لمحات من التعليم..على طريق الصواب
لقد مضى زمن طويل على واقع التعليم بالماضي والحاضر ويحز في أنفسنا ما نراه اليوم من تدهور في المستوى العلمي والثقافي والأدبي والنشاط اللاصفي في جميع مدارسنا ونأسف لما آلت اليه الأمور وانحدرت اليه الى هذا المستوى نتيجة الى ما ابتلاه الله عز وجل بالوطن من شراذم يدعون الوطنية وهم منها براء …..
لقد كان التعليم مزدهرا في الحقبة التي أنا شاهد عليها منذ كنت طالبا فى الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في حقبة الاربعينات والخمسينات وبعد تخرجي ……كانت في سلك التعليم خدمتي في محافظة الديوانية وبغداد وفي التعليم المهني الى التقاعد …… اذكر ان الدراسة الابتدائية والمراحل الاخرى كانت ذات مستوى علمي عال من حيث المناهج العلمية ومستوى المعلمين والمدرسين وأدائهم واجبهم التربوي ……وكان الطالب عند أدائه امتحانات النهائية للمراحل الثلاث يطلب منه منهج الصفوف الثلاثة الأخيرة وتأتي الأسئلة منها ….. وكذلك فان المعلم كان يغذي الطلبة بالمادة الدراسية بصورة جيدة وعميقة ويحاول ادخال المواد العلمية الى ذهنية الطالب ويستعمل كافة طرق وسائل الإيضاح ….. كانت المدارس تزدهر بوجود المختبرات وكافة وسائل الإيضاح وكانت هناك رقابة شديدة على المعلمين والمدرسين في تأدية واجبهم أضافة الى حرصهم على ذلك فعلى المعلم والمدرس أعداد خطة لتدريس مادته تسمى بالخطة السنوية واليومية يعدها لما يقوم به من تقديم المادة الطلبة وهو مسؤول عنها امام إدارة المدرسة كما لم يكن مراقب من إدارة المدرسة بل هناك هيئة الإشراف التربوي التي كانت تزور المدرسة في السنة عدة مرات تراقب ما وصل اليه المعلم والمدرس في خطته السنوية واليومية وأداءه وطريقة تدريسه للطلبة وحسن معاملته وأخلاقه وسمعته وهو معرض للثناء والعقاب …… كانت المدرسة خلية عمل وكان الطلبة خلال الدوام أضافة الى تلقيهم الدروس العلمية هناك نشاطات لا صفية لكافة الأصعدة الثقافية والفنية والرياضية.
معارض من
وكانت المدارس تتبارز فيما بينها في معارض الفن والتمثيل والخطابة والخط….. والاستعراضات الرياضية التي تقام وشاهد على ذلك كان البلد بلدا واحدا ولم تكن هناك طائفية او عرقية او حزبية بل المواطن سيد الموقف لذا المعلم او المدرس عندما يتخرج عليه ان يعمل في كافة أنحاء العراق ثم يعودون الى مدنهم بعد سنوات. كانت المدارس لها ملاك بعدد معين لايمكن تجاوزه لان كل مدرسة لها عدد من المعلمين والمعلمات حسب طاقتها الاستيعابية وعدد طلاب صفوفها ولكل معلم عدد من الحصص وكذلك المدرس فالمعلم حصصه من 28- 30 والمدرس 22 …..فأذا كانت المدرسة ملاكها عشرين معلما او معلمة لا يجوز زيادة بها بل ان بعض المدارس في العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري كانت تحتاج الى كادر تدريسي لقلة الكادر العراقي لذلك كنا نشاهد المدرسين العرب وخاصة المصريين يدرسون في مدارسنا الثانوية . أنا احد الذين عملوا بالتعليم فقد عينت في محافظة الديوانية سنة 960 وأول مدرسة لي في ناحية الدغاًرة وبعد سنة عينت مديرا في قرية الفاضلية (ابو خايس) وهي قرية الشيخ صلال الموح الله يرحمه من قرى ناحية الدغاًرة بعد قلعة شخير ثم مديرا لمدرسة السنية في ناحية السنية وقريبة من مركز المحافظة عملت في هذه المدرسة لمدة خمس سنوات ولي بها ذكريات طيبة .
عملت بمساعدة المعلمين الذين معي لتكون هذه المدرسة نموذجية وكانوا خلية نحل ……بالأخص المرحوم السيد شاكر السيد نعمة الذي كان عبارة عن شعلة بالعلم والثقافة وكان المحرك الأساسي لكافة النشاطات فهو معلم ناجح وممثل ًوخطاط ورسام مبدع .
مجالات فنية
ومن خلال العمل استطعنا ان نبرز المدرسة في كافة الأنشطة وتفوقت على مدارس المحافظة في مجالات التمثيل والرسم والرياضة وبل الجانب الثقافي كانت المدرسة من بين قلة من المدارس تصدر مجلة مدرسية شارك في تحريرها اضافة الى الطلبة والمعلمين التربويين والمحافظ ومن العاصمة بغداد وفي احدى إصداراتها أرسلنا نسخة من المجلة الى السيد رئيس الجمهورية المرحوم عبد الرحمن عارف الذي شكرنا وأعطانا مكافأة……وكانت المدرسة من خلال هذا النشاط تقيم حفلات مدرسية خاصة بها على قاعة ومسرح مدرسة السنية للبنات المجاورة وكانت القاعة كبيرة ولها مسرح جميل …..وكانت الحفلة يحضرها المحافظ وقائد الفرقة الاولى العسكرية وكبار وشيوخ ورجال المحافظة…… وبنفس الوقت كانت جهود المرحوم مدير الناحية السيد كاظم السيد عبد الرضا العلاق. الذي ساندني في كل الاعمال التي قمت بها ً ……فاتني ان اذكر ان الدولة كانت تقوم بمشروع التغذية المدرسي كان الطلبة في كافة المدارس تعطى لهم وجبة غذائية خلال الدوام كما كانت الفرق الصحية تجوب المدارس.
ختاما نرى مع الأسف حال التعليم بعد مرور هذا الزمن …..لازالت مدارسنا من طين وقصب وأولادنا يفترشون الارض.
ونتيجة الطائفية يتخرج الطلبة دون علم ومعرفة وملاك المدرسة ما بـين 70-80 والمطلوب 15 والباقي فضائي يستلم الراتب بدون عمل ……والرشوة هي سيدة الموقف والطالب لا يعتمد على المدرسة ويذهب الى المدرس الخصوصي وهو قليل المعرفة …..فلو تسأله عن بلده لا يعرف عنها شيئا ولا عن تاريخه شىئا.
نرجو من الله العلي القدير ان يخرج بلدنا من محنته ويجعله على الطريق الصواب.
ثامر فهد الجبوري – بغداد
























