أثر الجيران والمحاكاة في المجتمع

 أثر الجيران والمحاكاة في المجتمع

يرى العالم الاقتصادي جيمس ديوزنبري ان الأفراد يتأثرون بنمط أستهلاك أصدقائهم وجيرانهم وغيرهم ممن يتأثرون بهم، فعندما يعيش الفرد بين الأغنياء فأنه سيحاكي نمط أستهلاكهم ، ويسمى ذلك بأثر التباهي كما يدعى بأثر ديوزنبري : وهو يشير الى ان مقدار الاستهلاك والأدخار يتحدد وفقاً لدخل الأسرة نسبة الى دخل الأسر الأخرى ، اذ أن أنفاق الأسرة لا يستند فقط على ذوقها في الانفاق وأنما على نمط انفاق جيرانها ويمكن تسميته كذلك بأثر الجيران اذ يرغب الأفراد دوماً بأن يظهروا امام الجميع بأنهم يتمتعون بالمقدرة على الانفاق العالي مثل جيرانهم ، لكونهم لا يرغبون بأن ينظر اليهم جيرانهم على انهم عاجزون عن الانفاق بالشكل المعتاد عليه .

وعلى الرغم من أن “مودلياني” قد غير هذه النظرية حيث قام بوضع نظرية دورة الحياة ويؤكد مودلياني : بأن الفرد يختار نمط معين للاستهلاك طيلة فترة حياته بدءاً من حياته العملية حيث الدخل في زيادة والأدخار موجب وبعد التقاعد فأن الدخل يختفي والأدخار الموجب يتحول سالباص ويبقى الفرد محافظاً على استهلاكه ، وأن هذه النظرية هي الأصح التي تعبر عن العلاقة بين دخل الفرد واستهلاكه .

إلا ان المجتمع العراقي ضل متمسكاً بنظرية ديوزنبري التي تُعرف بأثر الجيران ، حيث طور المجتمع العراقي هذه النظرية وحدثها على طريقته وأخذ يستخدم أثر الجيران في كافة مجالات حياته ولم يقتصر ذلك على الاستهلاك فقط إذ كان ذلك واضحاً من خلال استهلاكه، واليوم أصبح المجتمع العراقي يمارس أثر الجيران على مدى واسع في مجالات حياته فهو يأكل بأثر الجيران ويشرب ويلبس كذلك ومن كثرة العمل بأثر الجيران أصبح المجتمع يتصرف بأثر الجيران ويتكلم بأثر الجيران ويفكر كذلك ، فأن الفرد كاد لايستخدم عقله بل يقلد كل شيء امامه حتى في حزنه وفرحه .

وعلى سبيل التقليد في تصرفاته ستجد في مناسبة كمناسبة ولادة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه واله وسلم” شوارع بغداد تضج بألمطبلين والراقصين ، اما السماء فهي تضج بألمفرقعات والصعادات النارية وعددهم يكفي لكي نقول ان أغلب المجتمع يمارس ذلك للتعبير عن فرحه بولادة اشرف الانبياء ، وكأن تلك الممارسات تعبر عن حال الولادة الكريمة او ترتبط بالرسالة المحمدية وأهدافها ، ومع مخالفتها تجد الكثير ممن يقلد في ذلك دون ادنى تفكير، وكذلك الحال في التعبير عن حزنه فسوف تجد في ذكرى استشهاد احد الائمة الاطهار “عليهم السلام” المواكب تقلد بعضها بعضاوالاصدقاء يقلدون بعضهم بعضا فتجد الشوارع تضج وتمتلئ بمن يتصرف بما تصرف به أقرانه وأصدقائه وجيرانه ليس بما هو يفكر ويقتنع به .

وعلى سبيل التقليد في كلامه قال لي رجل ذات مرة “انني مفلس ولكن لابأس فأنا على اي حال لا احب النقود لانها سبب كل شر” ، فقد أصبح المجتمع العراقي بشكل سري او علني ينتقد النقود فهم يصفون المال بأنهُ شيء قذر، فهم قد توارثوا قول ذلك ، والحقيقة ان كل شيء شر وقذر يأتي من فهم الانسان المظلم والخاطئ ومن جهله وتفسيره الخاطئ للحياة ومن سوء استـــخدام عقله ، فهم لا يدركون بأنهم يفقدون الشيء الذي يسخطون منه ولا يستطيعون جذب شيء ينتقدوه ، ولا يدركون كذلك قول الله “عز وجل” (المال والبنون زينة الحــــياة الدنيا) فكيف اذاً هي شيء قذر.

وعلى سبيل عامل التقليد والمحاكاة تجد الكثير من الافراد قد يشتري سيارة لأن أحد اصدقائه أشترى سيارة .

وعلى سبيل التقليد في علاقاته نرى العديد من العلاقات الاجتماعية تكونت بأثر الجيران ، وأصبح الفتى العراقي اليوم يكون علاقاته الاجتماعية والعاطفية بأثر الجيران حتى لا ينظر اليه اصدقاؤه بأنه عاجز وغير قادر على تكوين علاقات مثلهم لا من اجل اشباع الثغرة والحاجة العاطفية والاجتماعية لديه ، اما حال الفتاة من هذه التصرفات فكذلك دواليك .

فقد تعدى أثر الجيران الاستهلاك لدى المجتمع العراقي وأصبح يشمل تصرفاتهم واقوالهم وحتى افكارهم ، ومن السهولة تجد المذاهب والعقائد والانتماءات السياسية والاجتماعية قد تغيرت بأثر الجيران ، وبذلك غيب المجتمع العراقي العقل تماماً وأصبح يقلد كل شيء ويتعامل دائماً بأثر الجيران .

احمد قاسم الكعبي