براغ.. وثـمّة عـشـق 2

540c05e2df9a4a30

براغ.. وثـمّة عـشـق 2

الجواهري يرسل قصيدة الرسالة المملّحة إلى عمّاش في بغداد

عبد الحسين شعبان

بيروت

حين دعاني “النّادي الثقافي العراقي” في براغ لإلقاء محاضرة، اخترتُ “العِشق” عنواناً لحديثي، لما له من مدلولات وألغاز وأسرار، خصوصاً حين نكون في حضرة براغ، حيث الثقافة وسرديّاتها المكتوبة والبصرية والمرويّة، تلك التي تجمّع بعضها في زوايا الذاكرة المُتعبة. قلت: لكنّها ليست محاضرة، بل هي بضع خواطر مبعثرة ومتناثرة عن معشوقة، ظلّ العاشق يحتفظ بمنديلها المعطّر، فيشمّه كلّما شعر بالشوق إليها، ليستحضر صورتها  ويستذوق طعمها ويلامس وجوهها المتعدّدة.

إذا كانت المعرفة شقاء وقلق وصراع، فإن الجهل بؤس وتخلف وخنوع، والفارق كبير بين البؤس والشقاء، وتلك مفارقة المؤمن العارف والمؤمن غير العارف، والمعرفة تأتي بالهمّ والأرق واللاّقناعة واللاّيقين واللاّاستقرار أحياناً، لكنها تفسح أمامك في المجال لطريق التفكير والسؤال بحثاً عن الحقيقة، في حين يأتي بك الجهل إلى التّسليم بما هو قائم أو رفضه ليس بالبعد أو القرب من الحقيقة، بل لأسباب تتعلّق بالجمود وعدم التفكير، ويكتفي البعض بتبرير “السير مع القطيع والهتاف مع الجميع”، خشية من العزلة، أي التصرّف بسلوك الجماعة التي ينتمي إليها دون تفكير، وإلاّ سيكون وحيداً خارج “مجتمع المؤمنين”، فذلك طريق “السلامة” بالنسبة إليه، وهو الذي اعتبره الجواهري “أرذل السبل”، وتلك لحظة تأمّل وتفكّر وتذكّر.

{ { {

كل شيء في براغ معمِّر، وحتى لو ترك الزمن آثاره، يبقى ثمة خلود، للبشر والحجر، والشجر، وكل ما أنتجه الإنسان، تتم المحافظة عليه. تلك سمة حضارية وتقدمية، بالشعوب والأمم التي تحترم نفسها وتحترم تاريخها وتحترم مبدعيها. فهل نستطيع استبدال الشقاء بالبؤس، وأيّهما سيكون مطهّراً للنفس، وعلى أي الجانبين يقف الوهم والعذاب؟ وحسب ابن خلدون، فالخراب بالظلم، والعمران بالعدل، وحتى وإنْ كان الأمر يحمل بعض التناقض، ولكن لحين، فسرعان ما يتّخذ المسار أحد الخيارين.

غالباً ما كان السؤال يكبر: أيّهما نقدّم الإنسان أم الفكر؟ وهو السؤال الفلسفي التاريخي والتقليدي حول أيّهما أسبق: المادة أم الوعي؟ وفي حين يذهب أصحاب المذهب المثالي إلى اعتبار الفكر يتقدّم على المادة، يقول الماديون لا سيّما الجدليون، إن وجود المادة يسبق الفكر، وهذا الأخير انعكاس للواقع.

وقد أخضعنا الإنسان لتجارب وعرضنّاه لتحديّات بزعم إثبات صحة الفكر، علماً أن لا فكر صحيح، دون البراكسيس، وحتى لو سوّغ آيديولوجيون من شتى الأصناف وفلاسفة ورجال دين، أن هدفهم خدمة الإنسان والارتقاء به إلى حيث السعادة والرفاه في الدنيا والآخرة، لكن المعيار يظل هو الإنسان ابتداءً وانتهاءً.

وبقدر ما تكون الغاية شريفة، فالوسيلة ينبغي أن تكون كذلك، لأنه لا انفصال بينهما، مثلما لا تنفصل البذرة عن الشجرة حسب قول المهاتما غاندي، فإننا لاحظنا وشهدنا كيف انهارت أنظمة كانت مثل القلاع المحصّنة على حد تعبير جون بول سارتر لا يمكن اقتحامها من الخارج، لكنها في حقيقة الأمر، كانت خاوية وهشّة من الداخل، حتى ظهرت وكأنها صُنعت من ورق باستعارة تعبير ماوتسي تونغ، عندما كان يصف الأنظمة الإمبريالية بأنها “نمور من ورق”، فالغاية الشريفة تتطلب وسيلة شريفة وهذه الأخيرة هي جزء لا يتجزأ من الغاية ذاتها.

 لقد انهارت جميع التبريرات والحجج الواحدة بعد الأخرى، تلك التي قدّمت ما هو طارىء على ما هو استراتيجي، وما هو استثناء على ما هو قاعدة، وما هو مصلحي على ما هو إنساني، ولم يعد الحديث عن العدوّ الخارجي وحده مقنعاً، وإنْ كان موجوداً ومؤثراً، لكن العدوّ كان يتربّع في الداخل، وعلى أعلى المواقع. وهل يستطيع عدوّ خارجي أن يتمكّن من تحطيم تجارب والإطاحة بالأنظمة، لولا وجود العدوّ الداخلي المتلبّس بلبوس شتى، لتبرير نهج هيمنته وانفراده وتسلّطه، ومن ثم فشله، دون أن يعني التقليل من شأن العدوّ الخارجي؟

أليس في الأمر ثمة استغفال؟ وأكثر من ذلك حين يبرّر محق الإنسان لكي تنتصر “الآيديولوجيا”، تلك التي سادت كذريعة باعتبارها “الهادي” و”المرشد”، في حين أنها شدّت الإنسان بأكثر من وثاق وقيّدته بأكثر من قيد وأغرقته في بحرها، وهكذا تعطل العقل التساؤلي النقدي ليحلّ محلّه العقل التبشيري الإيماني السكوني، وننسى أن الإنسان هو الأساس، وهو مقياس كل شيء، حسب رأي الفيلسوف الإغريقي بروتاغوراس، وصدق كارل ماركس حين قال: الإنسان أثمن رأسمال. ومهما قيل من تبريرات أو حجج لانتهاك كرامة الإنسان، تحت أي سبب كان، فإنها لا تصمد أمام حقيقة سمو الإنسان، الذي لأجله قامت الأديان وتبلورت الفلسفات وتأسست النظريات، إنه الهدف وينبغي أن يكون الوسيلة.

{ { {

في براغ:

الكشف، والفيض، والإلهام،

هناك تجد نقطة البداية التي توصلك إلى نقطة النهاية، لأنها تقوم على بُنية دائرية، فثمة مركز وثمة أطراف، ومن حيث تبدأ تصل إلى النهاية، تصل إلى الذروة والتّحقق، وتلك علاقة العلّة بالمعلول، والعاشق بالمعشوق!

لمجرد سماع اسم براغ سيكون أمامك: يوليوس فوتشيك الذي خاطب الغزاة الألمان وهم يريدون مساومته قائلاً لهم: ستكون براغ أجمل بدونكم، وهم يحاولون من على قلعة براغ أن يستثيروا غرائزه الإنسانية، كي يتنازل، لكنه اختار طريق الشرف والتضحية، دفاعاً عن وطنه وأفكاره، وهو القيادي الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الرودي برافو “الحقيقة الحمراء”. نستذكر “سكّة الغابات” والمقاومة، واللحن الذي يردّده البراغيون (خلال الحرب العالمية الأولى): نحن “البراغيون” لن نسلّم براغ. ولا ننسى كيف قرأنا فرانز كافكا: المسخ، والمحاكمة، والقلعة؟ وكيف استهوانا هذا الروائي المبدع ورائد الرواية الكابوسية؟ على الرغم من محاولة التقليل من شأنه بزعم فردانيته وسوداويته المخالفة للواقعية الاشتراكية “الجدانوفية”. وكنّا في صراع مستمر بين ما هو سائد وما هي رغباتنا ومشاعرنا، والإنسان في داخلنا.

لم نكن نستطع – أقصد من داهمتهم عاصفة الشّك والسّؤال وخرق الولاء والطاعة العمياء – أن نهضم لماذا يهمّش كاتباً بهذا الوزن؟ لذلك أقبلنا على قراءته كجزء من الرفض التساؤلي والشك الوجودي والتمرّد الأول، والشغب “المشاكس”!

كان كافكا من جلاّس مقهى سلافيا Slavia الذي كنّا نرتاده في أوائل السبعينات من القرن الماضي، أي بعد نحو ستة إلى سبعة عقود على ارتياد كافكا. والمقهى الذي افتتح في العام 1863، يطلّ على نهر الفلتافا ويقابل مبنى المسرح الوطني “الشهير”، ويواجه في الوقت نفسه قلعة براغ التي تنتصب فوق الجبل، هو قريب من الجسر الحجري المعروف باسم “جسر جارلس”، وهو من أقدم جسور أوروبا.

جائزة نوبل

كما كان من رواّد المقهى الشاعر والكاتب راينر ماريا ريلكه البوهيمي النمساوي الذي كتب بالألمانية والمولود في براغ والمتوفي في مونترو  في سويسرا، والموسيقار دفورجاك والموسيقارة سميتانا، والشاعر ياروسلاف سيفرت (الحائز على جائزة نوبل العام 1984)، وطائفة من الفنانين والفنانات والأدباء والمسرحيين، وكان يترددّ عليه عندما يزور براغ الشاعر التركي ناظم حكمت، كما كان الشاعر الجواهري يرتاده أيضاً، وخصوصاً في الثمانينات، ومن رواده المشهورين الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل الذي أصبح رئيساً للجمهورية، بعد التغييرات التي حصلت في خريف العام 1989.

حين أستحضر براغ بعد غياب، أستمتع بقراءة ميلان كونديرا: الذي لجأ إلى فرنسا العام 1975 وأخذ يكتب بلغتها لاحقاً: خفّة الكائن التي لا تحتمل، الضحك والنّسيان، البطء، فالس الوداع، فأية مواهب طُردت وأية كفاءات هاجرت وأية مظالم ارتكبت؟

قرأت براغ الأخرى من خلاله، براغ التحتانية وليس براغ الفوقانية، براغ السرّية وليس براغ العلنية، براغ الشعبية، وليس براغ الرسمية، وكنتُ كثير الفضول لمعرفة ما يدور في الخفاء. وبعد إنهاء دراستي وقبل مغادرتي براغ العام 1977، كنت قد قرأت Charter 77. تداولته وتناقلته مع صديقات وأصدقاء بحذر شديد، وقد لا أكون متفقاً مع كل ما جاء فيه، خصوصاً بنزع روح الاشتراكية، لكنني كنت أرغب في معرفة خفايا حركة تمرّد واحتجاج، كان هناك الكثير من التعتيم عليها، بل وازدرائها لدرجة اتّهام أي صوت معارض أو مختلف بشتى التهم المسيئة، ودون تمييز أحياناً، في حين كان الغرب كثير التهويل فيها، وهو ما كانت إذاعة أوروبا الحرّة التي تشرف عليها الـ CIA تبث عنها في إطار دعاية سوداء وصراع آيديولوجي إلغائي، وفقاً لنظرية “بناء الجسور” التي صمّمها تروست الأدمغة (مجمّع العقول) الذي يعمل بمعيّة الرؤساء الأمريكان لتحطيم البلدان الاشتراكية من داخلها.

لم تكن الأخطاء والخطايا مخفية، بل كانت مظاهرها تفاجئك حتى إذا كنت عابراً، فما بالك حين تعيش وتعرف وتتكوّن لك صداقات. هكذا سقطت التجربة مثل “التفاحة الناضجة” بالأحضان، وكانت قد تركت تأثيرات فكرية وعملية على الحركة الاشتراكية الماركسية بمجملها منذ وقت مبكر، وأعني بذلك الحراك الذي عرف باسم “ربيع براغ” الذي أثار انشغالاً عالمياً (العام 1968) وآراء متعارضة ومواقف متناقضة. وكنت قد كتبت قبل عقدين ونيّف من الزمان عن تأثيراتها الشخصية عليّ، تلك التي ترافقت مع عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، وما تركه من مرارات وخيبات، وهو ما أعدت قراءته في أوقات لاحقة، خصوصاً فكرة الاشتراكية ذات الوجه الإنساني، من منظورين نقديين: الأول من منظور التوظيف الإمبريالي الغربي، والثاني من منظور “التدخل” العسكري والسياسي السوفييتي، والمواقف المتطابقة معه، بل والمغالية أحياناً في تبنّي توجهاته، ناهيك عما له علاقة بالحرّيات، ولا سيّما حرّية التعبير، إضافة إلى بطء عملية التنمية وتعثّرها والاختناقات الاقتصادية التي صاحبتها، ولعلّ تلك رؤية ثالثة أخذت ببعضها أحزاب شيوعية واشتراكية أوروبية، وهو ما تحدثت عنه في محاضرة لي في لندن، بديوان الكوفة، ولاحقاً بكرّاس صدر لي بعنوان: بعيداً عن أعين الرقيب – بين الثقافة والسياسة 1994.

ولعلّ التوقّف عند المعلن والمستتر والظاهر والمخفي، ولا سيّما بعد التغيير، يعطينا تصوّراً أكثر واقعية عن ازدواجية “الإنسان” في ظل الأنظمة الشمولية تلك، التي لا تترك مساحة فارغة إلاّ وحاولت أن تسدّها، سواء بطبعتها الأصلية أو بنسختها الفرعية العالمثالثية بما فيها العربية، بشكل عام والعراقية بشكل خاص.

نستذكر بعض دراسات الاستشراق: مثل بيتراجيك، الذي ترجم القرآن إلى اللغة التشيكية، ومعهد الاستشراق، ونأسف لماذا لم نستثمر ذلك، بما كان لدينا من طاقات وإمكانات كعرب وكماركسيين (ماديين جدليين). وقد اكتفينا بما هو سائد ورسمي من العلاقات، وبالنتيجة حتى العلاقات القديمة لم نستثمرها على نحو جيد، وهو ما كان حديثي مع رفاق عراقيين وفلسطينيين وسوريين.

نعيد اسم كارل غوت المغني الجميل والصوت العذب، رحل إلى المنفى ثم عاد. من يستمع إليه يغنّي يشعر أن براغ كلها أصبحت مُلكه، بل هو أصبح مثل طائر يحلّق فوقها ليبسط جناحيه على أبراجها الذهبية وهضابها وتلالها المكتظة ونهرها الفلتافا العريض والمتدرج وجسورها الممتدة وحاناتها الأنيقة.

نستحضر الموسيقار دفورجاك وسمفونياته، وخصوصاً سمفونيته التاسعة “العالم الجديد”، وأسماء أخرى لسمفونياته التي أبدعها حيث وُلد في بوهيميا التابعة حينها لإمبراطورية النمسا 1841 ودرس في براغ، وقدّم أعماله في لندن ونيويورك وبلدان أخرى، وتوفي في العام 1904، تاركاً وراءه تراثاً موسيقياً ضخماً، هو امتداد وتواصل “لِـ” و”مع” موسيقاريين كبار مثل بتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي وآرام ختشادوريان، وغيرهم.

للمبدعين العراقيين مكانة في نفسي “البراغية”، وقد رويت جزءً منها في كتابي عن “الجواهري – جدل الشعر والحياة”، ولو كتب الجواهري قصيدة “يا دجلة الخير” لوحدها، لكان الشاعر الأكبر، فما بالك حين يوجد له 20 ألف بيت، بل عمارة من الشعر.

“حيّيت سُفحكِ عن بعد فحيّيني

يا دجلة الخير يا أمّ البساتين”

وفي حواراتي معه، كثيراً ما جئنا على براغ، ومعشوقاته، وكان قد أهدى إليّ مذكراته وكتاب الجمهرة، ومعها أبيات كتبها في براغ:

أبا ياسر وأنت نعم الصحيب

 وقلّ الصحاب ونعم الخدين

لقد كنت في محضر والمغيب

 ذاك الوفي وذاك الأمين

وفي ذكرياتي كنت الصميم

 سمير المعنّى وسلوى الحزين

ورويت في كتابي عن أبو كاطع “شمران الياسري” – “على ضفاف السخرية الحزينة”، مقاطع من حياته البراغية، قبل عودتي إلى العراق، وكان قد جاء “لاجئاً” غير سياسي على حد تعبيره. كتب فيها حكاية موت الكلبة مرزوكة، وقصة “بائع عرق السوس”، وحاول استكمال قاموسه الشعبي، وأكمل الجزء الأول من قضية “الحمزة الخلف”، وكتب حكاية “حدث هذا في مملكة الضبع الأكبر”. وأعاد نشر يا شجرة التفاح.

ممر مقابل

ومن اللقطات التي لا أنساها، حين شاهدتُ أبو كاطع، وهو يتكىء على الحائط في الممرّ المقابل، لقاعة الدفاع عن أطروحتي للدكتوراه 13/9/1977 (كلية الحقوق – جامعة جارلس)، فحين عانقني، قال: كان التأجيل أوجب، “وهي حسجة عراقية”، وفهمت أنه لا يرغب في مغادرتي براغ إلى بغداد، خصوصاً وأنني كنت مطلوباً لأداء الخدمة الإلزامية، وحاول معي كثيراً، لكن موّال العودة كان برأسي وهو منسجم مع موقعي، فكيف لرئيس الطلبة الذي يعلن ليل نهار “التفوق العلمي والعودة للوطن”، أن يتخلّف عن تنفيذه، وهو الشعار الذي كنّا نرفعه. وكان أبو كاطع  قد عاد هو الآخر “بقرار حزبي” قبل عودتي، وغادر على مسؤوليته، حين كان مُحالاً إلى “محكمة الثورة”، بتهمة “المتاجرة بالأسلحة”. وكيف أنسى محمود صبري وواقعية الكم. كنتُ قد قدّمته إلى الجمهور في نادي الصداقة العام 1972، بعد انقطاع أو غياب أو تغييب، والمحاضرة كانت بعنوان: فن جديد لعصر جديد، بشّر فيها بنظريته حول واقعية الكم، وقد طلب منّي الصديق رواء الجصاني أن أكتب عنه بعد رحيله وفي ذكراه، وهو ما وضعته في برنامجي، وأرجو أن يسعفني الوقت، لكي أفي بالتزامي الأخلاقي والثقافي، إزاء رموز وشخصيات نافذة، خصوصاً من الذين عرفتهم عن قرب وارتبطت مع بعضهم بصداقات متينة وفي مقدمتهم الفنان محمود صبري.

وأتذكّر لقائي مع مظفر النواب في براغ، بعد وصولي إليها ببضعة أشهر “خريف العام 1970” واحتفالنا به في مطعم “أوفليكو U Flek?” الشهير، الذي تعود واجهته الأمامية إلى القرن الثاني عشر، وهو مطعم يقدّم البيرة السوداء. وألقى النواب بعضاً من قصائده في جلسات خاصة، وصاحبه في الغناء لقصائده الصحافي جعفر ياسين.

وكان مظفر النواب قد التقى بالجواهري في مقهى سلوفانسكي دوم، الذي كان “مقراً” للجواهري، يرتاده كل يوم تقريباً، وهناك دارت الكؤوس حيث تزدان مدينة براها “براغ” وكأنها “حلم العذراء في يقظتها” جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة. وقصة لقاء الجواهري بالنواب من الطرافة بمكان، وكنت قد رويتها في كتابي “الجواهري n جدل الشعر والحياة”، كما نشرت القصيدة الموسومة “محمد المصباح”، والمقصود مظفر النواب، والمعنونة “فاتنة ورسام”، في كتاب “الجواهري في العيون من أشعاره” العام 1986.

وفي سلوفانسكي دوم ومن مشارفها كتب الجواهري قصيدته المملّحة إلى الفريق صالح مهدي عماش الذي جمعته به صداقة حميمة (أيار / مايو 1969) وكان حينها وزيراً للداخلية، والقصيدة “الرسالة” هي تعبير عن وجهة نظر مغايرة واحتجاج “شجاع”، إزاء حملة الأجهزة الأمنية على ما سمي حينها “الميني جوب” وميوعة الشباب، بحجة مجافاة ذلك للأخلاق، وجاء في مطلعها:

وفّى لها نذراً فوافى

 وسعى بها سبعاً وطافا

إلى أن يقول:

أ”أبا هدى” شوقٌ يُلحُّ

 ولاعجٌ يُذكي الشِّعافا

نُبئـتُ أنّكَ توسع الـ

 أزياء عَتّاً، واعتسافا

تقفو خطى المتأنقا

 تِ كسالكِ الأثرِ اقتيافا

وتقيس بالأفتار أر

 ديةً بحجّة أن تَنافى

ماذا تُنافي؟ بـل وما

 ذا ثمَّ من خلُقٍ يُنافى؟

حوشيتَ، أنت أرقَّ حا

 شيةً، ولطفاً، وانعطافا

وأشدُّ لِصقاً بالحجى

 وألدُّ بالعدل اتصافا

أترى العفاف مقاس أقـ

 ـمشة؟ ظلمتَ إذن عفافا

هِوَ في الضمائر لا تخا

 ط ولا تقصُّ، ولا تكافى

وفي زيارتي الأولى إلى براغ في العام 1969 قبل أن أستقر بها بعد عام ونيف، زرت الجواهري في صومعته في سلوفانسكي دوم، وكانت القصيدة “الرسالة المملّحة” قد سرت في بغداد مثل النار في الهشيم – كما يقال -، خصوصاً  لدى النّخب الثقافية، ومن متذوقي شعر الجواهري، وحدثته عن تأثيرها المعنوي الشديد الأهمية، وعن تردّد ثم تراجع السلطات لاحقاً عن إجراءاتها التعسفية المتعلقة بالحريّات الشخصية، وكم كان وجهه مشرقاً وعيناه تلمعان وهو يستمع إلى تلك الأخبار التي قد يكون لديه الكثير منها، لكنني نقلتها بعفوية واعتزاز مصحوبة بالإعجاب الشبابي وروح التحدّي.

جدير بالذكر أن الجواهري بدأ بكتابة تلك القصيدة على قصاصة ورق لفاتورة حساب صغيرة، صباح أحد الأيام في براغ، ثم اكتملت القصيدة في عصر ذلك اليوم، حتى أرسلت بالبريد المسجل إلى الفريق صالح مهدي عمّاش، وقد نشرت القصيدة في “جريدة النور” في 11 أيار (مايو) 1969 .

{ باحث ومفكر عربي