مواقف إنسانية

مواقف إنسانية

موقف 1

طالبة جامعية في صفها الاول , لا تعرف طريق العودة إلى المنطقة التي تسكنها , فبعد انتهاء الدوام وقفت لفترة طويلة تحت جسر باب المعظم لكي تركب سيارة الكيا المتوجهة إلى منطقة الحسينية , ولان قلة السيارات وزحمة الركاب تعوقها جدا فلا تستطيع أن تحشر نفسها بينهم، ظلت تلتفت يمينا وشمالا كأنها تريد المساعدة , فكان احد الشباب في سن الخامسة والعشرين تقريبا يراقب تصرفاتها منذ وقوفها في الشارع , فوجدها حائرة وخائفة لأنها لأول مرة تخرج الى مكان بعيد من دون رفقة واحد من اهلها والوقت قد تأخر ولا تستطيع العودة فكر الشاب في أن يساعدها , اقترب منها سائلا :

– انت من الحسينية ؟

فأجابت بصوت متردد

– اي

– هاااا .. ادري الوكت تأخر ولازم ترجعين واهلج رح يقلقون عليج , شوفي راح اكولج شغلة بس لا تاخذينها بغير شي وحتى أخليج تصعدين السيارة ..

– شنو ؟؟ اخي اني اعرفك حتى تطلب مني شغلة ؟!

– شوفي والله ماعندي شي لتخافين بس والله علمودج .. واذا معجبتج اصرخي وكولي هذا يريد يتهجم عليه .. ها شكلتي ؟

– اااا .. اوكي شنو هالشغلة ؟

– خلي ايدج بإيدي كأنما انتي خطيبتي ونفوت بنصهم واصعدج .. اوكي ؟؟

نظرت إليه باستغراب شديد ,وفكرت في نفسها بعض الثواني , ثم بعد ذلك أشارت إليه بالموافقة .. مسكت كتبها بيدها اليسرى واحتضنت ذراعه بيدها اليمنى .. دخل الشاب وسط الزحام وأبعد الركاب قائلا : ” شوية بلا زحمة تأخرنا على البيت آني وزوجتي .. بس مجال الله يخليكم ” فأفسحوا له مجالا وبالتالي ركبت معه وجلسا في الداخل. وبعد أن تحركت السيارة , شكرته على موقفه هذا فأجابها بأنه لم يفعل إلاّ المعروف وبقيا يتكلمان طوال الطريق عن مواضيع مختلفة حتى أوصلها الى الشارع المؤدي إلى منزلها فطلب من السائق النزول فودعها ونزل من السيارة .

موقف 2

ركبت سيدة موظفة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية مع أبنتها لكي توصلها إلى الكلية , وفي السيارة كان رجلا متوسط العمر جالسا بقرب السيدة وفي يديه مسبحة , فقد كان يستمع لتلك المرأة تتكلم بصوت حنون وتصّبر ابنتها لأنها لم تقرأ جيدا في الأمس بسبب المرض ودموع الفتاة تتساقط على دفترها تخشى أن ترسب في الامتحان الأخير لهذه السنة والأم تخفف عنها وتشجعها :

– بنتي لا تبجين توكلي على الله , ان شاء الله تجي الاسئلة زينة

– ماما اني ما قارية زين , وتدرين البارحة جنت تعبانة كولش !!

– ميخالف ماما هسة د راجعي بلكي تحفظين شي ..

– ماما المادة صعبة ود ااحاول بس ما اكدر

فجأة , تدخل الرجل قائلا : انطيني الدفتر بنتي !!

 فنظرت اليه السيدة مع ابنتها باستغراب , وقالت له : شسوي بيه حجي ؟

قال: بس انطينياه هو والقلم .. !!

فأشارت الأم لأبنتها بأن تعطيه الدفتر والقلم , فأخذه وقلب الأوراق .. فكتب بعض الكلمات في آخر الدفتر , ثم أرجعه إلى الفتاة وقال لها “اقرئي هذه الكلمات خمس مرات الان وخمسة أخرى قبل أن تدخلي قاعة الامتحان عسى الله أن يسهل عليك ” . فقرأت بتردد وارتباك لا تعلم ما تخفيه لها تلك الكلمات وأمها تنظر إليها في سكون تام وبعد أن أنهت الفتاة قراءتها , وبعد مرور دقائق عدة شعرت بطمأنينة وراحة تامة , ثم بدأت تراجع الامتحان وأخذت تستجيب جيدا للمادة , فدخلت القاعة بكل حيوية ونشاط وبعد انتهاء الامتحان خرجت سعيدة لأن الأسئلة كانت جيدة جدا لم تكن تتصورها حتى قبل دخولها القاعة وبعد ذلك اتصلت بوالدتها تخبرها بالأمر ففرحت الأم وتذكرت الموقف الذي حصل في السيارة ثم تساءلت في نفسها عن سر ذلك الرجل!!

موقف 3

في التقاطع وفي وسط الزحام المروري والركاب في انزعاج كبير , البعض مشغول مع نفسه والبعض مهتمين في قص مشاكلهم وحكاياتهم اليومية والسائق ينظف المرآة الأمامية بأعصاب متوترة , جاءت عجوز وسألته من أمام نافذة الباب :

  • ابني توصل لجامع النداء ؟
  • اوووف , اصعدي حجية !

فتح احد الركاب الباب ومد يده فمسكت بها العجوز لكي تستند عليها وبعد ان جلست , تحركت السيارة والدقائق تمضي ولازال السائق ينظر إليها بعيون شرسة من خلال المرآة ويتساءل في نفسه لما لم تعطه العجوز الأجرة إلى الآن .. فقد كانت العجوز محرجة جدا وفي نهاية الأمر أخرجت من كيسها الممزق ورقة نقدية فئة 500 دينار كانت تالفة جدا وأعطتها السائق , فصرخ قائلا :

  • هاي شنو حجية وين لكيتيهة الخمسمية .. وبعدين النفر بألف .. هاك رجعهة من يمك !
  • يمة ليش الف ؟ هياته جامع النداء .. والله ما عندي غيرها !!
  • هذا شلون مصباح .. اني شعليه حجية .. اني رايد الكروة كلها .. بقي يثرثر ويقول كلاما فارغا حتى سئمت العجوز قائلة : ” يمة على كيفك .. نزلني ما حاجة تحجي وتتعصب راح تنكلب بينا السيارة “.

توقفت السيارة وفتحت العجوز الباب بصعوبة فبدأ الركاب بالصراخ , ومنهم من شتم السائق لفعلته .. ثم أوقفت العجوز سيدة م كانت جالسة بالقرب من الباب وقالت لها :

  • ابقي لا تنزلين حجية اني ادفع الكروة
  • اشكرج يمة , والله ما عندي بس هالخمسمية , ومحد الي وهسة اني د أراجع الرعاية الاجتماعية كل يوم وماكو شي , لا راتب لا تعويض بلكي اليوم  ينطوني شي , ثم بدأت بالبكاء
  • يللة ميخالف حجية صلي على النبي , ما صار شي , هاك خوية الألف مالت الحجية !

وكانت أعصاب الركاب تحترق بسبب هذا التصرف اللا اخلاقي وهم يهمون في صب جام غضبهم على ذلك السائق . عندها أخرج احد الركاب من جيبه ورقة نقدية فئة 25 ألف دينار وأعطاها للعجوز لكي تسد احتياجاتها وتأسفّ لما حصل لها فشكر من في السيارة تلك السيدة والرجل الكريم لموقفهم هذا .. ودعت لهم العجوز بالصحة والرزق .

عصام ثاير – بغداد