحبة رب الاسرة او كبيرها .
وكان حين يأتي احدهم بصحبة العائلة ، لانجاز معاملة لشهادة الجنسية او للجواز او غيرها ، يكون بداية الامر لطيفا و مرحا و يكون بعضهم الاخر متفائلا لابعد الحدود ، ولكن يكون ذلك مؤقتا في معظم الاحيان لشديد الاسف !
فبعد دخول و خروج من الدائرة يبدأ مزاجه بالتعكر ، وتقل لطافته مع اسرته تدريجيا ويبدأ صبره مع اطفاله ومعي بالنفاد ، وكثيرا ما شهدت اهانات بحق اطفال متململين او زوجات او بنات متعبات او اكثر من هذا .. اهانة للاسرة باكملها لوجود عرقلات بغيضة لا بد منها.
ولكن لم يحدث هذا دائما ؟ ، لم قام رب الاسرة باهانة اطفاله و زوجته؟ ولم اهينت الاسرة باكملها ؟
اين يكمن السر ؟ في الازواج النزقين ام في الزوجات ام في الاوراق المطلوبة ؟ ام في النظام؟
الاجابة البديهية هي النظام ((النظام البيروقراطي بشكل ادق)) ، ولكن ما هو النظام البيروقراطي و ما هي هذه الكلمة التي تتردد كثيرا ؟
البيروقراطية نظام هرمي وجده عالم الاجتماع الالماني “ماكس فيبر” في اوائل القرن الثامن عشر ويعني (سلطة المكتب)
هو نظام سلطوي جاف في العموم ، كثير التسلسل و الاجراءات الفرعية ، رسمي جدا و يتعامل مع مجموع الافراد كالالات ، يسير وفق مبدأ :طبق ثم ناقش . وجد هذا النظام للمؤسسات الشخصية في بادىء الامر ، للسيطرة على العاملين و العمل وفق امكانات ذلك العصر و ارادة المالكين .
ولكن .. ما علاقة هذا بمشاكلنا الحالية؟!
اليكم كيف :
لانه نظام روتيني هرمي ، يتشكل وفقه طريقة عمل وتفكير سلطويتين ، نرجسيتين ، تصيران العقول على التقيد و التقليد ، والامتناع عن الابداع خوفا من الشذوذ عن المبدأ العام لرئيس العمل وحرصا على إرضائه ، فان من المضحك ان يتم تسويقه حكوميا او العمل وفقه في هذا العصر و هذه الامكانات وهذه الحالة ، لاسباب عديدة اذكر منها :
ان خصائص النظام الهرمي ، تمنح السلطة الاعظم لصاحب العمل على العامل (وهذا يشمل كل شيء) ، ولانها كذلك ، فانها تعتمد التنظيم و التنسيق و فق العلاقات الشخصية التي تتمثل بالمصالح ، فتفتح بذلك الف باب للفساد و لتقديم المصلحة الشخصية للفرد على المجموع ، حيث لا تعاون و لا جو امن للنقد و ابداء الرأي الخاص ، بالتالي لا امل في تطور النظام و لا الافراد .
و لان البلد ليس شركة و ليس رئيس الحكومة مالكا لها ، وليس المواطن عاملا ، و هذه بديهيات اخرى.
بالرغم من ذلك ليس يخفى على القارىء ان نظامنا السائد بيروقراطي صرف في اغلب الاحيان ، على مستوى المؤسسات و الافراد ، فانك حين تراجع اية دائرة كصاحبنا على سبيل المثال ، لانجاز غرض ما ، يكون الروتين الممل و مزاج الموظف و اخلاقه اهم عاملين لانجاز المعاملة ، فاما الاول فذلك معضلة ، و اما الثاني فسقيم للاسف
و يمتد هذا الروتين لميادين اخرى ، كالمدرسة و المحل و الشارع و الاسرة .
فلرب الاسرة حق الاكل اولا ، وتقرير ما يأكله و يلبسه و يدرسه الاطفال .(وان كبروا)
و كذلك تقرير الالفاظ المنتقاة و التفكير المسموح ، مرورا بنوع العمل والوظيفة ثم الزواج و غيرها
وبتكاتف المدرسة و البيت و المؤسسة ، ينتج جيل خائف من التفكير ، قلق المشاعر و التصرفات ، موبوء الافكار ، مليئ بالعواطف المكبوتة كما نرى ….. ولا زلنا نعاني ….
تمام عدنان حسين – بغداد
























