صراخ من مهد الطفولة

عندما تغلق الحياة أبوابها أمام عنفوان الحب يصبح الموت أشهى فاكهة يبتغي العشاق الوصول اليها لا للخلود مثلما فعل آدم في الجنة على الرغم من انه اقترف الذنب ليعيشا معا الى الابد الا ان الخطيئة واحدة وكلاهما دفع ثمنا باهظا جراء غايته . عندما يلتقي الحب والبراءة بآفة الحقد تولد المأساة..

ان الكثير من الحوادث في مجتمعاتنا ظلت رهينةٌ على قيد الخوف ..الا ان اليوم آنَ الاوان ان تُشهر اللبوة أنيابها وتزأر أمام الظلم فعندما لا يكون للمرء شيء يخسره كل الامور تصبح تافهةبالنسبة له . في طفولتي كنت أرى أغلب العوائل ليس فيها الا بطل واحد وهو الأم أما الأب المثالي فقد كان مجرد بطل في قصص الخرافات والاساطير ..كنت أشعر بوجود جدار من الفولاذ السرمدي يفصلني عن ابي ! وكم تمنيت ان يُزال كي أرتمي بين ربيع أحضانه لأنعم بحنانه وعطفه ، كثيرا ما كنت اعيش طفولتي مع عائلة صنعتها من وحي الخيال، أذكر أمي في ذلك اليوم قالت ان اليوم موعد زفافك لابن عمك ستصبحين عروسا يا طفلتي . أودعت أحلامي التي قضى عليها مجتمعي تحت وطأة العادات والتقاليد لأجد نفسي بين أحضان رجل إختاره لي والدي فأما أن أقول نعم أو نعم أو بالأحرى أنه لم يأخذ رأيي لاقول نعم . عشت معه دون اي اثبات رسمي بأني زوجته لان القاضي رفض ان يعقد لي لاني لم أبلغ السن القانوني للزواج كان عمري حينذاك أربعة عشر ربيعا حملت بعد اشهر قليلة كنت سعيدة جدا لأني سأصبح اماً . كانت غريزة الامومة تشدني اليها اكثر مما تستهويني الطفولة .

الا ان القدر كان له رأي اخر بعد مرور ثمانية اشهر على زواجي حدث مالم يكن بالحسبان حين أقدمت والدة زوجي على حرق نفسها وأحرقت أحلامي معها حتى الرماد ورحلت دون ان تكترث لشيء .

لا اعلم لماذا فعلت هكذا ربما كانت حالة نفسية كما يدعي البعض الا ان اصابع الاتهام كانت نحوي ! قبعت مرتدية خمائل حاكتها الايام لتقيني من الاعصار الذي أوشك ان يصل نافذتي ويخترقني كالزجاج عندما يخترقه الضوء . ارغموا زوجي على طلاقي كما ارغموني على الزواج منه ، كان يحبني الا ان الحب لا يكفي لأثبات الرجولة تركني اجوب على ارصفة الزمن كمتسكع في ظلمات اليأس استنشق خيباتي وزفيري عبرات، عدت لأمي ولم أكن أرى ما حولي بوضوح من غشاء الدمع الذي طغى مقلتي واعلم انها ليس بيدها شيء سوى النحيب استجمعت قواي وعاهدت نفسي أن أعيش لاجل ابنتي و ان لا اجعلها تعيش تلك المأساة . وفي ليلة أوهمت نفسي أن في الغد بزوغ شمس جديدة الى عالمي عند انجلاء دجاها احضرني المخاض كنت اتألم كثيرا لكنني كنت متيقنة ان رؤية ابنتي كفيلة ان تزيل تلك الالام عني واخيرا ولدت ملاك و انتشيت عبق انفاسها بقوة وقبلتها من جبينها، ها قد اتيتِ يا من سترتق جراحي كما يرتق الخياط الثياب وتندمل بملمسها وتتلاشى . لم اغضض بصري عنها لحظة الا ان القدر لم يعتد على فرحي فالحزن يليق بي بعد ساعة من ولادتها سلبت سعادتي من بين ذراعي عندما كانت قاب قوسين او ادنى مني رحلت ملاكي اخذوا ابنتي لابيها حينها ادركت ان الانسان لا يموت مرة واحدة بل مرات ومرات …واحتدم قلبي غيظا وفي النهاية خنعت امام مقصلتي لليأس بعد ان رفض العالم ان يحتويني، ها قد مضت الان ثلاث سنين على فراق ابنتي التي لا تعلم اني امها بعدما سجلت في النفوس بأسم عمها الذي لم يترك لها شيء مني سوى اثر الحبل السري الذي كان يربطها باحشائي . ما زلت باكرا في هويتي وقلبي خصب لانبات الاحزان بعد ان رفض زوجي حتى الاعتراف بزواجنا ليتوجني بعد كل المعاناة بالخذلان . وعندما قررت ان اخذ حقي واستعيد ابنتي استغلوا ضعفي كوني أنثى وقمعوني كي اسحب البلاغ ضدهم و لم يبق لي امل بالحياة من شيءٌ سوى ابنتي التي لا اعلم كيف اصبحت ملامحها الان …

آسيا عاشور – ديالى