هارب من الخوف
حزمت الامتعة، وقررت الرحيل بلا عودة، فليس هناك ما يشدني الى البقاء سوى أم حانية، لكنها هي من حببت الي بالهجرة، وكانت تدعو الله دائما بأن يوفقني للعيش آمنا في بلاد الغربة ، ولسان حالها يردد ذلك المثل العراقي : بالغربان ولا بالتربان.
كنت انظر الى بغداد من نافذة الطائرة ، نظرة وداع بلا رجعة ، فها انا اشعر ببعض الاطمئنان، وهذا الخوف الذي لازمني سنوات، يبدو انني سأتخلص منه سريعا واتعافى منه، فلم اترقب بعد اليوم عملية دهم، ولا اواجه قنبلة عمياء تنفجر في حشد من الناس، لا تعرف لمن الدور في القتل، ومن سينجو ومن سيموت، وساغادر كل تلك السيطرات التي باتت تخنقني كما تخنق الطرقات، في ما تمر من امامها بأمان سيارات الموت لتنفجر هنا او هناك.
سأرحل، مخلفا وراءي عمليات الخطف، والتصفيات على الهوية، والمجهول الذي بات يمثل عنواناً جديداً للحصانة.
سأبتعد عن أخبار الحرب التي أخذت بالإتساع، وأصبحت بلادي مسرحاً لها، كل دولة تستعرض فيها قدراتها، وتنتظر نصيبها من كعكة العراق.
قطعت المضيفة شروده ، ولحظات تأمله، وسألته بالانكليزية – كون الطائرة تابعة لشركة أجنبية ، بعد الحظر الأوربي على الطيران العراقي – : هل انت خائف؟.
اجابها: لا ممن اخاف؟.
ردت عليه: من الطائرة.
قال لها: لا .. الأرض أخوف من طائرة تحلق في أجواء مفتوحة.
قالت : هل انت سائح؟.
اجاب: لا .. هارب
سألته : ومن اي شيء تهرب؟.
اجابها : من الخوف.
قالت : تهاجر؟
رد عليها وهو لايدري ماذا يريد : هجرة، لجوء، لا أدري، المهم أن أصل !!
قالت ووجهها متجهم : أين ؟
اجابها بلا تردد : الى ملاذ آمن !!
استوقفت قليلاً، وطلبت من زميلها أخذ عربة الشاي لتستكمل هي الحديث : يعني ليس هناك من أحد ينتظرك؟
قال مع ابتسامة مفتعلة : البحر ينتظرني!!
ردت متهكمة : أنت تنتحر ؟
اجابها بشيء من اللامبالاة : أنا في كل يوم اعيش لحظة الإنتحار، اقتحام الخوف خير من إنتظاره، الهجوم ياسيدتي افضل وسائل الدفاع !!
قالت : لكنك لست في حرب؟
تساءل هو هذه المرة : وما نتيجة الحرب برأيك ؟
اجابت : الموت أو الحياة !!
قال : نحن نموت في كل يوم، دعيني أحدد خياري : الموت مرة واحدة، أو الحياة بطمأنينة.
ردت : أتتصور ان الطرق مزروعة أمامك بالزهور؟
أجاب : لكنه ايضاً ليس مليئاً بالشوك!!
قالت بعد أن أعياها بإجاباته المملوءة باليأس : تدري، انا مولعة بالخوف، فكلما وضعت رأسي على الوسادة، اختلق صورا مخيفة لأنام.
اجابها: لأنك لم تعرفِ الخوف الا بالأحلام، اما نحن فنعيشه في كل يوم ، وهنا قطعت محادثتهما صوت مرتبك لمساعد الطيار وهو يطلب منهم الاستعداد لمواجهة عاصفة من الدرجة الثالثة تتجه نحوهم بشكل مباشر .
واثق عباس – بعداد
























