وحيدة في الخفاء
كانت تجلس في تلك الغرفة المهترئة الجدران تُزينها ملصقات ورقية تُخفي لونها الرمادي، لم تتذمر كاترينا على مأواها يومًا كانت تعلم إن وُجود القليل خيرًا من عَدم وجودهِ وإن لذة الأشياء في السعي لتحصيلها لا أن تنالها دون إشتهاء، تُجمل مسكنها ما أستطاعت حُبًا بهِ وتزفُ لياليها في الشموع التي تؤنس ظُلمتها لآ حاجة لها بالكهرباءِ إن لم تمتلك ثمن فاتورتها “الاشياء التي لم تُمنح لنا في بطون أُمهاتنا لا تتوقفُ عندها الحياة” فبعد ذلك الحادث المروع الذي أخذ بوالديها لم يكن لها أمان سوى تلك الغرفة الصغيرة جدرانها هي لوحات لأحلامها منذ السابع من عمرها، لم ترض بأن يكون احدهم ذا فضلٍ عليها إعتادت أن تَجمع مال دراستها من زملائها الاغنياء، كان حل الفروض الدراسية عنهم متعبًا لكنها تجد به المتعة، كان الربيع فصلها المفضل ليس لجماليته فحسب بل إنهُ موسم إزدهار ورودها في العلب الصغيرة لتبيعها على سكان العمارة، رفيقتها هي المكتبة التي ساعدتها في تجاوز محن الحياة، تدفع إجرة مسكنها بسعادة لذلك البواب الذي لم يتذمر يومًا على بساطة المبلغ كونه يعلم إن لا أحدًا غيرها سيدفع للسكن في مكانٍ كهذا، كبرت كاترينا على نبذ الناس لها وإستهزائهم بفقرها لم تُعلمَ أحدًا إنها وحيدة فهي لم تكن تدرك معنى الوحدة حتى جاوزت السادس عشر من عمرها حين قرأت تلك الرواية التي أغرقتها في تفاصيل تجهلها عن ذاتها. تفوقها الدراسي ساعدها في أن تدخل الجامعة بمنحة، عالم مختلف لم تألفه من قبل أُناس متميزون كأنهم أبطال لرواياتها، تترقب من بعيد تُنصب كل شخص بطلٍ لقصة ما في خيالها، شدها الأمر، رغبت في أن تغوص في عقولهم أكثر وأكثر نما لديها الفضول أو حب الاستكشاف ورغبة جارفة في أن تلتحم معهم في غموض العالم، حاولت أن تُغير من نفسها لم تعد تنفرُ العالم في العلن كما إعتادت، حبال صوتها ما زالت ضعيفة لم تُدربها على الكلام، عَجبت لنعومة صوتها وموسيقاه الطفولية حين قاسمت جدران غرفتها تلك الأغنية التي سمعتها في كافتيريا الجامعة “أرهم معنى أن تكون وحيدًا”تميزها دفع الكثيرين لمحاولة التقرب منها، حتى وجدت لديهم ذات النزعة التي شهدتها من قبل، زملاء مصالح يحاولون الصعود على اكتافها لقمةِ التميز وسلوك طريق النجاح، “إن علموا بوحدتكَ أمدوكَ بالشفقة، وإن علموا بفقركَ رشوكَ بغناهم”، “علاج الرشوة إدراك سوئها، وهي خيرٌ من الشفقة وخناجرها التي تثقل القلب جِراحًا” رسائل تتساقط من حقيبتها لعروضٍ من المال، كانت تفكر من الجيد إن جمالها ليس خلابًا لكانت حينها تحت صراعٍ أخر لا تقوى على خوضهِ، جعلت منهم أصدقاء وجعلوا منها هدفاً لرمي السهام أدركتْ حينها معنى الوحدة وما تحتويه من سلام “أن تكون فقيرًا على طاولة الأغنياء هي أسمى درجات الوحدة” عادت لعزلتها ورفيقتها هي كُتبها حيث وجدت الحب الذي لم تشهد له ميدان ضمن واقعها حيث الاغنياء هم أفقر الناس قلوبًا وهو أمرٌ هين امام فقر جيبها، حذفت اثني عشر حلمًا من جدران غرفتها كانت قد حققتهم لم يبق الكثير حتى تبني قصرًا تمنح به اشباه طفولتها من غنى قلبها ومن سلسلة احلامها ومن ثقل جيبها المستقبلي ما لم توفره لها الحياة
جنات فلاح – البصرة
























